«كورونا» يفتح مسارات جديدة في «العمل عن بعد».. هل تستمر ؟

  • ضعف شبكات الاتصالات في المنزل أبرز التحديات –

استطلاع : نوال بنت بدر الصمصامية –

أجبرت جائحة كورونا العديد من دول العالم على تغيير المفاهيم في منظومة العمل، ولم تجد ملايين المؤسسات والشركات حول العالم أفضل من العمل عن بعد – من المنزل – وسيلة للمحافظة على صحتها أولا وعلى مستقبلها وإنتاجية موظفيها بشكل عام؛ وخاصة في ظل تزايد أعداد الإصابات عالميا وعدم التوصل إلى لقاح أو علاج حتى هذه اللحظة.
وقد أفرزت ظروف جائحة كورونا جملة من المبادرات، والتي تحسب ضمن الدروس المستفادة والإيجابيات التي أوجدتها هذه الظاهرة، ومنها تفعيل المنصات الإلكترونية وتطبيقات العمل عن بعد ومنصات الاجتماعات المرئية الافتراضية في القطاعين العام والخاص وحتى على مستوى الأفراد، وقد شكل ذلك نقلة نوعية في التوجه بشكل أسرع نحو تطبيق الجانب التفاعلي من مبادرات الحكومة الرقمية، وهناك مؤسسات عدة استفادت من هذه الطفرة السريعة وبادرت في تطبيقها في زمن قياسي وظهرت فعاليتها في التنفيذ بكل سهولة ويسر. وكما يقال «من رحم المعاناة يولد الأمل».
كيف كانت تجربة العاملين في القطاعات الحكومية والخاصة في السلطنة في «العمل عن بعد»، وما هي التحديات التي واجهتهم؟ « عمان» طرحت هذه التساؤلات وحصيلة الإجابات في السطور الآتية:

توفير الوقت والجهد

بداية كانت لنا وقفة مع سيف بن خلفان الكندي مدير دائرة الإعلام بمجلس الشورى، والذي أوضح في بداية حديثه: إن مجلس الشورى من تلك المؤسسات التي استفادت من إيجابية العمل عن بعد، حيث تواصل العمل في مختلف دوائر الأمانة العامة وكذلك في اللجان الدائمة التي واصلت عقد اجتماعاتها باستخدام شبكة WebEx كما تم تنفيذ عدد من المحاضرات التعريفية والحوارية عن بعد خلال شهر رمضان الفضيل.
ويضيف الكندي: أما فيما يتعلق بالجانب الإعلامي بالمجلس فإن أغلب العمل به يعتمد على التطبيقات الإلكترونية وحسابات التواصل المجتمعي التي يمكن إدارتها وتفعيلها عن بعد، حتى قبل جائحة كورونا؛ ولذلك لم تتأثر إنتاجية العمل وظلت كما هي عليه من حيث المتابعة والتغطيات المستمرة لأعمال ومناشط المجلس. وعن التحديات التي واجهتهم في العمل عن بعد، يقول الكندي: بشكل عام لم تكن هناك تحديات تذكر بل بالعكس كان العمل عن بعد يساهم في توفير الوقت والجهد ويعد استقرارا نفسيا وأسريا للموظف، خاصة أن الموظف قد يقضي نفس ساعات العمل المكتبي وهو يعمل على جهازه اللوحي أو عبر تطبيقات الهاتف. وتكون المتابعة والتغذية الراجعة بين الموظف والمسؤول المباشر بشكل آني وأسرع وأكثر فعالية عنها في العمل المكتبي التقليدي. وفي اعتقادي بات من الضروري أن تواصل العديد من المؤسسات العامة والخاصة في تطوير منصاتها الإلكترونية في المستقبل القريب أسوة بباقي المؤسسات التي قطعت شوطا متقدما في ذلك المجال، وكذلك من المهم في الوقت ذاته تفادي أية عقبات قد تواجه المستخدم وإيجاد حلول رقمية أكثر أمنا وكفاءة من أجل زيادة الإنتاجية في العمل الإداري بالسلطنة.

تجربة اضطرارية ممتعة

ويحكي مرشد بن علي البلوشي تجربته قائلا: تجربتي في العمل عن بعد وإن كانت اضطرارية بسبب الجائحة، فهي تجربة ممتعة وفريدة وملأت الفراغ الذي كان من الممكن أن يتسببه العزل المنزلي، وبشكل غير متوقع فقد كان العمل عن بعد غير محدود بعدد أول ٨ ساعات من صباح كل يوم، وعلى فترات صباحية ومسائية، ربما بسبب طبيعة العمل والمهام الموكلة لي وهي إدارة مواقع التواصل الاجتماعي، وأعتقد أن هذه التجربة أكسبتني الكثير من الخبرة، ووطدت علاقاتي بزملائي من مختلف المؤسسات، وأظهرت لدي بعض المهارات والقدرات التي كنت أجهلها ولم أكن استخدمها مسبقا بسبب العمل المكتبي والالتزام بالحضور والانصراف ومحدودية الإمكانيات المتاحة في بيئة العمل.
أما التحديات فكانت بسبب الجائحة كسبب رئيسي وليس بسبب مفهوم العمل عن بعد، حيث كانت الأسابيع الأولى في غاية الصعوبة بسبب غياب التنسيق المسبق والتحضير لهكذا أوضاع لم نعتد عليها، إضافة إلى الوضع المجهول للأحداث والقرارات المتسارعة والمتغيرة، والغموض للمدة التي ستستمر عليها تلك الأوضاع الاستثنائية، كما أن صعوبة بل استحالة التنقل الميداني للتصوير على سبيل المثال أو إنتاج المواد الإعلامية التي نحتاج إليها كانت تحديا كبيرا بالنسبة إلينا كعاملين في هذا القطاع.
وباعتقادي أن العمل عن بعد ممكن بالنسبة لشاغلي وظيفة الإعلام وعدم الالتزام المكتبي، ولكن بعض الأحيان تستدعي الضرورة للتواجد عن قرب كون ذلك يساهم في جودة العمل والأفكار، وأرى أن العمل عن بعد أخذ نسبة كبيرة في مختلف المؤسسات ونوعية الوظائف مما أتاح الخيار لدى المسؤولين لاستثمار تلك الطاقات بطريقة إيجابية تساهم في تجويد نوعية العمل حسب الظروف والمعطيات.

الشعور الذاتي بالمسؤولية

ويشاطره الرأي إسحاق بن راشد الحاتمي، والذي قضى تجربة جميلة تعتمد كليا على الشعور الذاتي بالمسؤولية ومراقبة الذات حيث لا يوجد التزام بمواعيد معينة أو أجهزة بصمة، لذلك كانت المسؤولية حاضرة في تفاصيل العمل عن بعد، مما ساهم في تطوير المهارات المتعلقة بإدارة الوقت، وإضافة عادات إيجابية جديدة جمعت العمل بالعادات المنزلية اليومية، وهناك بعض التحديات التي حالت دون الإنتاجية المرجوة كضعف في قوة الشبكة المعلوماتية في المنزل وفي الحقيقة يعد ذلك تحديا كبيرا قد يجعل العمل عن بعد صعبا في بعض الأحيان، كذلك الحاسب الآلي لم يكن مهيئا بشكل تام لإنجاز مهام العمل أو التعامل مع الكم الهائل من البيانات التي نتعامل معها بشكل يومي من خلال طبيعة العمل، مما خلق رتما بطيئا في بداية مباشرة العمل عن بعد. وبعد مرور فترة لا بأس بها أصبحت الأمور أكثر سلاسة والتهيئة المعنوية والمادية باتت أفضل من السابق، كما أن هناك عددا كبيرا من الموظفين يمكنهم مباشرة العمل عن بعد دون الحاجة للتواجد بمقرات العمل.


ولم يكن رضا بن يعقوب الحضرمي (كفيف) بعيدا عن تجربة العمل عن بعد، وإنما كانت تجربته ممتعة، بدأها قبل ظهور الجائحة وذلك بالأعمال التطوعية بمساعدة الزملاء المكفوفين في حل المشكلات التي تواجههم أثناء استخدام الأجهزة الخاصة بالكفيفين من خلال التواصل معهم عن بعد، وفي ما يتعلق بالعمل عن بعد، تم إنجاز ما تتطلبه المرحلة بكل سهولة ويسر بالإضافة إلى استثمار الوقت الضائع في قطع المسافات الطويلة إلى مقر العمل.
ويصف الحضرمي التحديات التي واجهته والتي تكمن في ضعف شبكات الاتصال مما يؤدي إلى التداخل في الصوت وربما قطع الاتصال، وعدم ملاءمة بعض البرامج والتطبيقات المستخدمة للعمل عن بعد كونها تحتوي على صور وجداول يصعب التعامل معها للأجهزة وبرامج قارئات الشاشة التي يستخدمها فاقدو البصر، كذلك عدم تقبل بعض المسؤولين، ومن الممكن استمراره في العمل عن بعد ولكن بشرط معالجة المشاكل الفنية.

لا تعقيدات وصعوبات


ويقول رياض بن علي السيابي: العمل عن بعد تجربة في غاية السهولة والمرونة، تخلو من تلك التعقيدات والصعوبات التي أفرزها ذلك العمل الذي يتحتم علينا المجيء إلى مقر العمل كضرورة الخروج باكراً من البيت جراء الزحام المروري والظروف الأخرى المفاجئة التي قد تضاعف من هذا الزحام والاختناقات المرورية، كما ساهم «العمل عن بعد» في التقليل من استهلاك السيارة والوقود؛ مما انعكس ذلك في تقليل الضغط على الشوارع وتقليل كل من نسبة التلوث البيئي ونسبة الحوادث المرورية، كما أفرزت تجربة العمل عن بعد فلسفة أخرى في الحياة العملية وستكون أكثر نضوجاً في الفترة المقبلة.
وأردف السيابي: التحديات تكمن في المشكلات الفنية الناتجة عن الضغط على شبكة الإنترنت مما يؤثر ذلك على سرعة إنجاز المهام، كما أن العمل عن بعد بحاجة إلى تجهيز البيت بصورة تواكب المرحلة القادمة في هذا الجانب، كما يسري هذا التجهيز ليكون جميع زملاء العمل على أهبة الاستعداد وعلى ذَات المستوى من الجاهزية للعمل عن بعد. ووظيفتي من الوظائف التي ممكن أداء مهامها عن بعد، حيث بالإمكان كتابة مختلف الفنون الصحفية من أخبار وحوارات واستطلاعات وتصاريح وتقارير واللقاءات في حال توفر البرامج والوسائل التي تدعم طريقة العمل عن بعد.


وتشاطره الرأي جهينة بنت علي الحبسية قائلة : تجربة ذات طابع محفز لتعلم الكثير من المهارات في كيفية التواصل مع جميع زملاء العمل لإنجاز وتخليص معظم المهام الوظيفية دون الشعور بوجود أي تقصير لإتمام المعاملات، وكذلك من ناحية تنمية بعض المهارات في مجال شبكة الإنترنت. ولا توجد تحديات كبرى تعيق العمل عن بعد، وإن كانت فهي عوائق بسيطة ويمكن تذليلها وتسخيرها خدمة لصالح العمل، كتوفير شبكة إنترنت فائق السرعة وتهيئة جو ومكان مناسب في المنزل يمنحنا المزيد من التركيز؛ وذلك حتى نتمكن من بذل المزيد من الجهد والإنتاجية في آن واحد. وبالمقابل فإن التواجد في موقع العمل له الكثير من الإيجابيات من ضمنها توفر كافة المعدات التي تساعد على تسريع وتيرة إنجاز المعاملات وسهولة التواصل مع كافة الموظفين دون استثناء.

أكثر مرونة وسلاسة

وتواصل الحبسية حديثها : بعزيمة الشباب والفكر النير لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- تمكنا بفضل الله من إثبات مقدرتنا بالتأقلم مع جميع التحديات التي قد تواجهنا، وفي مجال عملنا فإنه توجد هنالك العديد من الوظائف التي تتسم بالسرية التامة والتي تحتاج للتواجد في موقع العمل لإتمامها ونحن في مركز عمان للمؤتمرات والمعارض تمكنا من تسخير كافة الجهود للحفاظ على سرية العمل وجودته والعمل كفريق واحد مع الإشادة بالدور الذي قام به موظفو قسم تقنية المعلومات بالشركة الذين كان لهم دور بارز في إنشاء برامج ذات جودة عالية ساعدت في تهيئة جو مناسب لتحقيق الأهداف المرجوة.


ويرى طلال بن ناصر الزعابي أن العمل عن بعد أفضل بكثير من الحضور إلى مقر العمل كما أنه أكثر مرونة وسلاسة ؛ خاصة العمل الميداني الذي لا يتطلب حضور المكتب أو مقر العمل على الأغلب، كما أن الحضور في مقر العمل يشكل أحيانا عبئا على الموظف خاصة أنه أحيانا في حضوره للمكتب يشعر بأنه لا ينجز. وتحديات العمل عن بعد ضئيلة جدا تكمن في تخليص أوراق أو معاملات يعتمد تخليصها أو إنهاؤها في مقر العمل بالنفس ولكن في جهات عمل أخرى عالجت هذه الإشكالية بتوفير كل الموارد المطلوبة بالعمل عن بعد أو بالعمل بالمنزل؛ ويوف العمل عن بعد مساحات كبيرة للشخص بين عمله وأسرته ونفسه، بدلا ما كان يقضي بالماضي معظم وقته بالعمل.

صعوبات وتحديات حاضرة

أما علي بن مقبل العولقي يقول : كانت تجربة مفاجئة من دون سابق إنذار ولكنها شيقة وجميلة وفيها نوع من التغيير في بيئة العمل وجانب من الاستقلالية بحكم تواصلك من بيتك، وفي البداية كانت الصعوبات تكمن في نقص الموارد المطلوبة للتواصل عن بعد مثل الأجهزة والبرامج المعتمدة في بيئات العمل، ولكن بفضل الله وتعاون جميع الزملاء تخطينا الصعوبات وأصبح العمل عن بعد بيئة مناسبة لتحقيق الأهداف المنشودة.
وبحكم وظيفتي كأخصائي تسويق إذا توفرت كل الأدوات المطلوبة للعمل عن بعد يمكن العمل من المكتب وعن بعد بنفس الأداء، حيث إن عملنا يعتمد كثيرا على استخدام قنوات الاتصالات مع الشركات وافرع الهيئة التي أعمل بها.


وكانت تجربة العمل عن بعد في بدايتها صعبة وتحتاج إلى تعوّد لدى سمية بنت عبدالله العزرية، والتحديات حاضرة في ظل ضعف شبكة الأنترنت والشبكة العامة من متلقي الخدمة والبيانات قد تكون غير صحيحة ومهنة المحاماة قد تجمع بين العملين عن قرب وعن بعد.


وتضيف بثينة بنت ناصر الزعابية صاحبة مؤسسة صغيرة مختصة بالتوظيف «عمان كاريرز» : الكثير من أعمالنا تعتمد على التواصل مع الزبون أو تواصل الزبون معنا للتعريف وعرض والاستفادة من الخدمات التي نقدمها، وفي الأغلب يتم هذا التواصل عن طريق قنوات التواصل التي تفعالت بشكل أكبر في فترة كورونا والتي تم فيها التفعيل الحقيقي للعمل عن بعد، ونعتمد فيها على التواصل بالاتصال الهاتفي والبريد الإلكتروني أو الاجتماع مع الزبون عن طريق الفيديو، كذلك عمل المقابلات الوظيفية عن طريق الهاتف أو الاتصال بالفيديو وهي تجربة فريدة من نوعها لم يتم تطبيقها في السابق وخاصة مع المتقدمين للشواغر الوظيفية من داخل السلطنة .
وتكمن التحديات في عدم توافر الموارد الكافية كضعف الشبكة في بعض المناطق مما يؤدي إلى انقطاع المحادثة وإعادة محاولة الاتصال عدة مرات، كما أن تجربة التواصل عن طريق الفيديو هي تجربة جديدة لم يتهيأ لها البعض مسبقا بالشكل المناسب وقد تكون غير مريحة حتى يتعود عليها، وممكن تفعيل العمل عن بعد ولكن تبقى هناك نسبة بسيطة من الأعمال التي لابد أن يطبق فيها العمل عن قرب.