المعايير والضوابط التي وضعها الإسلام للتعايش مع الوباء.. لضمان السلامة من العدوى

د. الوائلي: مراعاة حق الإسلام والبعد عن السلبية من تعايش المسلم مع وباء كورونا ولا يكون سببا في الضرر والإضرار

الصوافي: الالتزام بالتعليمات التي تصدرها اللجنة العليا المسؤولة عن الوباء له دور كبير في محاصرة المرض والقضاء عليه

“الوقاية خير من العلاج” والإقدام على المرض الفتاك والاستهانة منه يعد من ضروب الانتحار

المسلم من طبعه عدم الركون إلى الظروف المحيطة مهما كانت سيئة أو سلبية
الإحسان في الحياة بصورة أكمل وأجمل مما يجب ان يتخذ من مثل هذا الوضع

لقطة للمصور هيثم الفارسي توضح ضحايا كورونا وهم يرحلون وحيدين دون وداع.
أجرى اللقاء: سيف بن سالم الفضيلي

دعا كلا من الدكتور سعيد الوائلي وحمود الصوافي المجتمع الى مراعاة حق الإسلام والبعد عن السلبية من تعايش المسلم مع وباء كورونا وألا يكون سببا في الضرر والإضرار.
كما دعيا الى ان يتخذ المسلم الاحسان في الحياة بصورة أكمل وأجمل من مثل هذا الوضع وأن لا يركن للظروف المحيطة مهما كانت سيئة او سلبية.
وبيّنا ان الالتزام بالتعليمات التي تصدرها اللجنة العليا المسؤولة عن الوباء له دور كبير في محاصرة المرض والقضاء عليه.
ونبها الى ان “الوقاية خير من العلاج” والإقدام على المرض الفتاك والاستهانة منه يعد من ضروب الانتحار.. جاء ذلك في لقاء معهما حول “المعايير والضوابط التي وضعها الإسلام للتعايش مع الوباء.. لضمان السلامة من العدوى”.. وإلى التفاصيل.
يقول الدكتور سعيد بن سليمان الوائلي (كلية العلوم الشرعية) ان من طبع المسلم ألا يركن إلى الظروف المحيطة مهما كانت سيئة أو سلبية، بل يتخذ منها مادة للبناء والتشييد في معنى الحياة، بحيث ينجز أعماله ويقوم بواجباته الدينية والدنيوية التي كلف بها في أحسن صورة وعلى أكمل وجه ممكن.
فليس من طبع المؤمن الحقيقي أن يتخذ من الوباء أو المرض عذرا للتقصير في الحقوق أو التنصل من الواجبات.. لأنه يعلم بأن الحياة مليئة بالصعوبات التي لا تنتهي، فلئن اتخذ من وباء (كورونا) عاذرة اليوم، فإنه سيتخذ من أمراض وعلل عواذر وذرائع للسلبية وعدم الإنتاج في كل أوقات حياته.
ويقول: ولأن المسلم يدرك أهمية الوفاء بمقتضيات الأوامر ومتطلبات العيش فمن الطبيعي أن يهتم بكل ما يترتب عليه صلاح أوضاعه وأوضاع من حوله، حتى وإن كان الوباء ألزمه بيته ومسكنه، وفرض عليه القيود في الحركة وعدم كثرة التنقل، فإذا كان المكوث في المنزل بسبب ما يعن من وباء ومرض، يؤدي إلى تأثيرات سلبية على الجانب الاقتصادي والجانب الاجتماعي، فإنما يكون ذلك عند غير المسلم؛ فأين نحن من حديث النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم: “عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن صابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له”. مع ما يصحب ذلك من تحقيق الإيمان بالله واليوم الآخر، وتحقيق جوانب الإيمان بالقضاء والقدر؛ لذلك من تعايش المسلم مع وباء كورونا في منزله أن يكون بعيدا عن السلبية فلا يكون سببا في الضرر والإضرار، مراعاة لحق الإسلام قبل كل شيء، ففي الحديث: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”، وقال صلى الله عليه وسلم: “كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه”، وقال: “من غشنا فليس منا”. ولا تحايل ولا مكر ولا خديعة، لأن الفراغ والبقاء لساعات طوال في المنزل قد يزين للإنسان أفكارا شيطانية بما يؤثر على المجتمع في سوء العلاقات الاجتماعية مع الأقارب أو الجيران أو الناس الذين أمرنا أن نحسن إليهم.

الابتعاد عن التبذير والاسراف

وأضاف: كذلك قد يزين للإنسان ما يسيء إلى أوضاعه الاقتصادية بصورة سلبية من عدم الإنتاجية، والانفاق بإسراف أو تبذير لأشياء غير جائزة، فمن كان يرجو الله واليوم الآخر يكون بعيدا عن هذه الأمور التي لا ترضي الله تعالى، وتسيء إلى الحياة وإلى من نتعامل معهم.
ودعا الوائلي الى ان نتخذ من هذا الوضع ما يعين على الإحسان في الحياة بصورة أكمل وأجمل، وذلك أولا بإعادة الحسابات لنبحث في جوانب التقصير فنتفادها، وجوانب النقص فنكملها، وجوانب الإنتاج والكمال فنحرص عليها ونواصل الطريق فيها.
مشيرا الى انه يستطيع المسلم في وقت فراغه في منزله أن يطلب العلم الواجب حسب موقعه وقدراته، وتتعدد مجالات طلب العلم ولكن أهمها هي العلوم الشرعية التي يُسأل عنها العبد يوم القيامة، فمعرفة الأحكام المتعلقة بالعبادات من العلوم التي يجب على كل مسلمٍ تعلّمها لأنها تقود إلى تأدية الفرائض والعبادات بالشكل الصحيح، ويمكنه أن يحقق جوانب الأخلاق بتزكية النفس فيها ومراعاة جوانبها التي ترضي الله تعالى.
كما يستطيع أن يتواصل مع أهله وأقاربه عن طريق وسائل التواصل المتاحة، ويكون بذلك واصلا لرحمه ومحققا لجانب من التواصل في المجتمع الذي يعيش فيه. ومتغلبا على التحديات المتصلة بمسيرة الحياة التي تعتريه.

الحذر..

كما يكون حذرا من آفة العمل التي تكون بعدم مطابقته لمراد الله الذي يحبه ويرضاه. فلا يخالف المقصد الشرعي، بسوء نية. قال تعالى: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)، وقد جاء في الحديث النبوي: “وَيْلٌ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ مَرَّةً، وَوَيْلٌ لِمَنْ يَعْلَمُ وَلَمْ يَعْمَلْ مَرَّتَيْنِ”، وحديث: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن أربع” ذكر منها: “وماذا عمل فيما علم”. وحديث: “من تعلم العلم لله عز وجل وعمل به…”.
وهو في منزله يكون حذرا من الآراء والتوجهات والأفكار الهدامة التي يغزى بها العقول المفكرة، فإن الغزو الفكري له ما له من الأثر السلبي، وليحرص على البناء الفكري بما يغذيه ولا يهدمه ولا يمرضه.
والفرصة سانحة أمام من يكون عنده الوقت الكافي لذلك، مع ما يكون من قضاء أعماله الوظيفية والمهنية التي تسند إليه من جهة عمله، فلا يقصر في أداء ما يسند عليه بتعذر بالوباء.

الإسلام.. والأحداث المستجدة

حول نظرة الإسلام إلى الأحداث المستجدة في العالم يؤكد حمود بن عامر الصوافي ان الإسلام لم يترك الأمور تجري على عواهنها بل كان له أمر وتوجيه في كل شأن من شؤون الحياة قال تعالى: “مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ” فإما أن يفصل الموضوع تفصيلا وإما أن يدخل في عموميات يفهمها أولو العلم ويستنبطونها من الكتاب والسنة قال تعالى: “لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ”.
وذكر الصوافي ما مر على المسلمين من أوبئة وأمرض، وعن محدودية الإنسان أمام قدرة الله تعالى: نعم لقد مرت على الإسلام تجارب كثيرة جديرة بالعودة إليها والنظر فيها والاستفادة مما وصلت إليه البشرية اليوم من تقدم وتطور إلا أن هذا التطور يظل محدودا مهما بلغ الإنسان من علم وأتي من قدرة قال تعالى: “وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا” فيظل المرء عاجزا عن معرفة كل شيء وواجما أمام قدرة الله تعالى لذلك قد تقع الأمراض والأوبئة في العالم وتطال الكرة الأرضية من أقصاها إلى أقصاها ويظن الإنسان أنه قادر على تلافيها أو إعدامها إلا أنه يعجز عن ذلك مرات ومرات.

وفي جانب نظرة الإسلام نحو الوقاية من الأمراض، وضرورة التمسك بها ولو لم يكن هناك بلاء أو مرض فتاك يؤكد الصوافي: الوقاية هي الأساس لأننا إن اتقينا المرض لم يلزمنا البحث عن دواء أو محاولة الوصول إلى مصل لذا اشتهر عند العلماء: “الوقاية خير من قنطار علاج”، وقد نهى الإسلام أشد النهي في القرآن الكريم عن إلقاء النفس إلى التهلكة أو محاولة التمارض والإقدام على ما فيه هلاك أو زيادة المرض، قال تعالى: “وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”، وورد في الأثر: “لا تمارضوا فتمرضوا”.
إضافة الى ذلك فإن من تعليمات الإسلام فيما يخص الأمراض والأوبئة بأن أمرنا بالتداوي والبحث عن العلاج المناسب والتعلم فيما يخص المرض ومعالجة الإنسان ووقايته من مختلف الأمراض والأوبئة، ولا ريب أن الوقاية خير من العلاج وأن الإقدام على المرض الفتاك والاستهانة منه يعد من ضروب الانتحار ورمي النفس إلى التهلكة وذلك من المحرومات في الإسلام، وقد بين العلماء أن الحرص على سلامة النفس وتنجيتها من كل ما يؤدي إلى هلاكها من الضرورات الخمس التي راعها الإسلام وأمرنا أن نحافظ عليها.

حدثٌ.. وعبرة

وعن كيفية مواجهة المسلمون الأوبئة قديما.. يوضح الصوافي: للمسلمين في مقاومة الأمراض ومواجهة الأوبئة تراث عظيم فيروى أن وباء حصل في عهد عمر بن الخطاب فتك بالكثير من المسلمين فما كان من عمر إلا أن امتثل بحديث النبي صلى لله عليه وسلم القائل:” «إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع وأنتم فيه فلا تخرجوا فرارًا منه»، فقد كان عازما على زيارة الشام موضع الوباء فرجع بسبب هذا الحديث ولتقديمه سلامة النفس قال تعالى: ” وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا”.
ولما استمر الوباء وطال الكثير من المسلمين كتب عمر بن الخطاب إلى واليه بالشام أبي عبيدة مسلم بن الجراح يأمره بالابتعاد عن أماكن الوباء والارتفاع عنها إلى الجبال، قائلا: «أما بعد، فإنك قد أنزلت الناسَ أرضاً غمقة فارفعهم إلى أرضٍ مرتفعة نزهة”، إلا أن أبا عبيدة لم يتمكن من تطبيق إرشادات عمر فقد فتك الوباء به، فاستلم القيادة بعده معاذ بن جبل فكان مثل صاحبه، ثم استلم القيادة عمرو بن العاص، فقام عمرو في الناس خطيبا، قائلا: «أيها الناس، هذا الطاعون رجس، فتفرَّقوا عنه في هذه الشعاب وفي هذه الأودية»، فقد أمرهم بالتفرق، وعزل بعضهم بعضا حتى لا ينتشر فيهم، وأمرهم أن يصعدوا إلى الجبال ويتركوا المرض يموت بالابتعاد عنه وعدم مخالطة المرضى فكانت وصية نعم الوصية، أدت إلى تقليص المرض والقضاء عليه نهائيا.

التعاون ديدن المؤمن

وعمّا يجب أن نفعله اتجاه فيروس كورونا كوفيد 19 في ظل تأخر المصل وعدم وجود علاج واضح للمرض فيشدد الصوافي على أهمية الالتزام بالتعليمات التي تصدرها اللجنة العليا المسؤولة عن الوباء فإن له دور كبير في محاصرة المرض والقضاء عليه وإذا كان المرء يظن أنه قادر على مواجهة الفيروس فليعلم أن هناك من لا يستطيع مواجهته أو به أمرض تمنعه من مقاومته كما أن نشر المرض يؤدي إلى تأخر موته فعلينا جميعا ألا نضر بالآخرين ولا نلقيهم إلى التهلكة فهدينا يقول: “لا ضرر ولا ضرار في الإسلام” كما أن التعاون ديدن المؤمن المحب لأهله وإخوانه والناس أجمعين، قال تعالى: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ”.