الصوافي: فقهاء الإسلام مطالبون بالاجتهاد في ضوء الكتاب والسنة وبما يتناسب مع روح العصر

لتجدد حاجات الناس وتجدد النوازل –
العمل على توفير الوسائل التي تغني المسلم بالحلال عن الحرام والابتكار في المنتجات والأدوات –
أجرى اللقاء: سيف بن سالم الفضيلي –

«مع تجدد النوازل والأحداث في حياة الناس ما تستدعي من فقهاء الإسلام أن يكونوا مندمجين مع الحدث بحيث يوفرون من الوسائل ما يغني المسلم بالحلال عن الحرام وان يكون هنالك ابتكار في المنتجات وفي الأدوات وأن يجتهدوا اجتهادًا معاصرًا في ضوء الكتاب والسنة بما يتناسب مع روح هذا العصر» مما أكد عليه فضيلة الشيخ إبراهيم بن ناصر الصوافي أمين فتوى بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية في لقائنا معه حول (الاقتصاد الإسلامي).
وقال فضيلته: إن الاقتصاد الإسلامي يستطيع أن يبتكر حلولا لأنماط الحـياة الإسلامية كونه من عند الله عز و جل. وأشار الصوافي إلى أنه بظهور الحسابات البنكية ظهر الاجتهاد الفقهي الجديد الذي يقول (التسجيل في الحساب يقوم مقام القبض الحقيقي).. وإلى تفاصيل أكثر.

■ ما هي الحاجة للابتكار في الاقتصاد الإسلامي؟ وما هي آثاره على نمط الحياة الإسلامي؟

حياة الناس متجددة وتتجدد حاجاتهم بتجدد النوازل والأحداث التي تقع لهم، وزماننا هذا كما هو مشاهد يشهد طفرة كبيرة في التقنيات ووسائل اتصال وفي تلاقي الشرق مع الغرب وسهولة انتقال السلع والبضائع والمال وفي ظهور صور كبيرة من متاجرة ومن وسائل كسب المال كل هذه تستدعي من فقهاء الإسلام أن يكونوا مندمجين مع الحدث بحيث يوفرون من الوسائل ما يغني المسلم بالحلال عن الحرام وأن يكون هنالك ابتكار في المنتجات وفي الأدوات وأن يجتهدوا اجتهادا معاصرا في ضوء الكتاب والسنة بما يتناسب مع روح هذا العصر.

■ وهل يستطيع الاقتصاد الإسلامي بنمطه المحدد بمعايير أخلاقية ودينية ومقاصدية، أن يبتكر حلولا لأنماط الحياة الإسلامية؟
قطعًا يستطيع لأنه من عند الله عز وجل العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء سواء هذا الشيء وقع في الماضي أو المستقبل ومما يميز الاقتصاد الإسلامي أنه قائم على قواعد عامة كلية، وليس قائما على صور معينة ينتهي الفقه بانتهائها ولذلك ما من قرن من القرون ظهر واستجدت فيه أمور إلا واستطاع العلماء أن يضعوا الحلول المناسبة للناس ولو نظرنا إلى عصرنا هذا لحصلنا أن الفقه الإسلامي حصل فيه تجديد فعلى سبيل المثال كان الفقه الإسلامي القديم يقول: (إن صرف الأوراق النقدية أو صرف العملة يكون يدًا بيد بالأمر المحسوس)، الآن لما تطورت حياة الناس وظهر ما يعرف بالحسابات البنكية، ظهر الاجتهاد الفقهي الجديد الذي يقول: (إن التسجيل في الحساب يقوم مقام القبض الحقيقي) فهذه صورة من صور الحيوية الموجودة في الفقه الإسلامي والذي تجعله قادرًا على التكيف مع أحوال الناس من غير أن يخل بجانب أخلاقي أو قيمي أو يخرج عن الأحكام المقررة في الكتاب أو السنة.

■ ما الشواهد على ابتكارات إسلامية تواكب تطور الحياة، وتوازي ثوابت النمط الإسلامي، وما هي فرصة توسيع التجربة وآلية التطبيق في مختلف الدول الإسلامية وغيرها؟
الابتكار موجود في الفقه الإسلامي في كل جوانب الحياة ولا يقتصر على الاقتصاد سواء كان فيما يتعلق بالسياسة وفيما يتعلق بالأطعمة ما يتعلق بقضايا الأسرة والمجتمع فكل قضية تظهر في أي جانب من الجوانب ينبري لها الفقهاء ومما ساعد على ذلك ظهور المجامع الفقهية التي تضم لفيفا من أهل العلم المتخصصين وتكتب بحوث ودراسات في ذلك، وقد يستعان بأهل الاختصاص كأن يستعان بالأطباء أو الفلكيين أو علماء التغذية حتى يتصور الفقيه المسألة تصورًا جيدًا قبل أن يضع لها الحلول ولذلك ظهرت اجتهادات جديدة كما يعرف بنقل الأعضاء وحكمه في الشريعة والتلقيح الصناعي أو أطفال الأنابيب والأطعمة المصنعة وكذلك الاستعانة بالمناظير وبالوسائل الفلكية في معرفة الأهلة أو ما يعرف بالاستمطار الاصطناعي وقائمة طويلة الحوادث التي انبرى لها الفقه الإسلامي ووضع لها الحلول المناسبة في ظل القواعد الشرعية.

■ فضيلتكم لو تعطونا نماذج لبعض صور الابتكار في القطاع الاقتصادي المعاصر؟
كما ذكرت في الجواب السابق من صور الابتكار والاجتهاد الجديد أن جعل التسجيل في الحساب البنكي يقوم مقام القبض الحقيقي للنقود وهذا لم يكن موجودًا من قبل، كذلك ظهرت منتجات حديثة لم تكن موجودة في الفقه الإسلامي كالإجارة المنتهية بالتمليك وصورتها أن يؤجره عينا أو سلعة لمدة كذا وكذا فإذا انقضت المدة ملكه إياها بعد هذه المدة، وظهر أيضًا ما يعرف بالمشاركة المتناقصة حيث يدخلان شريكان ثم ينسحب أحدهما شيئًا فشيئًا حتى يخرج من المشروع وأيضًا مفهوم المال في الإسلام اتسع مع اتساع صور المال خاصة فيما يتعلق بالأمور المعنوية التي اكسبها الإسلام صفة المال كحقوق التأليف الابتكار والعلامة التجارية والسجل التجاري ومسمى الشهرة ونحو ذلك من الأشياء التي لم يكن لها قيمة في السابق أو لم يكن يعتنى بها لكن لما اعتني بها في هذا العهد الحديث كان الفقه الإسلامي قادرًا على أن يكيفها وفق القواعد الشرعية وان ينزل عليها الحكم المناسب وفق أحكام الله عز وجل.

■ هل هناك تحديات تواجه الابتكارات الاقتصادية الإسلامية؟ وهل لكم أن تجملوها لنا؟
توجد مجموعة من المعوقات أو التحديات أهمها وأشدها وأخطرها هو أن الاقتصاد المعاصر قائم على النظام الرأسمالي الربوي الذي لا يقيم وزنًا للأحكام وللظلم الذي يقع على طائفة كبيرة من المجتمع ولذلك فالناس يعانون الآن من الآثار السلبية للنظام المالي الرأسمالي والنظام الرأسمالي دخل إلى كل البلاد فلم تسلم منه دولة من الدول بما في ذلك الدول الإسلامية فلذلك وجد المسلم عنت في التكيف مع هذا الواقع الاقتصادي مع وجود أحكام شرعية تضبط حياته ومع ذلك ورغم هذا المعوق الكبير لم يقف العلماء المعاصرون مكتوفي الأيدي بل حاولوا أن يخففوا الضغط على الناس وأن يوجدوا المصارف الإسلامية التي تكون بديلًا مؤقتًا حتى يتحسن حال المسلمين وتستطيع هذه البنوك أن تقدم التمويلات والاستثمارات بما يعين المسلم على أن يحتفظ بالحد الأدنى من الأحكام الشرعية ولا يقع في الحرام المحض، فهذا هو أكبر تحدٍ.
من التحديات أيضا أن الفقيه يحتاج إلى أن يكون مسايرا لعصره ومستجدات العصر تتطور باليوم ولا أقول بالأشهر وبالسنوات ومعنى ذلك فلا بد للفقيه أن يكون على اطلاع واسع وأن يتابع معطيات الحياة ومستجداتها في كامل مستجدات الحياة وهذا يكون عبئًا ومسؤوليةً أكبر على الفقيه، لكن لا بد له من ذلك إذا أراد أن يضع الحكم الشرعي المناسب لان الحكم على الشيء فرع عن تصوره وهذا لا يعني أن يكون الفقيه محيطًا بتفاصيل القضايا التي هي خارج تخصصه من حيث الأصل وإنما المراد أن يكون عنده اطلاع عام وان يرجع كلما أراد أن يجتهد إلى أهل الاختصاص ليأخذ التصور المناسب حتى يضع له الحكم الشرعي المناسب كذلك.

دراسة موضوعية

■ أحدهم قال: (دين الإسلام أيسر من كثيرٍ مما تقوله كتب الفقهاء لكن يظن الكثير أن الإمامة في الدين طريقها التشدد في الأحكام)، ما رأي فضيلتكم في هذا القول؟
لا يحق لنا أن نلمز العلماء السابقين بالتشدد فإننا إن لمزناهم بذلك فإنهم سيلمزوننا بالتساهل الشديد وإنما هم اخلصوا واجتهدوا، فاجتهاداتهم محل احترام وتقدير ولا بد أن ندرسها دراسة موضوعية في ظل القواعد الشرعية فما ترجح لدينا منهم أخذنا به ولا يعد ذلك تشددًا؛ لأنه في نظرنا هو الموافق للكتاب والسنة وما وجدناه مخالفا للكتاب والسنة أو لم نجد ما يؤيده من الكتاب والسنة تركناه واجتهدنا اجتهادًا جديدًا وفق القواعد الشرعية من غير أن نسفّه أو أن نهاجم من سبقنا فإن العلماء السابقين لهم فضل السبق وقد قعدوا القواعد وكثير من الاجتهادات المعاصرة في الحقيقة هي مبنية على اجتهادات العلماء السابقين، فالاجتهادات السابقة فتحت لنا الباب وسهلت علينا الاجتهاد الجديد ولا ينبغي أن نقع أو نسلط نظرنا على الأخطاء أو على الأمور السلبية التي قد يكون وقع فيها بعض الفقهاء فالمسلم هو الذي يستمع القول ويتبع أحسنه كما أمر القرآن الكريم فنقرأ كتب الفقهاء ونتعمق فيها وندرسها وتكون أذهاننا وجوارحنا حاضرة ونحلل تلك الأقوال ونأخذ منها ما كان موافقًا لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والقواعد الشرعية.

عقود الفيديك

■ هناك ما يسمى بـ«عقود الفيديك» وهي مجموعة نماذج لعقود إنشائية هندسية تهدف إلى ضبط العلاقة بين صاحب عمل أو من يقوم مقامه، ومن يقومون بتنفيذ هذا العقد، لإنجاز مشروع تتعدد عناصر الإنشاء فيه بحيث يتم تسليمه جاهزًا للاستعمال فيما أُعد له.. هل لكم أن توضحوا جواز مثل هذه العقود وما هي أحكامها وضوابطها الشرعية؟
يقوم الطالب سيف الجهوري وهو طالب في قسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية بإعداد دراسة عن هذه العقود (عقود الفيديك) وهو كما ذكر وكما ذكرت في السؤال عقد معقد مركب فيه جزئيات كثيرة فإذا أراد الفقيه أن يضع له الحكم الشرعي المناسب لا بد أن يقسمه إلى أجزاء بحيث ينظر في كل علاقة بين اثنين ويدرسها ثم يدرس صورة العلاقة الأخرى وهكذا وهكذا حتى يكمل دراسة كل حالة ثم ينظر إليها بعد ذلك مرة أخرى نظرة مجتمعة بحيث ينظر هل هذا التركيب له أثر في تغيير الأحكام التي توصل إليها عندما فك العلاقة بينها ويسير وفق القواعد المقررة من نحو لا ضرر ولا ضرار ومن نحو (تحريم الغرر – الربا – الغش – الاستغلال – عدم ترتيب الآثار على العقود)؛ فهي مجموعة قواعد شرعية يعلمها الفقيه وعليه أن ينزلها في كل جزء من هذا المركب المجموعي من العقود ثم -كما قلت- ينظر إليها نظرة مجتمعة لكي يرى هذا التركيب يؤثر في تغيير الحكم أو لا يؤثر.