العرب تعلموا الدرس.. الحصافة السياسية نموذجا

د. عبدالعاطي محمد –

لو احتكم صانع القرار العربي هذه المرة إلى طريقة النقاش والتشاور وروح العمل المشترك التي كانت سائدة منذ عشر سنوات، لاتخذ قرارا يبعث على الالتباس ويفتح الطريق مجددا لتدخلات عسكرية لن تؤدي إلا إلى مزيد من تدهور الأوضاع ليس في ليبيا وحدها وإنما في المنطقة كلها.
فرق كبير بين قرار الجامعة العربية في 12 مارس 2011 بشأن التطورات الليبية، وبين قرارها في 23 يونيو 2020 حول الموضوع نفسه. فقد كانت خبرة عشر سنوات تفصل بين التاريخين كافية لأن تجعل العرب يتعلمون الدرس، بألا يكون موقف وتصرف الجامعة سببا أو مبررا يعطي الضوء الأخضر للقوى العالمية الكبرى لحسم الأزمة الليبية مرة أخرى بقوة السلاح، وإنما بأن يضعها عند مسؤوليتها في دعم كل الجهود عربية كانت أم ليبية أم دولية وإقليمية الهادفة إلى حل سياسي يرضي جميع الأطراف المعنية.
منذ نحو عشر سنوات وقت اندلاع الأزمة الليبية ضمن موجات التغيير التي ضربت بعض الدول العربية اجتمعت الجامعة العربية على المستوى الوزاري لتدارس الموقف واتخاذ القرار المناسب لوقف شواهد الحرب الأهلية ولإنقاذ المدنيين من الهجوم العسكري المكثف الذي شنه النظام الليبي آنذاك بقيادة العقيد القذافي ضد معارضيه خصوصا في اتجاه بني غازي. كان المشهد مأساويا بالفعل وفقا لكل التقارير الدولية التي لم تتوقف عن التحذير من قصف المدنيين. ومن جانبها طالبت الجامعة عن طريق أمانتها العامة نظام القذافي بالتوقف عن هذا العمل غير الإنساني وكان الرد هو الرفض والتعامل باستخفاف وربما بتهكم واستهزاء من الجامعة بيت العرب. ومع استمرار تدهور الأوضاع، اتخذ مجلس الجامعة قرارا محددا هو مطالبة مجلس الأمن بالتدخل لإقامة منطقة حظر جوي، وذلك لوقف هجمات الطيران الحكومي على المدنيين العزل. وعمل كهذا لا يقوم به إلا مجلس الأمن وليس من حق أطراف دولية أخرى فعله.
إلى هنا كان مطلب الجامعة محددا بدقة أي إقامة منطقة حظر جوى فقط، إلا أن ما جرى اتخذ مسارا آخر لم يكن من أهداف الجامعة ولا من بين حساباتها، وما حدث هو أن الدعوة العربية لمجلس الأمن بالتدخل تحولت إلى ضوء أخضر لعدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة للقيام بعمل عسكري موسع يقوده حلف الناتو لتغيير الأوضاع في ليبيا بقوة السلاح.
لم يتوقف هذا العمل على الهجمات الجوية بل كان هناك وجود عسكري على الأرض، وساهم ذلك في القضاء على حكم القذافي وبالطبع مناصرة معارضيه. ومنذ ذلك الوقت بدأت محنة الليبيين الذين حلموا بالتغيير ودخلت البلاد فيما يشبه الحرب الأهلية ما بين الشرق والغرب.
ولأن الجامعة كانت طرفا في البداية وأعطت مشروعية لما قام به الناتو، وذلك بطلبها من مجلس الأمن إقامة منطقة حظر جوي، نالت كثيرا من النقد ليس فقط من قطاع عريض من الشعب العربي وإنما من الليبيين أيضا الذين باتوا يتحسسون كثيرا من مواقفها فيما بعد على مدى عشر سنوات. ولم تفلح الجهود التي بذلها الأمين العام آنذاك عمر موسى في تصحيح صورة الجامعة ولا الموقف العربي عموما عند الرأي العام الليبي الذي ظل يحملها – خطأ أو صوابا – جانبا من المسؤولية في انهيار الدولة الليبية والوضع المأساوي في المجتمع. وللحق فإنه كثيرا ما أوضح أن القرار كان محددا بالحظر الجوي وأن الجامعة دخلت في خلاف حاد مع مجلس الأمن بعد ذلك بسبب تجاوز هذا المطلب وإحلال التدخل العسكري الشامل محله والذي كان من نتيجته قصف الناتو للمدنيين أيضا!
ولكن المشكلة في السياسة عموما أن الانطباعات حتى وإن كانت خاطئة تكون أحيانا أقوى من الحقائق، ولذلك ظل قطاع مهم من الليبيين يضع الجامعة في موضع الاتهام، مع أن الحقائق كانت تشير بوضوح إلى أن الغرب كان قد بيت النية على ضرب نظام القذافي ودفع البلاد إلى ما يسمى بالفوضى الخلاقة، وهو ما كان بالفعل.
آنذاك تدافعت التطورات سريعا وسط ظرف عربي هام اتسم بالاضطراب وغموض الأحداث والضغوط الدولية الشديدة المؤيدة لما كان يسمى وقتها بثورات الربيع العربي، فيما يعنى أن صانع القرار العربي لم يكن في ظروف تسمح له بالحصافة السياسية بقدر التصرف بأسلوب رد الفعل الذي يهدف إلى التخلص سريعا من تداعيات الأزمة. كان هناك مطلب مما كان يحمل مسمى المجلس الوطني الانتقالي (بقيادة مصطفي عبد الجليل) والذي اعترفت به فرنسا كسلطة شرعية جديدة، يريد من المجتمع الدولي أن يتدخل، وكان تقدير الموقف داخل مجلس الأمن هو أن ما كان يجرى هو جريمة ضد الإنسانية، وبناء على هذا وذاك يتعين على المجلس أن يسمح بعمل عسكري موسع وليس مجرد فرض منطقة حظر جوي كما طلبت الجامعة العربية.
الدرس الذي تعلمه العرب في ضوء هذه التجربة المريرة بخصوص التعامل مع تطورات الأزمة الليبية، هو أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تبادر الجامعة بوصفها النظام الإقليمي الذي يجسد الموقف العربي الواحد إجماعا أو توافقا، باتخاذ خطوة ما قد تسمح بتدخل عسكري أجنبي في شأن بلد عربي على غير رغبته هو وبمبادرة منه هو وفقا للشرائع القانونية الدولية، وتلك المنصوص عليها في ميثاق الجامعة، ومعاهدة الدفاع العربي المشترك. في هذه الحالة يأتي دور الجامعة تابعا لما تطلبه دولة من أعضائها، ومع ذلك قد تقره وقد ترفضه حسب قراءتها للموقف ككل ووفقا للتصويت بالإجماع أو التوافق. فالمهم هو أن تكون هناك دولة أو سلطة شرعية تدير شؤون البلاد تعبر عن سيادتها أي حقها في اتخاذ القرار الذي يحقق مصالحها، وأن يكون هناك خطر يهدد بالفعل استقرار وأمن هذا البلد، وأن يأتي موقف الجامعة بناء على طلب هذه الدولة العضو أو طلب من أخرى تتحقق له موافقة غالبية الأعضاء. ومن المؤكد أن انعقاد مجلس الجامعة آنذاك كان شرعيا، ومطالبته بتدخل مجلس الأمن كانت شرعية أيضا لأنه هو السلطة الوحيدة التي تملك إقامة منطقة الحظر، ولكن ما جرى في مجلس الأمن كان شيئا أخرا تماما.
وبناء على ما جرى في الماضي فإن العرب أصبحوا أكثر حذرا فيما يتعلق بالموقف الدولي من قضاياهم وأزماتهم ومن ثم فإن اللجوء إلى طرق أبواب القوى الكبرى يجب أن يكون حذرا وناتجا عن حصافة سياسية، بغض النظر عن كونه مطلبا أو تحركا ضروريا ومطلوبا بحكم المسؤولية الملقاة على هذه القوى (السلام والأمن الدوليين). واتضح ذلك من الحصافة السياسية التي اتسمت بها صياغة القرار الذي صدر في 23 يونيو 2020. وحصافة الرأي وفقا للمعاجم العربية – تعني استحكامه وجودته وأن أحكامه عادلة واحتكمت إلى العقل. وهذا التعبير أفضل من وصف القرار بأنه جاء متوازنا لأن التوازن يفترض تقديم تنازلات واضحة بين الأطراف وهو ما لم يكن موضوعا للقرار ولا يحمل ضمنيا تهربا من التزامات بعينها. ولكن القرار جاء بمثابة خريطة طريق عادلة تقدم حلا يرضى جميع الأطراف. وقد تجنب صانع القرار هذه المرة أخطاء القرار الماضي مع أن الأوضاع على الأرض الليبية لا تقل خطرا من جميع المجالات عما كانت عليه قبل عشر سنوات. والميزة الأساسية أنه لا يسمح للقوى الكبرى المعنية بإساءة استخدامه كما حدث في القرار القديم، وهنا تتجلى الحصافة السياسية بأفضل صورها.
معالم الحصافة كثيرة ولكن من أبرزها أن القرار يتبنى بالكامل حلا سياسيا ويستبعد بالكلية أية موافقة على أي حل عسكري. والحل السياسي يعني ببساطة التفاوض والوصول إلى حلول وسط تقبلها الأطراف المعنية. ولذلك اهتم القرار بضرورة الالتزام بوقف إطلاق النار ومطالبة القوى الخارجية بالمساعدة في تحقيق هذا الهدف الرئيس. هنا لا يعطي صانع القرار مساحة للقوى الخارجية للتدخل العسكري وإنما للتدخل لدفع العملية السياسية وصولا إلى حل سياسي. ومن معالم الحصافة السياسية أيضا أن صيغة القرار تجمع ولا تفرق وجرى التصويت عليها بالتوافق (تحفظت 4 دول على بعض الفقرات).
لقد كان من المتوقع أن تنتقل الخلافات العربية القائمة منذ سنوات وتحديدا حول الملف الليبي، إلى ساحة النقاش في الجلسة وفي لجنة الصياغة، ولكن الحصافة لعبت دورها عندما لم يشر القرار بالاسم إلى دولة أو أخرى تساند هذا الطرف الليبي أو ذاك واكتفى بتعبير القوى الأجنبية. ومع ذلك لم يتهرب صانع القرار من التركيز على العوامل التي لا تزال تعقد الموقف وتمنع الوصول إلى حل سياسي سواء فيما يتعلق بالجماعات الإرهابية أو الميليشيات أو انتهاك حظر إرسال السلاح إلى الساحة الليبية. ومن المعالم أيضا الاهتمام بالعمل ضمن كل المبادرات والمؤتمرات الإقليمية والدولية وآخرها مؤتمر برلين، أي الاستفادة من كل الجهود المبذولة سابقا وصولا إلى الحل السياسي. ولم يخرج المشروع السياسي المقترح عما جاء في إعلان القاهرة الصادر في 6 يونيو 2020 والذي لاقى ترحيبا من المجتمع الدولي، هذا فضلا عن حرص القرار على دور الأمم المتحدة باعتبارها من يرعى مشروع الحل السياسي المنتظر.
لو احتكم صانع القرار العربي هذه المرة إلى طريقة النقاش والتشاور وروح العمل المشترك التي كانت سائدة منذ عشر سنوات، لاتخذ قرارا يبعث على الالتباس ويفتح الطريق مجددا لتدخلات عسكرية لن تؤدي إلا إلى مزيد من تدهور الأوضاع ليس في ليبيا وحدها وإنما في المنطقة كلها، وربما سمح باندلاع حروب من نوع جديد بين الأطراف المتنازعة في الملف الليبي. ولكنه بدلا من ذلك تبنى السلام والتهدئة، ومن لا يمضي في الطريق نفسه يتحمل التبعات الخطيرة التي تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة ككل. لقد جرى استغلال الفرص القائمة، فخرج إلى النور قرارا عربيا مستقلا مفعما بالحصافة السياسية.