في قضية العلاقة الملتبسة مع الغرب

عبد الله العليان –

بعد تفكك اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية، في أواخر 1991، بعد قيام الرئيس جورباتشوف ما أسماه بإصلاحات (بيريسترويكا)، وخفف بعض القيود المفروضة، وحرية المعلومات … الخ.
مما أدى إلى تنفيس هذه شعوب التي كانت تعيش في ظل الحكم الشمولي، والحزب الواحد، فانفرط العقد مع هذه الإصلاحات، أدى إلى خروج بعض من دول الاتحاد السوفيتي، وانتهائها كدولة اتحادية كبرى، إلى روسيا الحالية، وتبعها بعد ذلك سقوط المعسكر الاشتراكي كله، وانتهاء الحزب الواحد، إلى تعددية سياسية، واعتبرت بعض الأوساط الفكرية الغربية الليبرالية، خاصة مؤسسات صناعة القرار السياسي، لدى القيادات السياسية، أن الحرب الباردة انتهت بخروج قوة كبرى من الساحة العالمية، وسقطت من المعادلة السياسية، وتوازن الرعب كما كان سابقًا. لذلك بدأ البحث عن عدو جديد، ليكون بديلًا لغياب عدو كان يتم اعتباره خطرًا على الديمقراطية والحرية السياسية، ويكون محفزًا لقوة الردع العسكرية والسياسية والإعلامية المقبلة، وقد اضطلع بهذه المهمة من المفكرين الغربيين برنارد لويس، وصاموئيل هنتجتون، بهدف تسليط الضوء على العدو المفترض، الذي يهدد الحضارة الغربية وديمقراطيتها، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وجاءت فكرة التحذير من الخطر الإسلامي، باعتباره يمثل رؤية فكرية مناقضة للغرب وثقافته، وقد كان خطرًا في القرون الغابرة!. فكتب المستشرق «برنارد لويس: دراسته التي حملت عنوان: (جذور السخط الإسلامي)، التي كانت بمثابة رسالة عن الخطر القادم، وما يمثله من نظرة سلبية للغرب بحسب ما كان يطرحه في الكثير من مؤلفاته، وكان هذا التحليل، لا يخلو من إثارة الخوف من الإسلام وخطره، أو ما يسمى في الغرب، «الإسلاموفوبيا»، وهي في مجملها، ليست دقيقة، بمقاييس العقل والمنطق، على الرغم أن الصراعات القديمة بينهما، كانت متبادلة، وليس من جانب واحد، وهي بلا شك هدفها تغذية الصراع، وتقليب المواجع القديمة التي هي جزء من التاريخ، مع أن الطرف العربي الإسلامي هو الطرف الأضعف من كل الجوانب، بمقاييس القوة والقدرة المادية والعسكرية والعلمية، بالمقارنة مع الغرب!
وبرنارد لويس قال في هذا الدراسة نفسه إن النبي محمد: « لم يكن فقط رسولًا أو معلمًا على شاكلة غيره من مؤسسي الأديان، فهو أيضًا قائد الحكومة والمجتمع، حاكم مقاتل، ومن ثم فإن كفاحه استلزم دولة وقوات مقاتلة. إذا كان المقاتلون في سبيل الإسلام – الحرب المقدسة في سبيل الله – يقاتلون من أجل الله، فإن ذلك يستتبع القول: إن خصومهم يقاتلون ضد الله».
والواقع أن هذا الرأي يعوزه المنطق والعدل تجاه قيام الدولة وإعداد العدة، ذلك أن الديانة المسيحية، احتضنتها الدول الرومانية، ولم تكن هذه الدولة بلا جيش أو قوة أو بعدت عن الدين واستخدامه، والدليل على ذلك أن الحروب الصليبية، قامت باسم الله وتحرير بيت الله، أرض ميلاد السيد المسيح عليه السلام، من المسلمين، والمسألة إذن متقاربة، لو أردنا أن نفتح مثل هذه القضايا التاريخية، التي انتهت بظروفها، وما لها وما عليها. ومع أن هذا المستشار الكبير لصناع القرار في الغرب، قال في هذه الدراسة نفسها كلامًا خاطئًا يخالف الواقع تمامًا، وهو أن: «الإسلام لم يكن مضطرًا مطلقًا، لا نظريًا ولا عمليًا، أن يمنح مساواة كافة وكاملة، لأولئك الذين اتبعوا عقائد أخرى ومارسوا أشكالًا من العبادة». والحقيقة أن هذا الطرح يتناقض مع واقع وجود الديانات الأخرى في الشرق الإسلامي، التي كانت سائدة في المنطقة العربية، خاصة الديانة اليهودية والمسيحية وديانات أخرى معروفة، وبقيت معابدهم وكنائسهم منذ القرن الأول الإسلامي حتى الآن، وهم بالملايين، في مصر والشام والعراق واليمن وتركيا والمغرب وإيران، وبلاد إسلامية أخرى، فأين هو الاضطهاد ومنع ممارسة العبادة؟
ثم إن الصيغة التي وجدت في «وثيقة المدينة» التي أبرمها الرسول (صلى الله عليه وسلم)، مع اليهود وبعض النصارى، التي تعتبر أقدم وثيقة لمجتمع سياسي قام على التعاقد، وفق ظروف ذلك العصر، واعتبرت هذه الوثيقة أن الموقعين عليها «أمة واحدة من دون الناس»، مع اختلاف الدين بينهما، وهذه بلا شك رؤية تعددية لقبول الآخر المختلف، دينيًا وفكريًا، ولم يبرم في ذلك العصر مثل هذا العقد مع ديانات وأمم تختلف في نماذجها الفكرية. فإذن مقولات برنارد لويس تجاه نظرة الإسلام للآخرين المختلفين في الدين، أنها غير متسامحة ولا تقبل بالتعدد والتنوع، مجانبة للحقائق ومن المسيحيين العرب أنفسهم، وهذه للحق قالها أيضًا بعض الغربيين المنصفين الذين تحدثوا عن وثيقة المدينة، ومنهم المستشرق الروماني جيورجيو.
بعد ذلك صدرت في عام 1993، أطروحة صموئيل هنتجتون، أستاذ العلوم السياسية ورئيس أكاديمية هارفارد للدراسات الدولية والإقليمية الشهير(صدام الحضارات) التي تحولت إلى كتاب بعد ذلك، وهو الذي فتح باب الصدام والصراع بين الحضارات، متهمًا الحضارة الإسلامية مع الحضارة الكونفوشية الصينية، أنهما من الحضارات التي لهما أيديولوجيات صدامية مع الحضارة الغربية، وهو بذلك خالف أطروحة فرانسيس فوكوياما، عن «نهاية التاريخ» عند الليبرالية الرأسمالية، وأن الباب أغلق تمامًا أمام الفلسفات والنماذج الفكرية، ولن يكون لهما نصيب من البقاء، وهذا يعني ـ كما يرى هنتجتون- أن فكرة نهاية التاريخ، ليست رؤية صائبة، ولا بد من الاستعداد للخطر البديل بعد انتهاء المعسكر الشيوعي، ومما قاله هنتجتون في أطروحة صدام الحضارات، في تلخيص لفكرة صدام الحضارات كما يراها هذا الأكاديمي البارز لدى صناع القرار في الولايات المتحدة: «إن الخصائص والفروقات أقل قابلية للتبديل وغير قابلة للحلول الوسط، وكذلك الحضارات تتمايز الواحدة عن الأخرى في التاريخ واللغة والثقافة والتقاليد والدين، وأن هذه الاختلافات أكبر من الاختلافات الإيديولوجية السياسية. إذ كان السؤال أيام الحرب الباردة أين نقف؟ ومع من نكون؟ أما السؤال الآن فهو من نحن؟ ومن هم؟».
والغريب أن هذا البروفيسور الكبير في عالم الفكر والسياسة، كأنه يريد إلغاء الفروقات والهويات الثقافية بين الشعوب، وهذا للأسف نظرة ضيقة تجاه التعدد والتنوع البشري! فلا يمكن أن تتجرد الحضارات عن التمايزات التي فيها الكثير من الثراء للفكر والثقافة، ولماذا يريد هنتجتون أنموذجًا واحدًا للإنسانية، هي الثقافة الغربية فهذا لا يمكن تطبيقه؟
ثم إذا أردنا أن نقّيم، مسببات الحروب والصدامات، فإن الحروب التي وقعت بين الغربيين أنفسهم في الحربين العالميتين وما قبلهما، كلفت ما يزيد على سبعين مليونا من البشر، غير الجرحى والمصابين وتدمير المدن والثروات الطبيعية وغيرها، وهم شعوب واحدة في اللغة والثقافة والدين، وخطرها وآثارها، تجاوز الاختلاف بين الحضارات والأمم المختلفة عن بعض.
فليس صحيحاً أن الاختلاف والتمايز الثقافي والديني، دليل على دافعية الصراع والانقسام بين الأمم، وهذه أسبابها سياسية بحتة واقتصادية، ومن المهم أن يكون قبول الاختلاف والتعدد الثقافي والفكري، والاختلاف من السنن الكونية وستبقى كذلك، لكن المسألة هي الحاجة إلى اختراع عدو، أو أعداء، عندما تكون هناك اختلافات في السياسة والاقتصاد، وهذا ما قاله الأكاديمي الفرنسي روبير شارفان، عندما قال:«إن رؤية صدام الحضارات تفترض حاجة الدول إلى خلق عدو وهمي أو فعلي يكون بمثابة «كبش فداء» في تبرير المتاعب الداخلية».
إذن إذا أرادت الدول أو الحضارات، أن تعيش من دون توجسات، أو حروب، أو صراعات، أن تقبل بالاختلاف، وأن تبتعد عن الفرض والإرغام، على الشعوب الأخرى، وبهذا يكون عالمنا في هذا الكوكب، محط التقارب والتفاعل والتفاهم.