أزمة سد النهضة بين مسار التفاوض وخيار المواجهة

د. صلاح أبونار –

أيام قليلة تفصلنا عن بدايات الفصل المطير الذي حددته أثيوبيا للبدء الأحادي للملء الأول لسد النهضة. وحتى تبدأ الأمطار في الهطول على هضبة الحبشة، سيقف المراقبون والسياسيون وقواعد جماهيرية واسعة في حالة ترقب. فهل ستمضي أثيوبيا في طريقها الذي أكدت أصرارها عليه منذ نهاية مفاوضات واشنطن وتبدأ في الملء الأحادي؟ ولو حدث هل ستضطر مصر للجوء لخيار المواجهة العسكرية الذي لم تعلن عنه أبدًا؟ أم أن هناك احتمالا للعودة للمفاوضات؟ وإذا حدث هل ستنجح الجولة الجديدة في تخطي مأزق مفاوضات تواصلت على مدى عقد كامل؟
لو نظرنا إلى السد في تعريفه العام أي كمنشأة تقيمها أثيوبيا على مجرى النيل الأزرق لإعادة التنظيم والتقليل من تدفق المياه إلى مصر، فلن نجد أمامنا واقعة جديدة تمامًا في سجلات التاريخ. في حدود مسح سريع ظهرت الفكرة من قبل مرتين على الأقل.
سنجدها –أولا– في العصور الوسطى في سياق التوتر المصاحب للحروب الصليبية، لكنه مجرد ظهور نظري لم تتحدث المراجع عن تجليات عملية له. بعد نجاح جيوش صلاح الدين في استعادة القدس 1187، رأى الإمبراطور الأثيوبي جيبري ميسكيل لاليبيلا 1190 – 1225حلما يطالبه ببناء قدس بديلة في مملكته، وبالفعل قام ببناء قدسه البديلة مطلقا على معالمها أسماء معالم القدس. وتحت سيطرة تلك الروح الصليبية خطط وفقا لما كتبه القس القبطي جرجس المكيني في تحذير أرسله إلى بطرك الإسكندرية، لتحويل مياه نهر تيكيدي حتى لا يستمر في مجراه الطبيعي إلى نهر عطبرة ومنه إلى مصر. وفي القرن الرابع عشر سنجد واقعة أخرى معزولة عن النيل وسدوده، ولكنها تندرج في ذات الأفق التاريخي للحروب الصليبية. كان الإمبراطور دويت الأول الذي حكم فيما بين 1382 – 1413 مسيحيا متحمسا، وهكذا قرر وفقا للمؤرخ الإثيوبي تاديسي تامرات أن يرسل حملة إلى مصر لإنقاذ أقباط مصر مما تخيله من اضطهاد يحيق بهم. ووصلت الحملة أسوان لكنها عادت أعقابها بعد وساطة قام بها البطريك القبطي.
وسنجدها –ثانيا- في سياق التنافس الاستعماري في العصر الحديث. بعد حادث فاشودة وفي سياق التنافس البريطاني – الفرنسي في إفريقيا، حاولت فرنسا ضرب المصالح البريطانية في مصر بإقناع أثيوبيا ببناء سد على النيل. وفي مواجهة الموقف أطلقت بريطانيا حملة عسكرية من السودان بقيادة كتشنر، وصلت بالفعل قرب الموقع المفترض للمشروع واستعدت لمهاجمته، ولكن المواجهة لم تحدث وتمت الإحاطة بالموقف دبلوماسيا.
تشكلت خطة سد النهضة وفقًا لسياقات تاريخية مختلفة تمامًا، وبالتالي من الخطأ ربطها خطيا بتلك السوابق التاريخية. وكان هدفنا من ذكرها ليس استخدامها كمنظور مباشر للتفسير، بل كسوابق تاريخية نوظفها للفهم عبر قاعدتي التماثل والمغايرة. سنجد التماثل في وحدة السياق الجغرافي للبلدين، والدور المركزي للنهر في الحياة والإنتاج، ومنطق الوحدة والتناقض الكامن في المشاركة الثنائية في مورد مائي أساسي. وسنجد المغايرة في تحولات وتناقضات السياقات التاريخية الموجهة في البلدين، والتيارات الجديدة الفاعلة على المستويات الدولية والإقليمية، وتراكم فعل وتأثير خبرات العلاقات بين البلدين، وكفاءة الإدارة السياسية للنخب الوطنية. وفي كل الأحوال سنجد في حالة سد النهضة، دولتين تخلصتا تماما من تأثير مواريثهما الدينية والاستعمارية، وينطلق كل منهما من سياق أزماته الوطنية الراهنة في مواجهة تحديات تنموية حديثة ومتناقضة، ويعملان تحت تأثير تحولات دولية وإقليمية عميقة ومتوالية.
في 31 مارس 2011 أعلنت أثيوبيا بدء إنشاء السد بسعة 74 مليار متر مكعب. وعلى امتداد السنوات التالية واصل العمل التنفيذي في السد التقدم، بينما كانت المفاوضات تتقدم وفقا لمنطق آخر. كانت المفاوضات تنتقل من نشاط مطرد ومثمر، إلى جمود يتواصل لسنوات، وتتلوه صحوة على مستوى معين يتداعى تأثيرها على بقية المستويات تثمر خطوات نوعية جديدة، ليعقبها جمود ينتهي بصحوة تحقق إنجازات. ويصعب القول بعقم المفاوضات، والصحيح أنها حققت مساحة توافق كبيرة وألقت الضوء على مساحة من الحقائق ونجحت في رسم مسارات بديلة ممكنة، لكنها عجزت عن تحقيق التوافق في مساحات أخرى مهمة والوصول لصيغة نهائية جامعة وملزمة. وسنلقي فيما يلي نظرة سريعة على محطات التفاوض الأساسية.
في أبريل 2011 تم الاتفاق على تكوين لجنة فنية دولية لفحص الخلافات حول السد، وانطلق عملها في مارس 2012 لتصدر تقريرها في 31 مايو 2013. وأبدى التقرير تحفظات وطالب بدراسات إضافية، حول استقرار جسم السد وسياسة التصريف ونمط التشغيل. ورحبت أثيوبيا بالتقرير ووعدت بإنجاز الدراسات المطلوبة، ولكن الموقف ظل راكدًا حتى مارس 2015، عندما اجتمع رؤساء مصر والسودان وأثيوبيا وانتهوا إلى «اتفاق إعلان مبادئ بشأن سد النهضة». نص الاتفاق على عشر مبادئ أهمها مبادئ عدم التسبب بضرر ذي شأن، والاستخدام المنصف للموارد، والتعاون في الملء الأول عبر الالتزام بتوصيات اللجنة الدولية والدراسات التي أوصت بها، والسيادة الوطنية المتساوية، والتسوية السلمية للمنازعات. وكان الاتفاق محض إعلان لحسن النوايا وجاءت خطوة إنجاز الدراسات المتبقية اختبارًا لمدى صدقها. لم تنجح الدول الثلاث في الاتفاق على الجهة الدولية المكلفة بالدراسات إلا في ديسمبر 2015، وعلى عقود تكليفها إلا في سبتمبر 2016. وعندما انتهى المكتب الاستشاري الفرنسي من دراسته الأولية في مارس 2017 اعترضت عليها إثيوبيا والسودان، وبدأت مفاوضات لحل الخلاف ولكن الجمود سيطر وتوقفت المفاوضات في نوفمبر 2017. وبعد 3 أشهر اتفقت الدول الثلاث على تكوين لجنة تساعية من وزراء الخارجية والموارد المائية ورؤساء المخابرات، اتفقت على تكوين مجموعة عمل فنية من 15 عضوًا لمناقشة أسس الملء الأول، ورغم التوافقات التي حققتها توقفت في سبتمبر 2019 بعد فشلها عبر خمسة اجتماعات في الاتفاق حول قواعد الملء والتشغيل. وهكذا لجأت القاهرة لواشنطن والبنك الدولي طلبًا للوساطة. وفيما بين نوفمبر 2019 وفبراير 2020 انعقدت 12 جولة مفاوضات، حققت تقدمًا كبيرًا وكان من المفترض الاجتماع يوم 28 فبراير لحسم آخر الخلافات والتوقيع بالأحرف الأولى، ولكن أثيوبيا اعتذرت بحجة الرغبة في المزيد من المشاورات، وحضرت مصر ووقعت إثباتا لحسن النوايا. ومع اقتراب شهر يونيو ظهرت محاولة لتخطي المأزق، وانطلقت مفاوضات ثلاثية في الخرطوم بين وزراء الموارد المائية. لكنها أخفقت على مدى الأسبوعين الأوليين من يونيو، في تجسير الفجوة التي عجزت واشنطن عن تجسيرها.
أضحى غالبية المحللين الآن يطرحون السؤال التالي: بعد عشر سنوات من التفاوض دونما الوصول لتوافق سياسي هل هناك بديل سوى الحرب؟
لأسباب كثيرة لا يتصور أحد تبني السودان خيار الحرب وبالتالي تنحصر احتمالاته في مصر. ذاتيا لا تميل مصر لهذا الخيار بل لا تهدد به ولو بمجرد التلميح. وسياسيا تبدو تكلفته العالمية والإفريقية باهظة، ويصعب تصور فتح جبهة عسكرية جنوبا بينما هناك جبهة فعلية في سيناء وأخرى محتملة في ليبيا!؟ وعسكريا يمكن لضربة طيران أن تهدم السد، لكنها يمكن أيضا أن تفشل مخلفه تداعيات سياسية مقيتة. وحتى بافتراض نجاحها فسوف تخلق عداوة تاريخية عميقة وممتدة مع شعب ودولة، سيظلان مسؤولين عن الإدارة المائية لتدفق مورد مصر المائي الأساسي، وهي إدارة لا يمكن أن تستقيم وتنتظم في سياق عداء من هذا النمط.
وليس هناك سبيل للتقدم سوى السبيل السياسي. سبق القول لم تكن سنوات التفاوض رغم سلبياتها عقيمة. في معرض جرد لإيجابيات مفاوضات واشنطن سجل الدكتور محمد هلال المستشار القانوني للوفد المصري الوصول إلى اتفاق حول خطة الملء الأول. سيتم الملء على مدى 5 سنوات، وستصل نسبة الملء في السنتين الأوليين إلى 595 مترًا من إجمالي 640، وخلالهما ستُركب كل التوربينات. وسيعتمد الملء على متوسط الإيرادات المائية، وسيرتفع معدله أو ينخفض وفقا لها، ومع وجود تدابير لمواجهة الجفاف المحتمل خلال السنتين الأوليين يمكن أن تمتد فترة الملء. وبالتوازي مع ذلك رصد هلال أهم الخلافات في نظام التشغيل التالي على الملء. لم تظهر خلافات بشأن التشغيل خلال فترات الظروف العادية، واتفق على أن يظل مستوى تشغيل السد عند 625 مترًا، ويطلق ما زاد عن ذلك من مياه كل عام. وظهر الخلاف حول التشغيل خلال فترات الجفاف. في البداية وافق الأثيوبيون على السماح بإطلاق المياه الزائدة عن 603 أمتار، وهو مستوى للجفاف الشديد ويسمح بتوليد 80% من الطاقة، وبعد ذلك تراجعوا عن موافقتهم. ويمتد الخلاف ليشمل عناصر أخرى. رفض الأثيوبيون التحكيم والقضاء الدوليين كأداة لحل المنازعات، ورفضوا مقترحات نظام شامل للنيل الأزرق لتنظيم الإنشاءات المستقبلية، رغم معرفتهم بتأثيرها على مياه السد.
والحاصل أنه لا يوجد طريق سوى مواصلة التفاوض، مع تكثيف الضغط الدولي بكافة قنواته على أثيوبيا، والرهان على نسبية وتغير المواقف الأثيوبية التفاوضية. ولكن الجانب الأهم أن يعي الطرف المتضرر جيدًا أن عصر المياه الوفيرة يتراجع في العالم كله، وأن قاعدة الحقوق التاريخية القديمة في المياه الدولية تفقد أهيمتها، وأن عليه أن يعيد تشكيل ثقافته وطرقه المعيشية والإنتاجية وحقوقه المائية على هذا الأساس.