عبثا يحاولون ….

أسامة بن كريم الحرمي

يتكثف الاهتمام الإعلامي بالسلطنة كلما اختارت موقفا مناهضا للتوجهات العامة السائدة في المنطقة، أو قدمت إحدى المبادرات الرامية إلى إحلال السلام وتقريب وجهات النظر بين دول الجوار وعموم المنطقة – أو بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، لتخفت لاحقا وتيرة الحديث عن عمان داخل الدوائر السياسية – الإقليمية والدولية، وفي هذا السياق، تشهد السلطنة بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالأُخْرَى هجمة من بعض المغرضين لتشويه الحقائق بما من شأنه إثارة البلبلة ونشر الفرقة. في المقابل وبشكل عفوي، يتحرك الشعب العماني مع القضايا التي تمس دولتهم ومجتمعهم مؤكدين الْمَرَّةَ تِلْوَ الأُخْرَى على روح الانتماء للوطن والتصدي لكل من يحاول المساس به. يتحد الجميع ليردوا بقوة على كل من يتجرّأَ على عُمانهم الحبيبة، يدحضون الفرية بالحقيقة، والتحريف بالتعريف، والأكذوبة بالتفنيد.

نحن للأسف في زمن كثرت فيه الثرثرة والأصوات الناعقة من الخارج ضد الوطن، لكن تبقى عمان في مكانتها السامقة بين الأمم والشعوب ثابتة بمواقفها السياسية الواضحة، والتي تتسم بملامح خاصة تتمحور حول تعزيز قيم التفاهم والوئام والحوار بين مختلف شعوب العالم، والنأي بالنفس عن أي نزاعات أو صراعات أو حروب. وطوال تاريخها الحديث، وقفت عمان في منطقة خاصة بها غير منحازة لطرف على حساب آخر بالرغم من تواجدها وسط منطقة مشتعلة تشهد توترات وأزمات وصراعات، مكتومة ونشطة.
إن بُعد نظر السياسة العمانية يشهد لها القاصي والداني والتي من أبرز سماتها السعي نحو التوازن والوضوح في التعامل مع الآخرين، البعيدة كل البعد عن الازدواجية. نعم، قد تثير مواقف السلطنة أحيانا ردود فعل واسعة وتعليقات متضاربة ما بين المؤيدة والمعارضة في شبكات التواصل الاجتماعي بشكل خاص – وحينها فقط – يتكشف لنا مدى قبح المغرضين والمنافقين الذين يعتاشون على قلب الحقائق وتضليل الناس من أجل غايات باتت مكشوفة لنا جميعا. لقد سقطت بالفعل الأقنعة عن كثيرين ممّن كنّا نظنهم معنا في حب الوطن، حيث أسهمت مواقفهم الشائنة في كشف ما يضمرون من سموم تهدد وحدة مجتمعنا المتعاضد بفطرته الإنسانية.

طالما تعاملت السلطنة بسياسة متوازنة وحيادية ايجابية مع كافة الأحداث، وعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما اتخذت بعض الدول العربية موقفا معاديا تجاه مصر نتج عنه مقاطعة عربية شاملة، احتفظت عُمان بعلاقاتها معها ولم تنكر عليها كامب ديفيد، وهو ما أثبت صحة الموقف العماني الذي اتخذ بعيدا عن العاطفة والتشنج السياسي. ولاحقا، ساهمت السلطنة بفاعلية في الجهود التي بذلت لإعادة مصر إلى الصف العربي بعد القطيعة، ذلك بعد أن تعرضت لنقد وهجوم شرسين آنذاك. وإبّان حروب الخليج، لم تكن السياسة العُمانية تشتط، ولكنها عملت على اغتنام علاقاتها مع كل أطراف النزاع للاحتفاظ بمخرج يمكن أن تمر به مقدرات الأحداث، إن هي اتجهت نحو الحلول السلمية. وفي الحرب العراقية الإيرانية، نهجت السياسة الخارجية العُمانية مسلكاً توفيقياً حيث بذلت السلطنة جهودا جبارة لإنهاء أتون الحرب، خاصة وأن كلا الطرفين كانا يعتبران السلطنة وسيطاً عادلاً، نزيهاً وفاعلاً. نجحت عمان في تقريب وجهات النظر وتجسير الفجوة بينهما في زمن قياسي، وتكللت تلك الجهود والمساعي الحميدة بعدها في اتفاقية وقف إطلاق النار برعاية أممية. وفي قضية دخول العراق إلى الكويت، ظلت السلطنة تمارس سياسة الحياد والتعقل الأمر الذي مكنّها من قيادة محادثات واتصالات فادت في إبقاء العراق في الصف العربي، وفي نفس الوقت تحرير الكويت.
وفي اليمن، أكدت عُمان منذ اندلاع الحرب على حيادها التام إزاء الأزمة مستغلة دبلوماسيتها الخفية، حيث أدّت دوراً تيسيرياً أساسياً لتقريب وجهات النظر بين الأطراف اليمنية في حين أبقت حدودها مفتوحة لكل الأشقاء اليمنيين، وهو ما أدى إلى ملاقاة الشماليين بالجنوبيين وساهم في حل العديد من المشاكل. التزمت القيادة العمانية بثواﺒﺘﻬﺎ اﻟوطﻨﻴﺔ والأخلاقية، كما أكدت استمرار جهودها الإنسانية والسياسية تجاه كل ما يحقق مصلحة الشعب اليمني وأمنه واستقراره. واليوم، غالبية أطراف النزاع بالاضافة إلى المجتمع الدولي يعولون كثيرا على عمان من أجل إﻧﻬﺎء اﻟﻤﺄﺳﺎة ووﻗﻒ ﺷﻼل الدم، عبر اقتراح خطة سياسية تصالحية يتفق عليها جميع المعنيين. ويتواصل الجهد السياسي العُماني من خلال التنسيق الوثيق مع المبعوث الأممي مارتن غريفيث، والفرقاء في اليمن، وحتى مع دول التحالف، من خلال الاجتماعات في مسقط لإيجاد حل سياسي وإنهاء الحرب المدمرة. السلطنة ليست لديها أي أطماع توسعية أو قتصادية في هذا البلد الشقيق، وبالتالي فهي تمتلك مقومات إنهاء الحرب في اليمن.

إن الموقع الجغرافي والاستراتيجي لعُمان، وامتدادها التاريخي في الحضارة الانسانية، وعلاقاتها الراسخة بالقوى الدولية المتنافسة على مناطق النفوذ، جعل لقيادتها حضوراً مؤثراً وصوتاً مسموعاً عربياً ودولياً. وتاريخيا، زاحمت الامبراطورية العمانية البرتغاليين والانجليز في منطقة الخليج العربي وشرق إفريقيا خلال القرن السادس عشر، وكان أهلها سباقون للإيمان بالرسالة المحمدية، ذلك عندما خاطب الرسول (عليه الصلاة والسلام ) ملكي عُمان جيفر وعبد ابني الجّلندى بن المستكبر الأزدي – كباقي ملوك الأرض عرباً وعجماً – يدعوهم فيها إلى الاسلام، وهو ما يحمل دلالة سياسية هامة للغاية. كل ذلك ساهم في تطوير المكونات التي تنحدر منها جذور الفكر السياسي لدى القيادة العُمانية؛ وعليه أصبح العمق التاريخي لتقاليد العمل الدبلوماسي يتجسد إقليمياً من خلال سمات المقاومة لكل المحاولات التي تستهدف فرض الوصاية الخارجية على القرار السيادي العماني.

ستفشل حتما مخططات الحاقدين والمتربصين بهذا البلد بعون الله، وستبقى عمان صخرة صامدة تتحطم عليها كل المؤامرات. قلوبنا نحن العمانيين كلّها مع الوطن الأشم، نسير على نهج سلطاننا المفدى هيثم بن طارق – أعزه الله – لمرحلة متجددة من النهضة العمانية. سيبقى هاجسنا جميعا حب الوطن وقيادته الحكيمة، والمحافظة على إرث الانجازات الكبير الذي تركه لنا المغفور له بإذن الله السلطان الراحل قابوس بن سعيد – رحمه الله، والبناء عليه لاستكمال المسيرة الوطنية.