أرض الرباط .. الشعوب تنتصر

عوض بن سعيد باقوير –

في التاريخ البعيد والقريب وفي مسار نضال الشعوب الحرة لم يستطع المحتل أن يقهر أي شعب، حيث اندحر الاحتلال وانتصرت القيم الإنسانية وروح المقاومة، رغم فارق الإمكانيات والخطط الخبيثة التي تدار من داخل الغرف المغلقة في تحدٍ للقوانين وقرارات الشرعية الدولية.
وتتعرض قضية الشعب الفلسطيني منذ قدوم إدارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى البيت الأبيض إلى مخطط هو الأخطر لابتلاع وسرقة المزيد من أرض فلسطين خاصة في الضفة الغربية وأيضًا منطقة الأغوار، ومن هنا فإن الصراع والمخطط الحالي يستند إلى عنجهية أمريكية وإسرائيلية في ظل الانكسار العربي المنشغل بخلافاته وصراعاته وحروبه التي لا تنتهي.
ومنذ المخطط اليهودي قبل ١٠٠ عام وهذا المخطط يتواصل لاحتلال كل فلسطين وتكرار نكبة عام ١٩٤٨ حيث إن هناك شعورا واضحا من اليمين المتشدد في واشنطن وفي أوساط منظمة الأيباك أن الوقت يعد مثاليًا لابتلاع أرض الرباط، خاصة وأن الوضع العربي في أدنى حالاته والعرب يقتربون كثيرا من التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، وهم أي العرب في حال انشغال بخلافاتهم الجانبية المفتعلة وحروبهم بالوكالة في أكثر من منطقة وهذا يسهل تنفيذ المخطط تحت اسم خطة السلام الأمريكية.
أرض الرباط الصامدة
لنا في التاريخ كما تمت الإشارة عبر ويعد نموذج جنوب إفريقيا من النماذج المشرفة، حيث مقاومة المحتل العنصري وزرع الكراهية والتنكيل، في محاكاة واضحة لما يتعرض له الشعب الفلسطيني المكافح والصابر، ورغم قسوة الاحتلال في جنوب إفريقيا تحرر هذا البلد بفضل كفاح شعبه وأصبح هناك تعايش بين كل العرقيات والأديان بعد كفاح مرير مع المستعمر.
إنَّ الاحتلال الإسرائيلي البغيض هو آخر احتلال في التاريخ، وسوف يتم دحر هذا الاحتلال يومًا ما فالنواميس الكونية لا تتغير، وكفاح الشعوب هي التي تشكل ملامح الصراع، ومن هنا فإن الحديث هذه الأيام عن ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة هو جزء من تلك الخطة الأمريكية المشؤومة التي روج لها ترامب ومستشاروه مثل: كوشنر واليمين المتشدد في واشنطن. ومن المفارقات أن يقوم وفد أمريكي بزيارة عدد من الدول العربية للترويج لضم ثلث أراضي الضفة الغربية في سلوك صارخ ينم عن استهجان وعدم احترام للشرعية الدولية، وعلى ضوء هذه التطورات الخطيرة على أرض فلسطين المحتلة فإن الشعب الفلسطيني يظل هو الرهان على الصمود وكسر مخطط واشنطن والمحتل الإسرائيلي.
القيادة الفلسطينية رفضت المخطط الأمريكي منذ البداية، وهي تتعرض لضغوط اقتصادية وسياسة ورغم ذلك فهي صامدة، وهذا خيار الشعب الفلسطيني المتمسك بأرضه وحقوقه الثابتة التي أكدت عليها قرارات الأمم المتحدة.
إذن الرهان الأساسي على صمود الشعب الفلسطيني وهكذا هي أقدار الشعوب على مر التاريخ تبقى هي الرمح الذي يقاوم الاحتلال وأطماعه، ويبقى الحديث عن السلام هو أكذوبة ليس لها أساس واقعي رغم المبادرة العربية التي كانت أساس للحل الشامل والعادل، ومع ذلك فان أرض فلسطين تتعرض من جديد لاختبار صعب ليس من قبل الكيان الإسرائيلي ولكن أيضًا من إدارة ترامب التي توزع الأراضي العربية المحتلة في فلسطين والجولان السوري المحتل لصالح الكيان الإسرائيلي المحتل. وعلى ضوء التطورات فإن العالم الآن ينتظر الموقف العربي المناصر لأرض الرباط وشعبها ومقدساتها.
العرب والمخطط الأمريكي
العرب الآن أمام مفترق طرق، حيث تتعرض قضيتهم المركزية إلى مؤامرة مكتملة الأركان ومن إدارة ترامب من خلال ضم ثلث أراضي الضفة الغربية والأغوار في مرحلة لاحقة، ومن هنا فإن بيانًا من الجامعة العربية للإدانة والاستنكار لن يكون كافيًا هذه المرة بل قد يكون المسمار الأخير في وجود الجامعة العربية نفسها خاصة وأن هناك تصميما أمريكيا واندفاعا لضم الأراضي الفلسطينية وهو أمر أشبه بالقرصنة.
العرب أمام تحدٍ كبيرٍ وفي تصوري أن الشعب الفلسطيني ومن خلال تجارب سابقة أصبح لا يعول كثيرًا على الموقف العربي، ومع ذلك فإن هناك بصيصا من الأمل نحو موقف عربي مشرف لحماية ودعم أرض الرباط والمحافظة على ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية، وهي أقل من الربع كمساحة، فكم سيبقى إذا احتلت إسرائيل ثلث أراضي الضفة الغربية، وفي حال المفاوضات لن يكون هناك أراض ليتم التفاوض عليها.
وعلى ضوء الأحداث الدراماتيكية التي تجري في منطقة الشرق الأوسط فإن الوضع يعد خطيرًا، وقد تشتعل المنطقة من جديد، وهذا يعني أن موضوع حل الدولتين انتهى، وهذا التطور يفتح الباب مجددًا لصراع وحرب في المنطقة، وإذا كانت الظروف العربية الآن محبطة فقد تتغير الأوضاع خاصة وأن هناك الآن توافقًا بين حركتي حماس وفتح حول الوقوف صفًا واحدًا تجاه المخطط الأمريكي والإسرائيلي، وهذا مؤشر إيجابي يرفد الموقف الصامد للشعب الفلسطيني.
من العوامل التي جعلت إدارة ترامب تتجرأ على تنفيذ مخططها هو الوضع العربي المتردي، حيث الحروب الأهلية والخلافات، ومن هنا فإن الموقف العربي القوي واستثمار أوراق الضغط سوف يشكل الحد الأدنى من الردع، كما أن طلب جلسة خاصة لمجلس الأمن لفضح المخطط الأمريكي الإسرائيلي وانعكاسه وخطورته على الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط يعد من الخطوات الحيوية في ظل رفض الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحركة عدم الانحياز للتصرفات الإسرائيلية غير القانونية.
الاعتراف الدولي بفلسطين
أمام التعنت الأمريكي والإسرائيلي فإن دعوة بعض البرلمانات في أوروبا الحكومات الاعتراف بدولة فلسطين يعد من الخطوات الأساسية ولابد أن تعمل الدبلوماسية الفلسطينية والعربية على هذا التحرك، وهناك معارضة أوروبية كبيرة لسلوك إسرائيل الذي يخرق القوانين والاتفاقيات الدولية، والكيان الإسرائيلي هو كيان مارق لا يقيم للقوانين والقرارات الدولية أي وزن، وبالتالي فإن أمام المجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية وقانونية لكبح جماح هذا الكيان الذي يواصل سياسة الاستيطان وسرقة الأراضي الفلسطينية على مدى سبعة عقود، وجعل منطقة الشرق الأوسط في حالة توتر وغليان من الأراضي المحتلة في فلسطين مرورًا بجنوب لبنان والحروب المتتالية مع حزب الله وأخيرا بالتوتر مع إيران ومحاولة إسرائيل إشعال حروب في المنطقة من خلال تحريضها على إشعال حرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
إن الكيان الإسرائيلي وسلوكه المشين وغير القانوني يشكل خطرًا على الاستقرار في المنطقة وهذا يستدعي أولا مواصلة الصمود الفلسطيني وهو أمر مفروغ منه، وثانيًا مواجهة عربية، وأخيرا مواجهة دولية ضد مخططات إسرائيل العدوانية تجاه الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني وأيضًا الشعب السوري والشعب اللبناني فإسرائيل دولة تحتل أراضي ثلاث دول عربية، وفي الوقت نفسه تتشدق بالسلام المزعوم، وهي التي ترتكب الجرائم والتنكيل بالشعب الفلسطيني على مدى عقود ومع ذلك فإن التاريخ يقول إن لكل احتلال نهاية مهما بلغ بطشه وجبروته، فالشعوب في نهاية المطاف هي التي تنتصر على المحتل في كل مكان وزمان، كما أن على العقلاء في واشنطن أن يرجعوا حساباتهم وسياسة واشنطن الخارجية التي خرجت عن مسارها التاريخي وأن يكون موقفا منصفا، وهي التي تتحدث عن العدالة وحقوق الإنسان والمساواة، كما يتحدث عن ذلك دستورها، أما أرض الرباط العزيزة فسوف يكون النصر حليفها، وإذا كانت الظروف الحالية قاسية فإن الأيام والأحوال تتبدل وتلك سنة الله في هذا الكون.