التغيرات المناخية.. تأثيرات عابرة للحدود

  • السلطنة ضمن نطاق الدول المتأثرة بالجفاف والتصحر وبالأعاصير والفيضانات
  • الدكتورة سعاد المنجية:الأعاصير الشديدة في بحرالعرب مرشحة للزيادة وارتفاع “مؤثر” للحرارة على الصحة العامة
  • توقعات بزيادة شدة موجات الجفاف في شمال البلاد مستقبلا نتيجة ارتفاع الحرارة ونقص الامطار
  • كميات أمطار عالية جدا في فترات زمنية قصيرة “يومان الى خمس أيام”
  • بنية أساسية لا تراعي التغيرات المناخية تؤدي الى فيضان مناطق العمران في الاودية
  • أعاصير مايو تتجه الى الجنوب ، ويونيو بين الوسطى وشمال عمان
  • التأكيد على أهمية معرفة مسارات الأعاصير لتقييم مخاطرها على البنية الأساسية والمشاريع

التأثيرات قد تطال محطات تحلية المياه وشبكات توزيع المياه والطاقة الكهربائية

كتب ـ عبدالله بن سيف الخايفي:

عاما بعد آخر تزداد العواصف المدارية والأعاصير حول العالم في الوقت الذي تواصل فيه درجات الحرارة ارتفاعها الملحوظ ومعها ترتفع احتمالات حدوث الفيضانات في بعض المناطق والجفاف والتصحر في مناطق أخرى ووقوع الأضرار الأمرالذي يتطلب اتخاذ المزيد من الاحتياطات والاجراءات الاحترازية للتعامل مع تلك المتغيرات المناخية.
عمان تبحث في واقع الدراسات العلمية للتغيرات المناخية وتستشرف التوقعات المستقبلية لتأثيراتها على العالم عموما والسلطنة على وجه الخصوص وأهمية معرفة التغيرات المناخية واستخدامها كمؤشرات في التخطيط ومعرفة المخاطرالمحتملة للمناخ على البنية التحتية والتخطيط العمراني.

تأثيرات عابرة للحدود
التغيرات المناخية تأثيراتها عابرة للحدود وتتموقع السلطنة كدولة مطلة على بحر العرب ضمن نطاق الدول المتأثرة بالجفاف والتصحر وبالأعاصير والفيضانات ومع زيادة ارتفاع درجات الحرارة عالميا تذهب التوقعات الى زيادة معدلات الجفاف مستقبلا وازدياد التصحر في المناطق الشمالية من البلاد .وعلى مستوى السواحل فمن المتوقع مستقبلا وكنتيجة لارتفاع مستويات سطح البحر تأثر بعض المناطق الساحلية والنظم البيئية فيها كما يتوقع زيادة ارتفاع درجات الحرارة، وان كانت بمعدلات بسيطة قد تتسبب بأثار سلبية على الصحة العامة.
وتخبرنا الدراسات بأن الأعاصير ذات الشدة العالية في بحرالعرب مرشحة لزيادة كبيرة نتيجة التقاء الظواهر المناخية الكبرى في الغلاف الجوي والمسطحات المائية فيما ستكون البنية التحتية التي لا تراعي التغيرات المناخية عرضة للفيضان الحضري مستقبلا نتيجة للتمدد غير المسؤول للعمران في الأودية.
آثار سلبية ناتجة عن التغير المناخي.

في هذه الحلقة من تحقيق عمان نستطلع من خلال الدكتورة سعاد بنت سعود المنجية اخصائية نظم معلومات جغرافية واقع التغيرات المناخية والتنبؤات المستقبلية لتلك التغيرات في المنطقة وتأثيراتها المحتملة على السلطنة.
تتحدث المنجية بعين فاحصة عن تأثيرات عابرة للحدود للتغيرات المناخية لا تقتصرعلى منطقة معينة معتبرة ان التنوع الجغرافي والمناخي الكبير الذي تتميز به السلطنة ما بين المناطق الساحلية، والسلاسل الجبلية ، والصحاري الممتدة على مساحات شاسعة في الربع الخالي ورمال الشرقية، تنوع قد ينتج عنه آثار سلبية ناتجة عن التغير المناخي.
ومن بين تلك التأثيرات المحتملة زيادة الجفاف والتصحرحيث تعتبر السلطنة من الدول التي تمر بها فترات جفاف طويلة بإستمرار، وقالت انه من المتوقع مع زيادة ارتفاع دراجات الحرارة عالميا زيادة معدلات الجفاف مستقبلا وازدياد التصحر. وتضيف ان السواحل ستكون عرضة للتأثر فمن المتوقع مستقبلا وكنتيجة لارتفاع مستويات سطح البحرتأثر بعض المناطق الساحلية والنظم البيئية فيها.
تأثيرات على الصحة العامة
كما ستطال التأثيرات السلبية الناتجة عن التغير المناخي الصحة العامة كما تقول الدكتورة سعاد فهناك توقعات بزيادة ارتفاع درجات الحرارة، وانه هذا الارتفاع وان كان بمعدلات بسيطة قد يتسبب بأثار سلبية على الصحة العامة خصوصا لاولئك العاملين في المواقع المعرضة للشمس و درجات الحرارة العالية.
وأكدت أخصائية نظم المعلومات الجغرافية الحاصلة على الدكتوراة في ادارة مخاطر الكوارث الطبيعية زيادة معدلات الاعاصير ذات الشدة العالية في بحر العرب، و زيادة احتمالية وصولها لليابسة في العقدين الاخيرين.
وأوضحت أن التأثيرات السلبية للتغير المناخي متنوعة بتغير النطاق الجغرافي مابين زيادة الجفاف في مناطق، و زيادة معدلات الامطار والفيضانات في مناطق اخرى. اما ارتفاع مستوى سطح البحرفنتيجة لذوبان الجليد في القطبين و هذا الارتفاع له تأثيرات سلبية عابرة للقارات على النظم البيئية الساحلية، كا يؤدي ارتفاع مستوى سطح البحرالى تقلص مساحات من اليابسة في المناطق الساحلية المنخفضة.
تكرار الاعاصير ذات الشدة العالية جدا

وفي ظل هذه التنبؤات فهل يمكن تصنيف السلطنة ضمن منطقة أعاصير دائمة ؟
تقول الدكتورة سعاد :فيما يتعلق بالتغيرات المناخية ،نعم عمان تقع ضمن نطاق الدول المتأثرة سواء تلك التي تأخذ فترة زمنية طويلة في التأثير مثل الجفاف والتصحر، او ذات التأثير قصيرالمدى مثل الاعاصيروالفيضانات.لكنها اشارت الى ان الاعاصير في بحر العرب سجلت تغيرا في سلوكياتها في العقدين الماضيين خصوصا بعد اعصار جونو، حيث لوحظ زيادة طفيفة في التكرار، مع زيادة في تكرار الاعاصير ذات الشدة العالية جدا والتي وصل العديد منها الى السواحل المحيطة ببحرالعرب كسلطنة عمان و اليمن و الهند.
وتأتي السلطنة في المرتبة الثانية بعد الهند من حيث تعرضها لاعاصير بحر العرب، والاعاصير فيها دائمة لكن تتفاوت معدلات حدوثها وشدتها بين سنة وأخرى حسب المتغيرات المناخية.
اما الزلازل فلا علاقة لها بالتغيرات المناخية ، ولكن السلطنة تقع ضمن نطاق الزلازل و تتأثر بهزات خفيفة الى متوسطة باستمرار ، مع وجود تسجيلات تاريخية لزلازل عنيفة، كما تقع ضمن نطاق المناطق المتأثرة بموجات تسونامي (في حال حدوثها) خصوصا من صدع مكران وهناك تسونامي مسجل في عام ١٩٤٥م. 
ولمعرفة كيفية قياس تكرار الحالات المدارية وكيف يفسر العلماء حدوثها ونشاطها المتزايد اوالمستقرتوضح اخصائية نظم معلومات جغرافية انها تتم من خلال سجلات الاعاصير المسجلة وملاحظة التغير في التكرار بشكل سنوي وعلى حساب التغير لكل عشر سنوات.
وقالت انه قد لوحظ استقرار نسبي في تكرار تشكل الأعاصيرمع زيادة طفيفة عالميا في الفترة بين منتصف الخمسينيات الى أواخر السبعينيات من القرن الماضي وفسرها العلماء كنتيجة للزيادة السريعة والكثيفة للملوثات نتيجة الثروة الصناعية، عاد بعدها التكرار الى الاستقرار. وأردفت: لوحظ في السنوات الاخيرة زيادة كبيرة في تكرار الأعاصير ذات الشدة العالية وجرى ملاحظتها بشكل كبير في بحر العرب.
التغير المناخي وزيادة الملوثات
اما عن تفسير العلماء لهذه الزيادة فتأتي كنتيجة للتغير المناخي وزيادة الملوثات المؤثرة على العوامل المساعدة على تشكل و نشاط الاعاصير. حيث فسر العلماء ك (Evan ) هذا التغير في الشدة نتيجة تأثير ملوثات الهواء على رياح القص العلوية التي تعتبرعاملا مهما في التصدي للأعاصير والحد من قوتها ونشاطها و منع وصولها لليابسة.
وتشير الدكتورة سعاد الى ان التغير في تكرار ونشاط الاعاصير في المسطحات المائية مرتبط بنشاط الكثيرمن الظواهرالمناخية الكبرى في الغلاف الجوي ، والمسطحات المائية، كظاهرة الانينا، و قطبية المحيطة الهندي، و المادن جوليان ، و موجات كلفن.
ويرى بعض العلماء ان التقاء هذه الظواهر قد يؤدي إلى زيادة ملحوظة في تكرار وشدة الاعاصير كما حدث في 2019. الا ان هذا الامر بحاجة الى دراسة متعمقة في بحر العرب والذي تقل حوله الدراسات بشكل كبير.
وبالعودة الى التاريخ سيخبرنا بأنه مرت على سلطنة عمان سنوات جفاف طويلة سابقا و قد ذكرت عدد من الدراسات موجات جفاف مرت على السلطنة كموجة الجفاف في الفترة بين 1957-1959 في جنوب عمان، و موجات الجفاف الشديدة في الفترة بين 1973-1974 و الذي اثر على العديد من القرى في شمال عمان.


توقعات بموجات جفاف متكررة
وقالت الدكتورة سعاد المنجية أن موجات الجفاف متكررة ومستمرة في عمان وهناك توقعات بزيادة شدة هذه الموجات في شمالها مستقبلا نتيجة ارتفاع معدلات درجة الحرارة و نقص معدلات الامطار.
واوضحت اخصائية نظم المعلومات الجغرافية انه من المهم جدا معرفة التغيرات المناخية استخدامها كمؤشرات مهمة في التخطيط العمراني، مشيرة الى وجود اتجاه عالمي نحو ” التدقيق المناخي للتنمية climate proofing for development ” و الذي يهدف الى معرفة المخاطر المحتملة للمناخ على البنية التحتية والتخطيط العمراني ، فمثلا من حيث التخطيط العمراني من المهم جدا معرفة دراسة العوامل المناخية المؤدية الى زيادة معدلات الفيضان، فالتغير المناخي ادى الى زيادة شدة الاعاصير واحتمالية وصولها لليابسة، الامر الذي ينتج عنه كميات امطارعالية جدا في فترات زمنية قصيرة ( يومان الى خمس ايام )، وهذه المعدلات العالية من الامطار مع بنية تحتية لا تراعي التغيرات المناخية قد تؤدي الى زيادة معدلات ما يسمى بالفيضان الحضري مستقبلا والناتج عن التمدد غير المسوؤل للعمران في مناطق الفيضان الطبيعية (الاودية).

مسارات الأعاصير
وقالت :هناك الكثير من الظواهر والعوامل الطبيعية المؤثرة على مسارات الأعاصير كنطاق توزيع الضغط الجوي، ووجود التيار النفاث، ورياح القص العلوية وغيرها من العوامل فلكل اعصارعوامله المميزة التي تحدد مساره الدقيق، لافتة الى ملاحظة وجود نمط توزيع واضح لمسارات الاعاصير حسب الشهور فأعاصير مايو تتجه الى جنوب عمان، اما يوينو فتتجه بين الوسطى وشمال عمان.
وقالت أن اهمية معرفة المسارات تكمن في تحديد نطاقات التأثر المتكرر للأعاصير، وتقييم المخاطرالمحتملة من الاعاصير كالفيضانات، والرياح الشديدة ، وارتفاع امواج البحر (تعاظم الامواج) و التي قد ينتج عنها اثار سلبية كثيرة على البنية التحتية والمشاريع التنموية، كتأثيرها على محطات تحلية المياه و شبكات توزيع المياه وشبكات توزيع الطاقة الكهربائية.
في الحلقة المقبلة تكشف عمان عن مواسم تشكل الأعاصير والعواصف المدارية في بحر العرب في لقاء مع خبير الأرصاد الجوية خالد بن خميس الجهوري الذي سيتناول الحالات المدارية والتغيرات المناخية ومستقبل الأعاصير والعواصف المدارية في المنطقة في ضوء التغيرات المناخية التي يشهدها العالم ونتائج الدراسات وتوقعات العلماء وقراءة النماذج المناخية وأهمية الاحترازات لمواجهة خطر تعاظم الأمواج.