براد بيت يقتل “هتلر” وتوم كروز يفشل في ذلك

مقاربة سينمائية لفلمي “أوغاد مجهولون” و”فالكيري” لماذا نجح الأول وفشل الآخر

كتب: ماجد الندابي

تناولت الأفلام السينمائية الهوليودية منها والعالمية شخصية أدوف هتلر من زوايا مختلفة وبطرق معالجة سينمائية متنوعة، فكتب لبعضها القبول والنجاح في حين لم يلق البعض منها رواجا وقبولا لدى المشاهدين.
فكيف ينجح فيلم يعالج موضوعا معينا في حين يفشل الآخر في معالجة ذلك الموضوع على الرغم من تقارب الإمكانات في ما يتعلق بالتكلفة الإنتاجية، أو نجومية الممثلين المشتركين في العمل أو طاقم العمل، أو حتى في الفترة الزمنية التي أطلقت فيها تلك الأفلام.
نحن اليوم نناقش فيلمين لأبرز نجوم هوليود الفيلم الأول هو فيلم “فالكيري” الذي أنتج عام 2008 من بطولة توم كروز، والفيلم الآخر هو فيلم “أوغاد مجهولون” الذي أنتج عام 2009 من بطولة براد بيت.
وبلغة الأرقام فإن فيلم “فالكيري” كانت تكلفته الإنتاجية 90 مليون دولار أمريكي، في حين ان الفيلم الناجح “أوغاد مجهولون” لم تتجاوز تكلفته الإنتاجية 70 مليون دولار، وفي صعيد ردود الأفعال والإيرادات والجوائز، فإن فيلم “فالكيري” لم يرقى الأفلام العشرة الأكثر تحقيقا للإيرادات في شباك التذاكر الأمريكية أثناء إطلاقه، وتلقى انتقادات واسعة من قبل النقاد العالميين، ولم يحقق رواجا وشهرة بين المتابعين، وبلغت عائداته المالية الإجمالية، 200 مليون دولار أمريكي، في حين ان الفيلم الأقل تكلفة وهو فيلم “أوغاد مجهولون” الذي بلعت تكلفته 70 مليون فإنه تصدر شباك التذاكر الأمريكية لعدة أسابيع، وبلغت عائداته المالية 321 مليون دولار، وحضي بإشادات من قبل النقاد، حيث تنافس على السعفة الذهبية أثناء إطلاقه في مهرجان كان السينمائي، وحصل على 8 ترشيحات لجائزة الأوسكار وفاز بإحداها وهي أفضل ممثل مساعد، وكذلك فاز بجائزة جولن جلوب.
ولعل أبرز تلك الأسباب تعود إلى سناريو الفيلمين، فلو نظرنا إلى فيلم فالكيري، فإنه لم يخرج عن الرواية التاريخية لهذا الحدث وهو محاولة اغتيال هتلر على يد مجموعة من الضباط الألمان فالفيلم مبني على قصة حقيقية، وتمت معالجة مشاهدة وفق ما ترويه كتب التاريخ وكانه أقرب إلى فيلم وثائقي، لم يجهد كاتب السيناريو نفسه في رصد زوايا أخرى تعين المخرج في ابتكار احداث موازية للحدث الرئيسي لكي لا يتحول هذا العمل السينمائي الفني إلى عمل توثيقي لحادثة ليست المفردة في عصر هتلر، فكما اشتهر هتلر بأنه يمتلك موهبة النجاة من الموت، وذلك لكثرة محاولة الاغتيال والقتل التي نجى منها بأعجوبة.


أما الفيلم الثاني وهو “أوغاد مجهولون” فقد استغرق كتابة السيناريو فيه 9 سنوات، ولذلك جاء ممتلئا بالأحداث الفرعية الممزوجة بنسج محكم مع الحدثين الرئيسيين اللذان يجتمعان في الأخير لتنفيذ مهمة واحدة وهي اغتيال هتلر.
فالسيناريو هو العمود الفقري الذي يقوم عليه الفيلم ويتحرك من خلاله، فالرواية التاريخية لفيلم فالكيري كانت نهايتها واقعية وهي أن عملية الاغتيال كانت فاشلة، أما في فيلم براد بيت “اوغاد مجهولون” فالسيناريو استطاع أن يخالف الرواية التاريخية، وأن تكون مهمة فرقة “الأوغاد المجهولون” ناجحة في اغتيال هتلر.
وفيلم أوغاد مجهولون امتاز عن سابقه بأنه ابتكر أحداثا فرعية مليئة بالمشاعر والتي تجعل المشاهد يستسيغ العنف الذي يجسده الفيلم ضد الجيش النازي، فقد جسد العنف والوحشية التي يقوم بها الجنود الألمان البحث عن اليهود واصطيادهم في فرنسا من خلال الاعدامات الجماعية، وكذلك جسد العنف المضاد التي تقوم بها فرقة مكونة من 8 أشخاص من اليهود يقومون بقتل النازيين بطريقة وحشية باستخدام مضرب البيسبول والشفرات الحادة، ومزج تلك المشاهد العنيفة باللقطات الطريفة، وهذا ما كان يتقصده المخرج المشهور كوينتن تارانتينو الذي يغلب على أفلامه هذا النوع من العنف، هذا المزيج الصعب من العنف والكوميديا جعل هذا الفيلم يجسد التناقضات التي كانت حاصلة في تلك المرجلة، والإشكالات الجدلية في الأحداث والشخوص، فهتلر بذاته شخصية جدلية متناقضة، فبالإضافة إلى أنه رجل صارم متعطش للدماء والقتل والانتقام، فهو أيضا رجل محب للفن والموسيقى، فتجده يعشق موسيقى الملحن الألماني فاغنر، وكذلك قام الجنود الألمان بسرقة الكثير من اللوحات الفنية العالمية.

أما عن شخصية هتلر في الفيلمين فنجد أنها متباينة كليا، ففيلم فالكيري، يجسدها بأنها شخصيه صارمة وهادئة، وذات طابع عسكري بحت، في حين ان فيلم أوغاد مجهولون قام بتجسيدها بطريقة كوميدية، وشخصية مهزوزة ومهزومة وخائفة مما تقوم به هذه الفرقة المكونة من هؤلاء الأشخاص الثمانية.
الأمر الأخر الذي بمكن أن يمثل تفوقا في الفيلم هو وجود شخصية موازية للبطل ولكنها تخدم معسكر النازيين وهي شخصية وهي شخصية الضابط الألماني الحاد الذكاء والمتخصص في اقتناص اليهود التي جسدها الممثل النمساوي الأصل كريستوف فالتز والتي حصل من خلال تجسيده على هذه الشخصية على جائزة الأوسكار كأفضل ممثل مساعد في هذا الفيلم، هذه الشخصية كانت في الفيلم تتميز بالحوارات الفلسفية، وبالذكاء في إدارة الحوارات والوصول إلى نتائج غاية في الذكاء، وهذا يجعل الفيلم متوازنا من حيث قوة الشخصيات التي تمثل كل معسكر، وهي شخصية موازية للشخصية الرئيسية التي يمثلها براد بيت. كما أن هنالك شخصيات مساعدة أخرى في الفيلم كان لها دور في تحريك الأحداث منها تلك الفتاة التي هربت من المجزرة التي راحت ضحيتها كل أفراد عائلتها، لتعود لتأسس دار عرض سينمائي تهدف من خلاله إلى استقطاب الجنود الألمان ومنهم هتلر ليقعوا في فخ الاغتيال.
وفي المجمل نستطيع القول أن عملية الاغتيال الفاشلة أدت إلى فيلم كان أقرب إلى الفشل، وعملية الاغتيال الناجحة استطاعت ان تنتج فيلما ناجحا، وذلك لأنه في الفن السينمائي إذا تناولت قضية تاريخية، لا تقوم باستعراضها من خلال فيلم تاريخي، وإنا تستطيع أن تكسر الوقائع الغير مختلف فيها، من خلال أداتك الفنية، وتبني أحداثا خاصة بفنك يتقبلها المشاهد وهو يعلم يقينا أنها غير واقعية، فهذا هو جوهر الفن.