موسى البلوشي .. شخصية استلهمت من الموسيقى الهدوء والتأمل بعد شرر القتال المتطاير من عينيه!

  •  أسس فرقة “لوجينيا العمانية” في عام 2006 المشهورة بموسيقى الفلامنجو والألوان الغربية والعربية
  •  لبّى دعوات فردية للمشاركة في مهرجانات في الولايات المتحدة الأمريكية ولبنان على مسارح عالمية
  •  “لوجينيا العمانية” قدمت الكثير من الأعمال في المحافل المحلية وخارج حدود الوطن في الإمارات ومصر
  •  كورونا أجَّل عددًا من خطط التعاون بين الفرقة وفرق من عدة دول إلى إشعار آخر

كتب – عامر بن عبدالله الأنصاري:

يمشي موسى بن عبدالرحمن البلوشي متزعمًا صحبه، قبل أكثر 20 سنة، يمشي في أحد أحياء مسقط، الثقة تملأه، البنية الجسدية كانت هي سبب هذه الثقة الطاغية، مفتول العضلات بعد تمارين مجهدة، ربما كان يريد الوصول إلى مستوى عضلات “رامبو” أو “سلمان خان” أو نجوم أفلام الأكشن حينها، ففي تلك البنية الجسدية شابٌ يافعٌ لا يشق له غبار، ولا يهتز له رمش في أشرس المشاجرات.
من بعيد، يلمح موسى زمرة من الشباب، وأصوات نغمات تعلو من جهتهم، وهو لا يحب الموسيقى ويرى فيها مضيعة للوقت، حان الوقت لتجربة العضلات، واختلاق مشكلة لتشعل فتيل حرب بينه وبين هذه الزمرة، وبنظرة حادة يتجه نحوهم، وشرر القتال متطاير من عينيه، تُرى ماذا سيكون السيناريو لتبدأ المعركة، هل سيبدأ بـ”ازعجتمونا بأصوات الموسيقى”؟، وكلما اقترب خطوات منهم، إذ بصوت الموسيقى يتضح أكثر، ماذا سيقول، ربما سيكتفي بـ”أزعجتمونا”، ويجرُّ نفسه بالخطوات نحوهم، والموسيقى إذ بدت ملامحها أكثر، وفي نفسه تنطفئ شرارة تلو أخرى، أنغام أوتار الجيتار بأنامل أحد الجالسين تناجي روحه، بدأت النار تخفت، والعضلات المفتولة المشدودة حينها بدأت ترتخي، وعند وصوله نحوهم، اكتفى بالصمت، الاستماع، الانتشاء، التأمل في الصوت المنبثق من الجيتار التي تفتعله أنامل تنتقل من وتر إلى آخر بانسيابية وسلالة، هنا شرور القتال تحولت إلى قتال آخر مع النفس نحو فكرة جديدة، ومثيرة في آن واحد.
كيف لتلك الموسيقى أن تكسر حاجز الشر، ليغدو موسى البلوشي -إلى هذه اللحظة كما أعرفه- رجلا هادئ الطبع، رزين الكلام، متأملا بكل جميل حوله!
أصبح الشباب العازفون أقرب أصدقاء موسى، طلب منهم تعليمه العزف، ولم يبخلوا عليه في شيء، إلا أن موسى كان مفتول العضلات، بل كان حينها أصغر مشارك في مسابقة لرفع الأثقال خرج منها بالمركز الأول، ويبدو أن كمال الأجسام والعزف على الجيتار لا يجتمعان، فالعزف يحتاج إلى مرونة اليدين ورقة في الأصابع، نصحه أحد الشباب العازفين بأن يترك كمال الأجسام قليلا، حتى ترتخي عضلاته، حبه المكتشف حديثًا للموسيقى رجح كفة الجيتار على كفة البطولات والألقاب الرياضية، فتخلى عن رياضة كمال الأجسام ورفع الأثقال، ليبدع في مجال الموسيقى، وهنا بدأت فكرة شراء أول جيتار، وطموح الوصول إلى مستوى عالٍ في هذا المجال.

مستوى عالٍ
لا يهدأ بال موسى بن عبدالرحمن إلا إذا حقق هدفه وحلمه، تعلم الموسيقى والعزف على الجيتار في وقت قياسي، حتى أسس فرقة “لوجينيا العمانية”، ولهذه الفرقة قصة، فقد بدأت فكرة التأسيس من 5 أشخاص، كانوا محبين للموسيقى، ويشاركون أحيانا في عزف مقطوعات من موسيقى الفلامنجو وأنغام من الموسيقى الكلاسيكية العالمية، وذلك في حفلات خاصة وعامة كانوا يشاركون فيها من باب حبهم للموسيقى، قبل التأسيس، قرأ موسى كثيرا من سِيَرِ الفنانين العالميين، وجد منهم من كان يتَّعب سياسة التجديد والابتكار في الموسيقى التقليدية، ومنهم الفنان العالمي “باكو دي لوسيا”.
بدأت ملامح الفرقة تتضح أكثر في عام 2004، وفي عام 2005 تأسست الفرقة بشكل رسمي وعدد أعضائها حينها كان 9 أعضاء، واليوم يبلغ عدد الأعضاء الأساسيين والأعضاء المتعاونين إلى 30 فنانا، انتهجت فرقة “لوجينيا العمانية” لونا خاصا بها وخاصة في موسيقى الفلامنجو إضافة إلى الألوان الفنية العربية والغربية والهندية والبلوشية، وألحان تميزها، بل حتى في طريقة العزف، وخاصة في موسيقى الفلامنجو، تلك الموسيقى التي تشبه البصمة الخاصة لكل من يهوى هذا الفن، فموسيقى الفلامنجو عند فرقة لوجينيا العمانية لها بصمة تختلف عن موسيقى الفلامنجو في الفرق الأخرى، حتى العالمية، من هنا حاول موسى البلوشي صناعة بصمة فريدة للفرقة، بها وصلت الفرقة إلى خارج حدود السلطنة لتقدم موسيقاها في عدد من الدول وفي مهرجانات كبيرة وضخمة في أمريكا ومصر ولبنان والإمارات وعدد من الدول، وكانت البداية في تقديم الحفلات بشكل رسمي بداية من السلطنة في عام 2006، أي بعد عام من التأسيس، وبعدها توالت الحفلات المقامة محليًا وأعدادها كبيرة لا تحصى، في المهرجانات والمناسبات الوطنية ومختلف المحافل، وأول حفل خارج السلطنة في دولة الإمارات العربية المتحدة ملبين دعوة للمشاركة بمناسبة عيد الاتحاد.

طموح لا ينتهي
وضع العازف موسى بن عبدالرحمن البلوشي نصب عينيه أن يتميز، ويصل إلى العالمية، وبعد حوالي 15 عاما من التأسيس، يجني موسى اليوم ثمار هذا الهدف، فتميزه في العزف هو شخصيًا وأفراد الفرقة، أوصلهم إلى منصات موسيقية عالمية عريقة، وكم من فنانين عالميين اختاروا فرقة “لوجينيا” لتكون رفيقتهم في حفلات عالمية، ومنهم الفنان العالمي عازف العود عمر بشير، الذي اصطحب موسى البلوشي معه كعازف رديف في مهرجان “بعلبك” في لبنان، وإذ يعرف هذا المهرجان بتاريخه العريق وشهرته العالمية، وعزف موسى على آل جيتار برفقة عمر بشير في ذلك المهرجان، كما عزف بجانب الفنانة “جاهدة وهبة” في المهرجان ذاته، كما شاركت فرقة لوجينيا ملبية دعوة من جمهورية مصر العربية عام 2018 لتقديم حفل على مسرح ساقية عبدالمعنم الصاوي، كما تلقى موسى بشكل فردي أربع دعوات للمشاركة في مهرجانات بالولايات المتحدة الأمريكية وافق على عدد منها، ودعوات للمشاركة في كل من الهند وتنزانيا، وكثير من خطط التعاون بين عدد من الفرقة الموسيقية في عدد من الدول حالت بين تنفيذها الأوضاع الصحية العالمية، إلا أن الموسيقى تصدح رغم قهر كورونا.

رسالة
يحمل موسى البلوشي إلى العالم رسالة سلام ويهدف للوصول بسفينة “لوجينيا العمانية” إلى الموانئ العالمية، حاملًا معه رسالة حب وسلام للعالم من أرض السلطنة، رسالة لنشر الثقافة العمانية السمحة بطريقة جديدة لتعريف الناس بتنوع الثقافة الفنية العالمية والعربية الموجودة في السلطنة.
ومن رسالته كذلك نشر الفن، إذ يطمح موسى لأن تتحول فرقة “لوجينيا” مستقبلًا إلى مركز فني أو جمعية موسيقية تحتضن المواهب الشابة وتصقلها وتساهم في إبرازها للمجتمع، كما تفعل الآن ولكن بشكل محدود نسبيا.

تساؤلات
شخصية موسى بن عبدالرحمن البلوشي، شخصية مليئة بالتحدي والإصرار والعزيمة، إذا ما اهتم بشيء فإما أن يحقق مراده، وإما أن ينسحب مباشرة منه، تلك الشخصية جديرة بأن نسمع منها وجهات نظرها عن كثير من الأمور، فكان موسى ضيف “عمان الثقافي”، وجاوب عن عدد من التساؤلات:

• ما الذي ينقص الفنان العماني؟
– من الضروري جدًا أن يكشف الموهوب نفسه، ويطمح أن يكون فنانا، وليس مجرد هاوٍ، والملاحظ للأسف أن المواهب ينقصها الاطلاع والثقافة الفنية، لأن عددًا من الفنانين يكتفي بنموذج واحد يتعلم منه أو يقلده، وبذلك يصبح مقلدًا وليس صاحب إبداع وتجديد، ولم أرَ فنانا عمانيا اخترع أسلوبًا خاصًا لنفسه إلا القليل جدًا مع احترامي للجميع، وهنا أنصح الفنان بأن يؤمن بنفسه وبقناعاته، ولا يستسلم لانتقادات المحبطين الذين يرفضون أي تجديد وربما يقابلونه بنوع من الاستخفاف والسخرية.

• هل ترى أن الجمعيات الفنية في السلطنة تقوم بدورها؟
– أقولها بصراحة، الجمعيات الفنية في السلطنة تركز على مجموعة قليلة من الأسماء، وتكون هي محل اهتمامهم وإبرازهم، والفوائد منها محدودة خاصة للفن الموجود بالسلطنة، هناك طاقات إبداعية بالسلطنة على الجمعيات تبنيها واستغلالها الاستغلال الأمثل بما يعود بالفائدة على الجميع.
شخصيًا تلقيت عدة دعوات للمشاركة في تقديم فقرات موسيقية من تلك الجمعيات، ولكني لم أرَ اجتماعات أو نقاشات أو مساهمات من الجمعيات الفنية تخص الفن والفنانين، للأسف قد تكون الجمعيات مغيبة عن كثير من الفنانين.
وحقيقة أتمنى من القائمين على تلك الجمعيات أن يجتمعوا مع الفنانين العمانيين المجتهدين، وأن يأخذوا بآرائهم وأفكارهم ويستمعوا بشيء من الاهتمام إلى طموحاتهم لكي يعلموا ماذا ينقص الفنان العماني، لكي يكون مثل باقي الفنانين الخليجيين على الأقل، فكم رأينا من فنانين خليجيين وصلوا إلى العالمية بفضل الدعم.
كما يؤسفني أن أقول إن الكثير من الدعوات تصلنا من تلك الجمعيات للمشاركة بشكل مجاني، وأحيانا بمقابل مادي بسيط جدا ويتم التفاوض كذلك في الأسعار، ولو جئنا نقارن تلك الأسعار بأسعار أخرى في دول الخليج سنجد بأن الأسعار بالسلطنة لا تقدر الفنانين ولا تقدر الجهد والتعب وحتى التكلفة التي تتكبدها الفرقة، وتلك الجمعيات نفسها عندما تأتي بفنانين من الخارج تدفع لهم ما يستحقون، أما مع ابن البلد فيتم التفاوض بأقل الأسعار، وتلك في وجهة نظري من الأسباب الرئيسية لعدم تطور الفن في السلطنة، أعني غياب الدعم.

• هل من كلمة أخيرة تود قولها؟
– رسالتي الأخيرة لكل فنان، أنه يجب عليه أن لا ينتظر الدعم لكي لا يضيع من عمره الفني وأفكاره وطاقته الفنية، طبعًا له فترة معينة إن لم يستغلها فسيضيع على نفسه الإبداع ويجب عليه أن يبادر مع نفسه ويطور من نفسه على قدر استطاعته في حال لم يحصل على أي دعم معنوي أو مادي.