لون أسود.. ذاكرة بيضاء!

محمد جميل أحمد –

ربما كان من المستحيل أن يتمثل المرء وعيًا باطنًا لم يتصل بذاكرته وانطباعاته ومرئياته. ففي الطبيعة الإنسانية لا ينعكس الحكم الموضوعي للذات من ذاتها بالضرورة، بل هناك معايير خفية متعلقة بالذاكرة والمتخيل ونظم الإدراك على نحو لا يمكن تفكيكه (إلا عبر نظام متحضر للتربية والتعليم والقانون) تتحكم في تلوين ذلك الحكم وتوجيهه. وفي مسألة العنصرية، وخصوصا تجاه ذوي البشرة السوداء، غالبًا ما تنعكس تلك المصادر التي يتمثلها المرء من خزين الطفولة والذاكرة، فتبرز بطريقة ميكانيكية عند الحكم؛ لأن قدرة العقل الباطن على استحضار ما تستدعيه الذاكرة من خزين الانطباعات الأولى لوعي الفرد هي الأسرع لتشكيل تصنيفات الحكم المضمر الذي غالبا ما يكون سلبيا تجاه ذوي البشرة السوداء في المجتمعات البيضاء.
ثمة حيثيات كثيرة لا يكون الفكر غالبا عليها، تدخل في تلك العملية التصنيفية حيال إحساس كثيرين بأن اللون الأسود في البشر هو الأقل اهتماما ومستوى.
استحضار ذلك يكون كالبديهة أحيانًا، وأحيانًا يتأتى من ميل الغالبية لتصنيف الأقلية، لكن في أحيان أخرى سيكون فقط لمجرد الاختلاف الذي تأباه عوائد البشر وطباعهم. إن قدرة الإنسان العادي على التأمل والتفكير قبل إطلاق الأحكام عادةً ما تكون مستلبة للنمذجة والتقليد، الأمر الذي سيكون من مفاعيله (مع مرور الزمن) استقرار تصورات سلبية راسبة في قاع الذاكرة ضد اللون الأسود في مجتمعات غير السود (ما لم تكن مجتمعات متحضرة) وذلك بخلاف إحساس إنساني آخر ممكن في اعتبار أن مجرد الاختلاف اللوني لا يستدعي بطبيعته تلك (كما هو في الحقيقة والواقع) تداعيات سلبية بالضرورة ما لم تكن تلك التداعيات منطبعة في ذاكرة ترى في اللون الأسود تأويلًا سلبيًا. وفي تقديرنا أن ذلك الإحساس بطبيعته يضمر ما هو أخطر؛ لأن التصور الانتقاصي عادة يقتضي بالضرورة ارتهانًا نمطيًا يربط الذاكرة باللون الأسود على نحو خام وعشوائي مستدعيًا عبر النمذجة المعيارية لتلك الذاكرة؛ من خلال التراث واللغة ونظم الإدراك؛ إسقاطا من العقل الباطن لتسوية متوهمة بين معايير النموذج المضمر في الذاكرة وبين أي شخص ذي لون أسود! لذلك، لا تعكس صور الشخصيات النمطية لـ (المجموعة النوبية) في السينما المصرية، مثلًا، لحظة الدور التمثيلي في مشاهد الأفلام فحسب، بل تنطبع لتصبح ما يشبه النموذج التفسيري لأولئك الناس لدى كل من يرى مشاهد تلك الأدوار في الأفلام المصرية وفق ذلك التوظيف.
ولهذا غني عن القول أن مجتمعات غير السود -لاسيما المجتمعات العربية- قد تملك استعدادًا كافيًا لتمثيلات واستعادات تلك الذاكرة التي تأخذ -بالضرورة- تأويلها للون الأسود عبر نظم إدراكها لهويته « المنتقصة » في التراث واللغة والوضع البشري والتاريخي.
يمكن القول، كذلك، أن إزاحة نظم إدراك ثقافة تاريخية حول اللون الأسود وتمثيلاته في السجل التعبيري لتلك الثقافة هو مشروع سباق وصراع طويل بين الحداثة وما قبل الحداثة تماما، وأن المخرج الوحيد والضروري لتفكيك التأويل السلبي المضمر لتصورات تلك الذاكرة وخزينها المركوز في المخيال الجمعي لعامة الناس وإبداله بتأويل إيجابي، لا يمكن إلا عبر نظام متحضر وصارم للتربية والتعليم والقانون.
هذا لا يعني، بطبيعة الحال، غيابًا لنزعة إنسية حقيقية تمثلها المجتمع المسلم الأول في موقفه الإنساني الحقيقي من السود، فذلك مؤكد، وهو ما تنبه إليه المفكر الجزائري الكبير محمد أركون، وأقر بأصالة تلك النزعة الإنسانية في مجتمع المسلمين الأول، بعد بحث طويل ومضنٍ اقتضاه للوصول إلى تلك الحقيقة! ولكنه يعني أن تلك النزعة بمرور الزمن حلت محلها تصورات ذاكرة سلبية لحيثية اللون الأسود في الجسد البشري، في المخيال التاريخي للثقافة العربية، أي باعتباره ظلًا شاحبًا ومنحرفا عن سوية إنسانية تختزنها الذاكرة العربية للون الأبيض!
لا تبدو الذاكرة العربية اليوم منفتحةً على نموذج إنساني حر يدرج علاقات اللون بين البشر في مجرد الاختلاف، كما عبر عنها القرآن الكريم (ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم) ناهيك عن قدرتها على تمثل ألوان البشر ضمن مساواة كاملة في العلاقات الإنسانية البينية داخل المجتمعات العربية. وبطبيعة الحال ليس لأن ذلك غير ممكن، بل لأن اشتغال المخيال التاريخي السلبي عن اللون الأسود ما زال يعمل، ويمثل عامل صد وفاعلا ذهنيا مضمرا يحد باستمرار دون تسوية لتلك العلاقات الإنسانية الكاملة!