الحقيقة العارية

عادل محمود

أهم إنجازات “الكذب” أنه موجود في كل مكان، وأسوأ أخطاء “الحقيقة” أنها صدقته ذات يوم، فاختفت.
الرسام الفرنسي “جان ليون جيروم” رسم لوحة “الحقيقة العارية” سنة 1896 تجسيدًا لأسطورة شعبية تمثل الصراع بين الحقيقة والكذب.
تقول الأسطورة إن الحقيقة والكذب التقيا ذات يوم مشمس قرب بئر، فأقنعها أن يسبحا في المياه العذبة للبئر. فخلع الاثنان ملابسهما ونزلا إلى البئر، وبعد قليل خرج الكذب، وأخذ ثياب الحقيقة ولبسها، وعندما خرجت الحقيقة من البئر عارية وغاضبة جرت وراء الكذب لاسترداد ثيابها. فرآها الناس عارية وشتموها. ولم يكن أمام “الحقيقة العارية” سوى العودة إلى البئر والاختفاء إلى الأبد.
ومنذ ذلك اليوم يتبختر الكذب مرتديًا ثوب الحقيقة، ويسود مصطلح “الحقيقة العارية” وصفًا لوضوحها الساطع. أما الرسام فقد وجد ميتًا في شقته عام 1904 تحت اللوحة وهو يمد يده ويمسكها كأنه يودعها.

ـ 2 ـ

كشفت حركات الاحتجاج السوداء والبيضاء في أمريكا عن مسألة لم تكن معروفة، وهي وجود عدد من التماثيل لشخصيات أمريكية لعبت دورًا في مسألة الرق والعبودية، والحرب الأهلية… وقد حطم المتظاهرون عددًا من التماثيل، وصولاً إلى رأس كريستوفر كولومبس، مكتشف الأمريكتين، والمسؤول الأول عن إبادة السكان الأصليين من الهنود والزنوج.
من هنا، تتفاعل حركات الاحتجاج، مع ثقافة التفرقة العنصرية المضمرة في السلوك العنيف من قبل هذه الاحتجاجات وكذلك التصدي العنيف لها من قبل الشرطة.
هذه الأزمة، التي يشير اتجاهها إلى الحصول على اعتراف بضرورة إعادة النظر في السلوك العنصري الذي يهدد المجتمع الأمريكي بالانقسام. إعادة النظر في القيم التي تمجدها الديمقراطية الأمريكية، حيث وصلت العتبة النفسية إلى الحد الذي حطم فيه المتظاهرون تمثال الأب المؤسس لأمريكا، الرئيس جورج واشنطن. ولعل ذلك يؤشر إلى استباحة الرموز التي يحمّلها الوعي العام مسؤوليات تاريخ يجب إعادة قراءته على ضوء خطورة هذه اليقظة العنصرية.
فيما أفتش عن معلومات عن التماثيل التي جرى تحطيمها، اكتشفت أن التمثال الأضخم في العالم هو لجنكيزخان المنغولي الذي يمتلئ سجل حروبه بأكثر من خمسين مليون قتيل. تمثال بارتفاع 45 مترًا، ومصنوع من 250 طنًا من الفولاذ، وتكلف تشييده 3.7 مليون يورو.
أن التاريخ يفرط أحيانًا في تزيين صورة المنتصرين.