هيا صالح: رواية “لون آخر للغروب” تُوازن بين الواقع والغرائبية

عمّان، “العمانية”: تقدم الكاتبة الأردنية هيا صالح في روايتها “لون آخر للغروب”، شكلاً بنائياً متداخلاً ومتراكباً، يقوم لجهة المتن الحكائي على حكايتين متوازيتين، الأولى لكاتب مستأجَر يكتب للآخرين مقابل المال، والثانية تمثل متن الرواية التي يكلّف بكتابتها وهي تتحدث عن فتاة تخوض العديد من التجارب على إثر الحروب التي شهدتها عائلتها ثم عانت منها هي.
وتقول صالح لوكالة الأنباء العمانية، إن بناء هذه الرواية التي فازت بجائزة كتارا للرواية العربية (2018)، جاء ليتوافق مع المضمون، حيث يقع الكاتب الذي يمارس مهنة الكتابة بتكليف من الآخرين وبأسمائهم (الكاتب الشبح) في شرك أعماله حينما يُطلب منه كتابة رواية عن امرأة تتعرض إلى سلسلة من التجارب القاسية على الصعيد العاطفي، وفي خضم ذلك يقع في حب بطلة روايته، وهو ما يمنعه بعد سلسلة من الأحداث والتحولات من مواصلة الكتابة للآخرين.


وتؤكد صالح التي تتنوع تجربتها الإبداعية لتشمل النقد الأدبي وتأليف الكتب الموجهة للطفل وكتابة القصة والمقالة والنص المسرحي والسيناريو والرواية لليافعين والكبار، أن الأحداث في الرواية وازنت بين الواقع والغرائبية وذلك لإظهار النمو النفسي والزمن الكرونولوجي للشخصيات التي بدت مركّبة وتعيش حالة من الصراع الداخلي، إذ تنقلب حياة الكاتب/ البطل بعد أن تجرى له عملية لزراعة القلب، ولا يتمكن من معرفة المتبرع الذي وهبه ذلك العضو ليكمل حياته، وفي المستشفى يتعرف على ممرضة يكتشف أنها قارئة نهمة، فيرتبطان معاً بعلاقة صداقة، وتحاول هي أن تساعده في البحث عن اسم المتبرع، كما تساعده في بناء رواية كان عليه إنجازها لأحد الزبائن، وخطوة فخطوة تبدأ خيوط العلاقة بينهما بالتشابك لتكتشف أنه واقع في غرام بطلة روايته التي يكتبها، وأن من تبرع له بالقلب قد يكون بطل الرواية! تقول صالح حول بناء الشخصيات على هذه الشاكلة، إنها أرادت الربط بين الكاتب والمتلقي والمتن، موضحة أن الكاتب الذي يكتب الرواية، يترك جزءاً من تجربته الخاصة وحياته يظهر في ما يخطه على الورق، في الوقت الذي يُترك فيه بعضُ المساحات والفراغات التي يمكن للمتلقي أن يملأها وفق خبراته وثقافته وتجاربه.
ورأت أن المتن يعدّ صلة الوصل بين الكاتب وقارئه، وفي روايتها هذه فإن البطل هو الكاتب، والممرضة هي المتلقي، وحكاية البطلة داخل روايته هي المتن.. لذا فإن بطلة الرواية داخل الرواية تكتشف في النهاية أنها خارج إطار الزمن بما يحقق لها معنى الخلود، بينما يكتشف الكاتب/ البطل أن بإمكانه هو أيضاً تحقيق معادلة الخلود من خلال ما يكتبه ومن خلال ما يعبّر عنه من أفكار تخصه وتنبع من قناعاته ورؤاه للوجود والحياة.
وتوضح صالح: “قد يبدو الخطان السرديان منفصلين عن بعضهما بعضاً، لكن الخيوط بينهما سرعان ما تتكشف لتُظهر الترابط بين الكاتب وشخصياته، وهو ما يسقط نظرية موت المؤلف”، مضيفة أن البناء الذي شيّدت به روايتها “يعزز فكرة مصارعة الزمن لتحقيق الإنسان للقيمة الأعلى من وجوده، فالخلود الذي بحث عنه جلجامش يمكن أن يتحقق على أرض الواقع بأشكال متعددة”.


وخلال سير الأحداث تطرح صالح أيضاً موضوعة الحرب التي غيّرت مصائر الشخصيات وبدّلتها، فبطلة الرواية التي يكتبها الكاتب تولَد في لبنان لأب عراقي وأم فلسطينية، ثم تلجأ عائلتها إلى الأردن بعد اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية، وما إن تشبّ عن الطوق حتى تندلع حرب الخليج في مطلع التسعينات، فتتعرف خلال تلك الفترة على فتاة فلسطينية قادمة من الكويت وتنشأ بينهما علاقة صداقة متينة رغم ما فيها من تناقضات.
ويوضح هذا المقطع من الرواية على لسان البطلة ما ذهبت إليه الروائية: “علاقتي بِلينا كانت غريبة، كانت تقول لي: أنتِ من العراق وأنا من الكويت، ربما علينا ألَّا نكون صديقتين. أُجيبها بمَرح: أمي فلسطينية وأنتِ كذلك، ربما علينا أن نكون صديقتين. كان بيننا الكثير من الاختلافات، والكثير من الأمور المشتركة أيضاً؛ كحُبنا للقراءة، ورسم الأشكال، وثرثراتنا التي لا تنتهي”.


ثم تتعرف البطلة على لاجئ قدم من سوريا ليستقر في الأردن، وخلال هذه الأحداث تصور الروائية بشاعة الحرب وألمها، وتبثّ رسائل ومقولات مثل: “إننا نفرُّ من المـوت إلى المـوت.. المـوت في البـر والبحـر والسماء، لا شيء غير الموت”. و”كلنا ضحايا حرب” و”الحقائق متضاربة ومختلفة لكنها تجتمع كلها في نقطة واحدة هي الحرب/ الموت؛ فما الذي يهم طفلاً إن قُتل أو شُرِّد على يد هؤلاء أو أولئك ما دام قد قُتل وشُرد في النهاية؟!”.
ويلاحظ القارئ استناد الرواية الصادرة ضمن منشورات الجائزة، على الغرائبية والفانتازيا، وهو ما تؤكده صالح موضحة أن كتاباتها تنحو نحو الغرائبية التي ترى أنها أشد تأثيراً في المتلقي وأكثر قدرة على التعبير عن قضايا الواقع.
وتنطوي الرواية على محمول ثقافي لم يثقل النص ولم يشكل عبئًا عليه. وتقول صالح في هذا السياق إنها وظفت معلومات حول الموسيقى والسينما والقراءة بما يلائم وعي الشخصيات من جهة، وينسجم مع السياق العام للأحداث بلا تكلف.
وتهتم صالح بالتنوع في البعد الزماني للرواية، إذ جاء السرد في الجزء الخاص بالكاتب المأجور بصيغة الماضي، بينما جاء الروي في الجزء الخاص بالبطلة بصيغة الحاضر، وجاءت عنونة الفصول الخاصة بما ترويه البطلة من حكايتها مبنية على تحرك عقارب الساعة، وذلك للدلالة على زمن التلقي، أو زمن القراءة التقديري بالنسبة للمتلقي، وهذا من المفاتيح التي تشير إلى أن الرواية تُكتب الآن وتُقرأ الآن، بينما بقيت الرواية مفتوحة النهاية لإفساح المجال لخيال كل متلقٍّ لاقتراح النهاية التي تناسبه بوصفه شريكاً فاعلاً في عملية التلقي.
وتكشف صالح أنها تشتغل على مخطوطة روائية تتناول ثيمة الموت، مستعينةً بالغرائبية أيضاً مع اختلاف الأسلوب والبناء الدرامي والمتن الحكائي.


يُذكر أن صالح صدر لها في النقد: “الخروج إلى الذات”، و”سرد الحياة”، و”المرجع وظلاله”، و”أبواب الذاكرة”، و”المسافة صفر” الذي فاز بجائزة ناصر الدين الأسد للدراسات النقدية (2016). ولها مجموعة من الإصدارات الموجهة للطفل وروايات لليافعين.
نالت العديد من الجوائز بالإضافة إلى جائزة كتارا للرواية العربية، منها جائزة الدولة الأردنية التشجيعية في الآداب (2017)، وجائزة أفضل كتاب عربي للطفل من مهرجان الشارقة القرائي للطفل (2013)، وجائزة النص المسرحي الموجَّه للطفل/ المرتبة الثالثة من الهيئة العربية للمسرح (2013)، وجائزة ناجي نعمان الأدبية (2013).
وهي عضو في الهيئة العلمية لجائزة أدب الأطفال –مؤسسة عبد الحميد شومان، واللجنة العليا لمكتبة الأسرة الأردنية (2018)، واللجنة الفنية لاختيار نصوص العروض في مهرجان مسرح الطفل الأردني (2018)، وهيئة تحرير مجلة “وسام” (2009-2011)، وهيئة تحرير مجلة “مدارج” (منذ 2017).