لماذا تعجز الولايات المتحدة عن حمل إسرائيل على الانفصال عن الصين

على إسرائيل أن تختار: إما واشنطن أو بكين


جوشوا ميتنيك
ترجمة: أحمد شافعي

كانت رسالة وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو إلى الإسرائيليين في زيارته الأخيرة شديدة المباشرة: احذروا الصين.
وقال في حوار تليفزيوني إسرائيلي الشهر الماضي: إنه بعد سنوات من العلاقات التجارية المزدهرة بين إسرائيل والصين ومكافأة تمثلت في منح سلسلة من الموانئ ومشاريع النقل العملاقة لشركات بناء صينية، لا بد أن تنتبه إسرائيل لخطواتها أو تخاطر بالتعاون.
وقال: “إننا لا نريد أن يكون للحزب الشيوعي الصيني وصول إلى البنية الأساسية الإسرائيلية، وشبكات التواصل الإسرائيلية، ففي مثل هذا خطر على الشعب الإسرائيلي وعلى إمكانية تعاون الولايات المتحدة مع إسرائيل”.
بعد أسبوعين، وافقت الحكومة الإسرائيلية على مناقصة من مجموعة سي كيه هتشيسن من هونج كونج لإقامة محطة لتحلية مياه البحر بقيمة 1.5 بليون دولار.
لكن على الرغم من احترام التحذيرات الأمريكية، يبدو أن إسرائيل ماضية قدما في صفقات أخرى، الأمر الذي يبرز فجوة غير هينة في مواقف البلدين حيال تمثيل التبادل التجاري مع الصين خطرا أمنيا. وتزيد حرب واشنطن التجارية مع بكين من حدة التوتر.
قال مايكل أورين سفير إسرائيلي سابقا في واشنطن: إن “إسرائيل ترى في الصين فرصة. أما الولايات المتحدة فترى الصين تهديدا، بل تهديدا ثلاثي الشُعب، فهو استراتيجي وتجاري وتكنولوجي”.
الفرص بالنسبة لإسرائيل تتكاثر. فمن المتوقع أن تقدم شركات البناء الصينية مناقصات على مشاريع قادمة في البنية الأساسية في إسرائيل تتراوح بين سكك حديدية خفيفة وشبكات اتصال من الجيل الخامس. والرأسماليون المغامرون الصينيون يتطلعون إلى استثمار بلايين الدولارات في شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة في إسرائيل.
تقوم بالفعل مجموعة شنغهاي إنترناشونال بورت ببناء ميناء حاويات جديد في حيفا يعتقد بعض المسؤولين الأمريكيين أنه يمكن استعماله في التنصت على الأسطول الأمريكي السادس كلما أبحر بالقرب من القاعدة البحرية. وتقوم شركات صينية ببناء ميناء إسرائيلي آخر في أشدود، ومشروع سكك حديدية خفيفة في منطقة تل أبيب الكبرى سوف يمتد على مقربة بضع مئات الياردات من مقرات عسكرية إسرائيلية. في الوقت نفسه استثمرت شركات صينية نحو 400 مليون دولار في شركات ناشئة في إسرائيل في 2018 و243 مليون دولار في 2019 بحسب ما ذكرت آي في سي داتا آند انسايتس.
حتى الآن لم يزل تخوف إسرائيل من التهديدات الإستراتيجية أكثر اقتصارا على خصوم المنطقة، أو ما يعرف تحديدا بالهلال الشيعي الممتد عبر إيران وسوريا ولبنان. وبرغم أن الصين تدعم إيران، فإن بكين لم تعتبر قط عاملا في الشرق الأوسط يمكن أن يناهض مصالح الأمن الإسرائيلية.
قالت شيرا إفرون زميلة معهد دراسات الأمن الوطني في جامعة تل أبيب: إن “الصين لم تكن قط في تقديرات التهديدات الإسرائيلية مثل إيران. فالصين ليست من دول الجوار، وإسرائيل ليست قوة آسيوية” مضيفة أن “إسرائيل ليس لديها خبراء في الصين مزروعين في النظام مثلما الحال في الولايات المتحدة”.
وقع أول خلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل على العلاقات مع الصين قبل عقدين، حينما ضغطت واشنطن على إسرائيل لإلغاء صفقة بيع طائرات مراقبة فالكن لبكين.
وبرغم موافقة إسرائيل على التراجع، فإن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الرسمية إلى بكين في 2013 قد فتحت الباب أمام مزيد من التبادل التجاري. في العام نفسه أسهم البليونير لاي كايشينغ ـ من هونج كونج ـ بـ130 مليون دولار لمعهد تكنيون الإسرائيلي التكنولوجي الرائد في مقابل تعاون يتضمن حرما جامعيا مشتركا في مدينة شانتو التي يقطنها قرابة خمسة ملايين نسمة على بعد 230 ميل في شمال شرقي هونج كونج.
قال أورين “لقد كنا مشوشين في موقفنا [تجاه الصين بشأن الملكية الفكرية]. مقابل مائتي مليون دولار، تمكن الصينيون من الوصول إلى تكنيون”. ويتذكر السفير السابق مسؤولي إدارة أوباما الذين حذروا إسرائيل من منح عقد حيفا للصينيين.
“قالوا لنا، لو بنى الصينيون حيفا، فلن يسمحوا للأسطول السادل بالمجيء والزيارة”.
إقامة الميناء تمثل جزءا من مبادرة الحزام والطريق الصينية لإقامة شبكة من مشاريع البنية الأساسية على المستوى الدولي سوف ترسخ بكين في قنوات التجارة العالمية والتنمية الاقتصادية.
خلافا لكثير من البلاد النامية التي شاركت بكين في مشاريع الحزام والطريق، لا تحصل إسرائيل على قروض من الصين للمساعدة في تمويل المشاريع فتتحاشى بذلك مصيدة الديون التي تقع فيها بلاد أخرى. لكن الشركات الصينية مشهورة بأسعارها المنافسة في مشاريع البنية الأساسية والانتهاء منها في المواعيد المحددة، بما يجعل من الصعب رفض مناقصاتها (برغم أنه في حالة مناقصة محطة تحلية المياه الأخير أصر مسؤولون إسرائيليون على أن عطاء إسرائيليا كان أقل).
بضغط من الولايات المتحدة أعلنت إسرائيل العام الماضي أنها سوف تشكل لجنة إشراف لمراقبة الاستثمار الأجنبي في الشركات المدنية، شبيهة بلجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة المشكلة من وكالات مختلفة.
لكن مراقبة الاستثمار الأجنبي في شركات التكنولوجيا الناشئة الإسرائيلية غير مدرج ضمن تفويض اللجنة. وهذا القرار يعكس نهج إسرائيل الكلي في الموضوع: التبادل التجاري الواسع مع الصين كلما أمكن والتساهل مع المطالب الأمريكية كلما لزم الأمر.
قال إسحق شيخور أستاذ العلوم السياسية الإسرائيلي في الجامعة العبرية الذي كان في بكين سنة 1992 عندما أقامت إسرائيل والصين علاقات دبلوماسية: إن وعد إسرائيل للولايات المتحدة بعدم بيع معدات عسكرية للصين يشكل في ذاته تنازلا يضير بالعلاقات التجارية. وقال: إنه يجب على إسرائيل أن تقنع الولايات المتحدة بأن الصين لا تمثل تهديدا استراتيجيا.
قال: “إن الصين بالنسبة لإسرائيل مهمة للغاية اقتصاديا. وقد فتحت الباب لإسرائيل من أجل إقامة علاقات مع بلاد آسيوية أخرى. وفي رأيي، يمكن أن تقدم إسرائيل جسرا ما بين الصين والولايات المتحدة”.
لكن في ظل الحرب التجارية الأمريكية الصينية التي تهدد بتحويل التجارة العالمية إلى كتلتين اقتصاديتين متنافستين، سوف تزداد المناورة بينهما صعوبة على إسرائيل.
تظل الولايات المتحدة الشريك التجاري والإسراتيجي الأساسي لإسرائيل. لكن نتانياهو يسعى منذ سنين إلى تنويع الروابط التجارية إلى ما يتجاوز الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي الذين يشكلان معا ثلثي التجارة الأجنبية لإسرائيل.
قال ديفيد روزنبرج الكاتب الاقتصادي والمحرر في هاآرتس: “لقد درجت العادة على أن بوسعك العمل مع أي أحد. فلم تكن الولايات المتحدة تكترث أو الصين. لكن يبدو جليا أن هناك حربا باردة فعلية في المشهد العالمي. والأمر أشبه بما كان عليه في زمن الحرب الباردة، حين لم يكن يمكنك أن تصادق روسيا وتصادق أمريكا، بل كان عليك الانحياز لجانب”.
وبرغم أن مشاريع البنية الأساسية الإسرائيلية الصينية هي التي تتصدر العناوين ـ ورأى خبراء أنها تجعل إسرائيل عرضة لهجمات سيبرية من الصين ـ يعتقد آخرون أن الاستثمار الصيني في التنكنولوجيا الإسرائيلية يمثل سببا أدعى للقلق. والولايات المتحدة تسعى باطراد إلى منع الصين من الوصول إلى الابتكارات السيبرية والذكاء الاصطناعي وتقنيات الصحة الرقمية.
قال دانيال شابيرو سفير الولايات المتحدة السابق لدى إسرائيل: إن “هذه سوف تكون سمة جديدة ممتدة للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية. إسرائيل تتكيف مع العلاقة التنافسية الاستراتيجية، فيما تحاول المحافظة على الشراكة الوثيقة والانتفاع بالفرص مع الصين”.
قال إفرون: إن إسرائيل بحاجة إلى أن تتبني سياسة أكثر شمولية لمعالجة كل من حساسيات الولايات المتحدة واعتبارات أمن إسرائيل الوطني. وسوف تحسن صنعا إنْ نظرت إلى حلفاء الولايات المتحدة مثل كندا وأستراليا اللتين شددتا من نظم الإشراف على الاستثمار الأجنبي فيهما.
قالت إفرون: “من وجهة نظر الولايات المتحدة، أنت تحاول منع الصين من الوصول إلى أنواع معينة من التكنولوجيا. لكن الصين تحاول الحصول عليها من حلفائك الذين يتصادف أن لديهم تقنيات متقدمة. فهي تغلق الباب لكنها تترك الشبابيك مفتوحة”.
“المشكلة أن إسرائيل لفترة طويلة كانت تقول : “حسن، بما أننا لم نفعل أي شيء مع الصين شبيه بالدفاع أو بالاستعمال المزدوج، فنحن في المنطقة الآمنة”. لكن ذلك تغير بسبب طبيعة التنافس بين الولايات المتحدة والصين أوسع كثيرا.
في حال تعرضها للضغط، مؤكد أن إسرائيل سوف تعلي علاقتها مع الولايات المتحدة على صلاتها التجارية مع الصين. فإسرائيل تحصل على مساعدات عسكرية ببلايين الدولارات كل سنة، ويشترك الحليفان في مصالح واسعة استراتيجية وسياسية وثقافية.
والأهم من ذلك، أن المحللين يعتقدون أن بوسع إسرائيل في نهاية المطاف أن ترى الصين تهديدا في المنطقة، مثلما تنظر الولايات المتحدة إلى الصين في كثير من مناطق العالم. فالجيش الصيني له حضور بالفعل في فم البحر الأحمر بدولة جيبوتي في القرن الأفريقي. كما أنها حاضرة للقيام بدور في الفراغ السياسي في سوريا.
قال أورين “إننا لا نرى الصين تهديدا ـ حتى الآن” واستدرك قائلا: إن ذلك قد يتغير في غضون عشر سنوات.

* التقرير مترجم عن فورين بوليسي