نوافذ:إقصاء الآخر

عبدالله بن سالم الشعيلي
Twitter:@ashouily
بدت كلمة “من ليس معنا فهو ضدنا” كتكريس واضح وفاضح لمبدأ وفلسفة الإقصاء التي ينتهجها ويمارسها طرف ضد الآخر، معلنة ذلك وبكل صراحة أن لا مجال لفتح آفاق من الحوار والتفاهم بين الطرفين ومقفلة باب الانصات والاستماع إلى الآخر أن لم يوافق أهواء وآراء وفلسفة الآخر، وهي تكرس أيضا لمبدأ إغلاق العقل بعدم تقبل أفكار الآخر وآراءه المبنية على حجج وبراهين يراها الآخر ذات جدوى في الحوار بين الطرفين.
نمارس الإقصاء في حياتنا كل ساعة، ابتداء من إقصاء الفكر وانتهاء بإقصاء ما لا يعجبنا من لون أو طعم، نتفنن في الإقصاء ونغالي فيه إلى حد عدم السماح بالاستماع أو المناقشة وإعطاء الفرصة للآخر لعرض وجهة نظره أو الاستماع إلى ما يقول، نصادر فكر الآخر وشخصه بمجرد أن يختلف معنا في حوار أو وجهة نظر أو حتى في اختلاف ملذات الحياة البسيطة كالتذوق أو الأكل أو الشرب أو البرودة أو الحرارة. نمارس أقبح إقصاءاتنا إن لم يوافقنا الآخر في جنسنا أو لوننا أو عقيدتنا أو فكرنا أو آراءنا التي يفترض أن نكون مختلفين فيها؛ لأن خالقنا أراد لنا أن نكون مختلفين كي يظهر جمال الكون وتنوعه.
زمنيًا، تاريخ الإقصاء ضارب في جذور حياتنا الإنسانية ومتأصل في البشرية منذ الخليقة فقد مارسه كما وصلنا من القصص القرآني ابني آدم عندما أقصى أحد الأخوين الآخر رافضا تقبل فكرة قبول قربانه من قبل الله مما دفعه إلى مصادرة روحه، ليستمر الإقصاء في الأرض بأوجه وصنوف شتى فتارة يكون الدين والمذهب هو ما يدفع للإقصاء والقتل وتارة يكون للعرق واللون نصيب أكبر للإقصاء والقتل، وفي أحيان كثيرة يكون الاختلاف في الفكر ووجهات النظر هو ما يدفع الناس إلى محاربة الآخر ومصادرة فكره وإقصائه بعدم تقبله أو تقبل فكره ومنطقه.
هل يمكن فهم الآخر واستيعابه من دون ممارسة سياسة الإقصاء بشتى صنوفها؟ سؤال قد نجد صعوبة في الإجابة عليه على الأقل في وقتنا الحاضر لأن شواهد الحاضر والماضي تشير إلى أن فلسفة الإقصاء تأخذ مناحي مختلفة في كل زمان ومكان فقد تكون إقصاءات الشرقي تختلف في مفهومها عن إقصاءات الغربي وإقصاءات الأبيض تختلف عن إقصاءات الأسود وإقصاءات المتدين تختلف عن إقصاءات غير المتدين أو العلماني وإقصاءات الأيدلوجي تختلف عن إقصاءات اللا أيدولوجي وإقصاء العالم يختلف عن إقصاء الجاهل، وقس عليها كل أصناف الإقصاءات والمصادرات والاتهامات، وما يبدو على السطح في عالمنا الذي نعيشه اليوم من أن سياسة إقصاء الآخر في ازدياد مطرد ونمو كبير فرقعتها تكبر وشوكتها تقوى، ويعاونها في ذلك خطابات سوداء مقيتة من جماعات باتت تمارس سلطان كلامها على الآخر فتطالب بإقصائه ونبذه والتبرئة منه، ويذهب المتطرفون من تلك الجماعات إلى ما هو أعمق من ذلك بطرد الآخر وقتله وتشريده وهذا ما يظهر على السطح بين فينة وأخرى من عرقيات وجماعات باتت تهدد السلم والوئام في عالمنا.
ليس من السهولة واليسر على الإنسان استيعاب الآخر وتقبله بكل ما فيه من تناقضات وبكل بساطة ويسر فقد تكون هذه سمة من سمات النفس البشرية التي جبلت عليها، غير أنه يمكن تسييس هذه النفس وتربيتها وتدريبها على تقبل الآخر والاستماع إليه والانصات إلى ما يقول بكل رحابة صدر، وبكل رجاحة عقل فكما أن الفرد بحاجة لأن يستمع إليه الآخر لا بد له هو أن يستمع إلى غيره وبكل رحابة صدر ورجاحة عقل وألا يحاول الإنسان بما أوتي من قوة أن يصادر الآخر، ويصادر فكره وكينونته الإنسانية وعليه أن يحترم ذات الآخر حتى وإن اختلف معه في الحوار لأن سمات الحوار المتمدن ألا تقصي الآخر حتى وإن اختلفت معه في الرأي.