مرفأ قراءة… «ماهية الحروب الصليبية».. معنى وقيمة البحث التاريخي

إيهاب الملاح

(1)

أول كتابٍ قرأته في حياتي عن الحركة الصليبية كان (ماهية الحروب الصليبية) الذي صدر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية (في مايو سنة 1990)، للمؤرخ والأكاديمي الكبير الدكتور قاسم عبده قاسم؛ أستاذ تاريخ العصور الوسطى بالجامعات العربية والعالمية، وصاحب الإنجاز التأليفي والمترجم المذهل الذي يصل إلى المائة كتاب ويزيد! مد الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية.
“الحروب الصليبية” كانت تعني في ذهني في ذلك الوقت الإحالة إلى فيلم “صلاح الدين الأيوبي”؛ وكنت شديد الحماسة للقراءة عن أي شيء تُذكر فيه عبارة “الحملات الصليبية” أو اسم “صلاح الدين” بالتأثير الجارف للفيلم الشهير الذي أخرجه يوسف شاهين، وبطولة الفنان أحمد مظهر، ولم تكن كتب المدرسة ترضي أي فضول لدي بشأن هذا الموضوع!
كل ما كنت أذكره آنذاك قصة للأطفال صادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات بعنوان (الناصر صلاح الدين الأيوبي وبغلافٍ مرسوم يشبه إلى حد كبير جدًا صورة أحمد مظهر في الفيلم!
وأذكر أنني حينها حزنت كثيرًا لأن الصفحات التي قرأتها في الكتاب وفهمتها خصوصًا عن صلاح الدين، وريتشارد قلب الأسد، والحملة الصليبية الثالثة، لم تكن لها أدنى صلة بفيلم “الناصر صلاح الدين” الذي كنت مغرمًا به حد الجنون!

(2)

أغلب ما قرأت آنذاك لم أفهمه بصورة مباشرة، وإن كنت بدأتُ أدرك شيئًا فشيئًا أنني أمام لون جديد من المعرفة لم أعهدها من قبل لا في القصص والحكايات التي أدمنتها، ولا في كتب المدرسة التي كنت أتجرعها مثل الشربة!
صحيح أنني لم أتجاوز الصفحتين قراءة، ولم أفهم شيئا ولم أعِ ما معنى “ماهية” الواردة في العنوان، لكنني أدركت أن هناك شيئا كبيرا وخطيرا اسمه “التاريخ” ويبدو أنه ليس محض حكايات وقصص كما يبدو لي آنذاك. جاءت كلمة التعريف المدونة على غلاف الكتاب؛ كما يلي:
“الحركة الصليبية حركة استعمارية استيطانية، تمثل السابقة الأوروبية الأولى لمحاولة استعمار العالم العربي، وضرب الإسلام تحت راية الدين المسيحي، وتحت شعار الصليب، وتذكرنا أطوارها ودوافعها ونتائجها بالحركة الاستيطانية “الصهيونية التي تتخذ من الدعاوى التاريخية/ الدينية مبررا لها”. وهذا الكتاب “يحاول رسم صورة شاملة لحقيقة الحركة الصليبية بدءا من الأيديولوجيا التي أفرزتها، والدوافع التي حركتها، وصولا إلى تأثيراتها السلبية في العالم العربي، وفي الحضارة العربية الإسلامية بوجه عام. ولا يحفل الكتاب كثيرا بالتفاصيل والأحداث والوقائع بقدر ما يقدم رؤية متكاملة عن هذه الظاهرة التاريخية “الفذة”، وما نتج عنها من استجابات. والكتاب يخاطب القارئ المثقف العام، كما يخاطب المتخصصين أيضا”.

(3)

كان الكتاب بداية للتعرف في سن مبكرة جدا على القراءة التاريخية الجادة المنضبطة التي تقدم تفسيرها للأحداث استنادًا لأدلة تاريخية ووثائق محفوظة ومعلومات ممحصة، وأن التاريخ بمعناه الواسع، هو نتاج لتراكم الفعل الإنساني على مرّ الزمن. وأن هدف الدراسات التاريخية الحديثة ينصب على تحليل عناصر هذا التراكم ومكوناته؛ سعيا إلى فهم الحاضر واستشراف المستقبل…
وتعلمت أن التاريخ “علم” وليس سردًا لحكايات، فليس ثمة معنى للتعامل مع التاريخ بمفهوم الحكاية ومنطق السرد، أو اعتبار (المعلومات التاريخية) حلية تزدان بها الرؤوس الفارغة، ويتم التباهي بها في مجال السمر، أو وسيلة يتمكن صاحبها من الفوز في مسابقات الصحف والتلفزيون فحسب.
ولم تكن هذه أبدًا وظيفة التاريخ منذ بداية المعرفة التاريخية التي توسل بها الإنسان لمعرفة ذاته. إذ إن المعرفة التاريخية والرغبة في معرفة الماضي تكاد ترقى إلى مستوى الغريزة لدى الإنسان، على مستوى الجماعة، وعلى مستوى الفرد على السواء. فالتاريخ، بمعناه الواسع، هو قصة الإنسان في الكون، وتفاعله مع الطبيعة على مرّ الزمان، وهو في هذا يشبه نهرًا يتدفق من المنبع إلى المصب، من بداية الوجود الإنساني حتى اللحظة الراهنة، يحمل كل تفاصيل رحلة الإنسان -التي لم تتم بعد- عبر الزمان.
وتعلمت أن المؤرخ باحث صبور ودؤوب يتمتع بثقافة واسعة جدًا وقدرة على قراءة الأصول والمصادر في لغاتها الأصلية، ويوازن بين نشاطيْ التأليف والترجمة، ويكتب المقالات في المجلات والدوريات الثقافية، ويتوجه بخطابه التاريخي المعرفي الممتع إلى جمهور عريض من القراءة…

(4)

بالجملة كان الكتاب مدخلا لما عرف في تاريخ العصور الوسطى بالحملات الصليبية؛ ولأن الحركة الصليبية -التي استمرت أحداثها فوق الأرض العربية قرابة قرنين من الزمان- كانت ولا تزال من المنعطفات التاريخية المهمة في تاريخ الغرب الأوروبي والعالم العربي الإسلامي على السواء، فقد ظلت -ولا تزال- تحكم توجهات رجال السياسة والمفكرين في العالم الأوروبي الأمريكي في تعاملهم مع العرب والمسلمين حتى اليوم.
ولأن العالم العربي الإسلامي عانى من هذا العدوان المتسربل برداء الدين، فإن كتاب الدكتور قاسم حاول أن يقدم للقارئ العربي صورة صحيحة ومتكاملة عن هذه الحركة بعيدًا عن المبالغات العاطفية، أو التهويمات والتعميمات التي قد تتسبب في حجب الحقيقة التاريخية عن القارئ. والكتاب يحاول ذلك كله في أسلوب عربي سهل لا ينال من الحقائق التاريخية، ولا ينقص من قدر القيمة العلمية للبحث التاريخي بل إنه يعليها ويضعها في مكانة عالية لا تطاولها أخرى مهما كانت.
كانت كل كلمة لم أفهم معناها في هذه السن المبكرة تعني سؤالًا، وتعني بحثا حقيقيا، وتعني اكتشافا واكتساب معرفة جديدة؛ فكان الكتاب بالنسبة لي أكبر بكثير من مجرد كتاب في التاريخ لم أستوعبه في قراءتي الأولى له؛ لكنه صار تحديا كبيرا أواجهه كل فترة فيتكشف لي ما لم أدركه في المرة السابقة؛ وشيئا فشيئا أصبح الكتاب من كثرة معاودتي له وقراءتي إياه ومطالعتي فيه محفورا في ذهني وقلبي معا..

(5)

واستقر في وجداني وترسخ في عقلي شيئان لم يغادرا وعيي حتى الآن.. أن هناك سلسلة كتب عظيمة اسمها “عالم المعرفة” لم أنقطع عن متابعتها (إلا بانقطاعها هي عنا مرتين؛ الأولى عام 1990 بسبب الغزو العراقي للكويت، والثانية في عام 2010 أو 2011 لا أذكر بالدقة، ثم عاودت الصدور مرة أخرى بانتظام منذ هذا التاريخ وحتى شهر مارس الماضي (قبل حظر جائحة كورونا اللعين)..
والأمر الثاني أن هناك مؤلفا ومؤرخا كبيرا جدا جدا اسمه قاسم عبده قاسم؛ سيكون من حظي أن أتشرف بلقائه ومعرفته، والحديث إليه والتسجيل معه، وأن أحظى بحوار معه من أهم الحوارات التي أجريتها في مسيرتي الصحفية كلها. صار قاسم عبده قاسم أحد أساتذتي الأصلاء، وصديقا أزهو وأفتخر بأنني فقط أنتسب إلى دوحة تلاميذه وأصدقائه وأبنائه ومريديه..
إنه الأستاذ صاحب الفضل الذي تعلمنا منه، ونتعلم دائما، قيمة وشرف البحث التاريخي الحقيقي، وقيمة الدأب والموسوعية وقيمة الجدية والمثابرة (وهل أنسى أنه أخبرني في حواري المفصل معه قبل سنوات أنه عكف على قراءة 300 كتاب كامل باللغتين والعربية والإنجليزية، وهو بصدد الإعداد لأطروحة الماجستير!)..
الأساتذة الكبار لا نتلقى منهم فقط المعلومات (وهي مطروحة في الطرقات لمن شاء) بل المهم كيف ستنتظم هذه المعلومات في إطار ومنهج ورؤية للبحث والتحليل؛ الأستاذ الحقيقي هو الذي يعلمك كيف تفكر وتستقل بتفكيرك لا أن تكون نسخة مكرورة ممن سبقك.. وأشهد بأن قاسم عبده قاسم من هؤلاء الكبار الأجلاء.