النظام الإقليمي العربي في مواجهة أربعة عقود عاصفة

د. صلاح أبونار –

ابتداء من 1978 دخل النظام الإقليمي العربي في مسار من العواصف المتتالية. عصفت تلك العواصف ببعض أهم الأسس التي تشكلت حوله منذ 1945، وغيرت من توازناته وأنماط تحالفاته تغيرات جذرية، وقلصت بدرجة كبيرة قدرته على مواجهة الأزمات الإقليمية، والأخطر أنها باتت تهدد باحتوائه من قبل نظام إقليمي شرق أوسطي، بعد أن ظل النظام الشرق أوسطي لعقود محض فرضية نظرية.
وتمنحنا التطورات الأخيرة للأزمة الليبية مؤشرا ساطعا على تلك التحولات. ففي الوقت الذي يتضخم فيه الدور التركي والروسي في تحديد مسارها، أصبح النظام الإقليمي العربي جزءا من تكوينها واستمرارها وليس سياقا لتوليد آليات تجاوزها.
يرتكز أي نظام إقليمي على ثلاث قواعد: تجاور جغرافي في موقع جيوبوليتيكي متميز لمجموعة من الدول، وشبكة متنوعة من الروابط الكثيفة المنظمة مؤسسيا والقابلة لإعادة الإنتاج والتي تتأسس بفعل تبادلاتها الداخلية وترتيباتها السياسية، ومستوى من الهياكل المؤسسية الدائمة القائمة على إدارة تبادلات النظام الداخلية وعلاقاته الخارجية.
ولقد تشكلت تلك المكونات الثلاثة داخل النظام الإقليمي العربي في سياق وحدة التراث التاريخي بما يحمله ويفرضه من درجة تماثلات حضارية وثقافية، ومواريث تاريخ سياسي جمع لقرون ممتدة الكثير من مناطق النظام في هياكل سياسية واحدة. ولكن الأهم ميلاد النظام في سياق ثلاثة تيارات تاريخية منحت وجودة قدرا عاليا من الضرورة: تيار القومية العربية، وتيار حركة التحرر الوطني العربي، وتيار الصراع بين الكتلتين الشرقية والغربية.
سعى التيار الأول لتأسيس وحدة عربية عبر مزيج من السياسات الرسمية والحركات القاعدية. وناضل الثاني لاستكمال مهام التحرر الوطني عبر مزيج من تحرير الإرادة السياسية الوطنية والتنمية الاقتصادية والدعم العربي المتبادل. بينما قام الثالث بوضع العالم العربي في سياق التنافس بين الكتلتين، وبالتالي دفعه لرد فعل يتراوح بين التحالفات الخارجية ومن ثم الانضواء في آليات الصراع الدولي، أو العمل من أجل بناء كتلة مستقلة عن الكتلتين ومن ثم السعي لبناء قوة إقليمية مستقلة. ولقد كان من شأن العوامل التكوينية السابقة أن تضفي على النظام الإقليمي العربي صفتين. عمق وتأصل الجذور والمرتكزات التكوينية وبالتالي قدرته على البقاء ومواجهة التحديات وتخطي الأزمات، وقوة النزعات الانقسامية داخله وبالتالي ارتفاع وتيرة الصراعات وضعف القدرة على التكامل والمأسسة وتخطي الأزمات.
يجمع المتخصصون على اعتبار تأسيس الجامعة العربية 1945 هو تاريخ تأسيس النظام الإقليمي العربي. وفى كل الأحوال نراهم يعتبرونه تاريخ ظهور الكيان المؤسسي الرئيسي للنظام العربي، ويرجعون البدايات السياسية الحركية للنظام إلى نشأة التيارات العروبية التي انطلقت من الشام في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر في وجه سياسات التتريك والجامعة الإسلامية العثمانية التي أطلقتها الأستانة. وخلال العقود الثلاثة التالية على التأسيس الرسمي للنظام العربي شهد أزمات متوالية، لكنها من حيث حدتها وتواليها والفترات الزمنية التي احتاجتها للتعافي منها، كانت أقل وطأة بمراحل من الأزمات التي اجتاحته منذ 1978.
انتظمت أزمات النظام خلال عقد الخمسينات حول نمطين متداخلين من الصراعات. نمط تولد عن سعى السياسة الأمريكية لدمج المنطقة في إطار الأحلاف الموجهة لاحتواء المعسكر الشرقي، ونمط تولد عبر تفاعل نزعات السياسة الخارجية المصرية المستقلة والصدامية وصعود تياري القومية العربية والتحرر الوطني. وخلال عقد الستينات انتظمت أزمات النظام من حول تفاعل الانقسام العربي الراديكالي- المحافظ، مع استقطابات الحرب الباردة الإقليمية وتحولات الصراع العربي- الإسرائيلي، وتجسدت عبر سلسلة من الأزمات المتوالية: انهيار الوحدة المصرية – السورية وحرب اليمن وحرب 1967. وسوف يتمكن النظام الإقليمي في مؤتمر الخرطوم 1967 من تجاوز مساحة من أزماته وتجميد أخرى، وسيتمكن من مواصلة هذا النجاح حتى حرب أكتوبر 1973، التي جسدت أقصى درجات قوة النظام الدولية وتماسكه الإقليمي على مدى تاريخه كله. ولكن ابتداء من عام 1976 دخل النظام الإقليمي في سلسلة من الأزمات المتوالية على امتداد العقود الأربعة التالية. ولقد شكّل التبني المصري لسياسات التفاوض والتصالح مع إسرائيل كما تبلور في اتفاقية كامب ديفيد 1978 أول هذه الأزمات، ثم تتالت في الحرب الأهلية اللبنانية 1975- 1990، والحرب العراقية – الإيرانية 1978 – 1990، وغزو العراق للكويت 1990، والغزو الأمريكي للعراق 2003، وفي النهاية أزمات عقد العشرينات العاصفة التي أطلقتها موجات الأحداث السياسية العاصفة انطلاقا من تونس 2010. وتوازت تلك الأزمات وتفاعلت مع تحولات وأحداث مهمة في السياقات الدولية والإقليمية: نشوء واستقرار سياسات الوفاق بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ومعها تهدئة الصراع الدولي بينهما بكل امتداداته الإقليمية على امتداد عقدي الثمانينات والتسعينات، والثورة الإيرانية 1979 وتداعياتها الإقليمية، وانهيار الاتحاد السوفييتي 1991 ومعه نهاية الحرب الباردة والاستقطاب الدولي، وهجمات 11 سبتمبر 2001، والغزو الأمريكي لأفغانستان أكتوبر2001 والذي تواصل حتى 2014، والغزو الأمريكي للعراق 2003، واستعادة موسكو لتماسكها السياسي ودورها الخارجي مع تولى بوتين السلطة عام 2000، وتحولات الدور السياسي الإقليمي لتركيا من 2003 مع صعود أردوغان.
ما الذي فعلته كل تلك الأزمات العربية والتحولات الإقليمية والدولية في النظام الإقليمي العربي؟
الأمر المؤكد أن رصد تحولات خصائص النظام العربي على مدى تلك العقود الأربعة المتوالية بأزماتها وصراعاتها، يشكل أمرا يتخطى حدود مقالة بهذا الحجم. وسيكون من الفائدة أن نركز على العقد الأخير. فهذا العقد يحمل معه تداعيات العقود السابقة من جهة، ونتائج عواصف عشرينات القرن الجديد من جهة أخرى.
تتبدى أزمة النظام الإقليمي في عدة أبعاد. يبدو البعد الأول في تراجع قوة الروابط القومية وتقدم قوة الروابط الأولية. تتقدم الروابط الأولية في أشكالها الدينية والمذهبية والعرقية والعشائرية والجهوية، وذلك مع تفكك قوة الدولة المركزية وتبنيها لسياسات تحفز تلك الروابط، وتراجع قوة السياسات الداخلية القادرة على بناء إجماع وطني، ونمو الأدوار الخارجية المحفزة لتلك الروابط والمراهنة على تحالفات معها. وينتج عن ذلك على المستوى الإقليمي، صعود وزن وتأثير التحالفات الإقليمية القائمة على ذات الروابط، وضيق المجال المناسب لبناء خطاب قومي عربي عام، وتراجع الوزن السياسي للقضايا العربية العامة القديمة التي كان النظام يتمحور عليها مثل القضية الفلسطينية، وتراجع وزن الدولة القومية كفاعل مركزي في النظام العربي.
ويبدو البعد الثاني في تغلغل القوى الشرق أوسطية غير العربية في بنية النظام العربي. كانت هذه القوى حاضرة وفاعلة في النظام طوال تاريخه، ولكنها كانت تفعل من خارجه وعبر تحالفات عارضة لا تمتلك شرعية سياسية، والآن نجدها فاعلة من داخل النظام نفسه عبر أشكال جديدة مثل الأدوار العسكرية، والتحول إلى سند سياسي أساسي لوجود نظم معينة، والتحول إلى جزء عضوي من التحالفات والتوازنات الإقليمية داخل النظام، والأخطر اكتساب أدوارها لشرعية الوجود السياسي. ويبدو ذلك واضحا في حالة إسرائيل وإيران وتركيا، أي الدول الثلاث التي كانت تجسد تمايز عضوية مفهوم النظام الشرق أوسطي عن النظام العربي، وفقط دونما باكستان.
ويبدو البعد الثالث في حالة السيولة السياسية للنظام. وتتبدى تلك السيولة في عدم الاستقرار السياسي لقطاع واسع من الدول، ودرجة انفتاحها العالية لتأثير الفاعلين الخارجيين، وتفكك المؤسسات المركزية بدرجة عالية في عدة دول بما يضعف من مقومات وأسس استقرارها، والتحولات المتواصلة في أنماط التحالفات الإقليمية والخارجية، والتغير المطرد والسريع في تكوين النخب السياسية وعلى عكس حالة الاستقرار المزمن القديمة. ومن شأن تلك السيولة السياسية القوية أن تضعف من إمكانية بناء الإجماع السياسي اللازم لإطلاق أدوار إقليمية قوية، وأن تشجع على اتخاذ قرارات مغامرة، وأن تفتح الأبواب على مصرعيها أمام التدفقات السياسية الخارجية.
ويبدو البعد الرابع في تراجع وزن القضايا المركزية التي تبلور النظام من حولها، ونعنى هنا القضية الفلسطينية وقضية الوحدة العربية. لو ركزنا على القضية الفلسطينية سنلاحظ تراجعها الحاد، سواء في أولويات النظم الحاكمة أو في الثقافة السياسية الشعبية أو في المعايير المقيدة لحدود السلوك السياسي الخارجي. طرحت صفقة القرن ولم يحدث أي رد فعل قوى من الحكومات أو النخب، وأعلنت إسرائيل ضمها لمرتفعات الجولان والضفة الغربية، بينما تسير علاقات التطبيع مع بعض الدول على قدم وساق.
ويبدو البعد الخامس في تراجع هامش المناورة وإمكانيات التحالفات الخارجية أمام قوى النظام الإقليمي. ولد النظام الإقليمي العربي كما قلنا في قلب سياقات حركة التحرر الوطني وتراجع السيطرة الاستعمارية المباشرة، ولكن الأهم أنه ولد في سياق الحرب الباردة وصعود قوى عدم الانحياز. ولقد منح هذا السياق للنظام العربي آفاقا للنمو وإمكانيات للمناورة وفرص للضغوط والمكاسب، ومن الصحيح إنه أوجد أيضا عمليات استقطاب داخل النظام شلت فعاليته وأججت صراعاته، لكن الأصح أن إيجابياته كانت من المنظور التاريخي أضخم من سلبياته. ومع نهاية الحرب الباردة وانفراد القوة الأمريكية بالعالم، تراجع إلى حد مؤسف مجال المناورة أمام النظام الإقليمي وأضحت قواه أكثر قابلية للتكيف مع الإرادة الأمريكية، وقلت قدرتها على المبادرة السياسية.