الطلب على النفط لم يتعافى بَعد؟

جوليان لي – بلومبيرج
ترجمة: قاسم مكي
أمور النفط تبدو طيبة بحيث يصعب تصديق أنها كذلك. في أوائل هذا الشهر اتخذ اجتماع أوبك وحلفائها قرارا في وقت قياسي بتمديد أجل التخفيضات الكبيرة في إنتاج النفط والتي أوقفت الإنحدار المثير في أسعاره. ليس ذلك فقط بل وافق أعضاء مجموعة”أوبك زائد” على الإلتزام بها. كان التوقيت مثاليا. فالإتفاق سيحول دون إغراق السوق بالنفط مما يتيح وقتا للطلب كي يتعافي مع استئناف الإقتصادات حول العالم لنشاطها بعد الإغلاقات القاسية التي تسبب فيها تفشي فيروس كورونا. رغما عن ذلك لم تتعافى الأسعار حتى الآن على نحو ما كان يأمل المتفائلون. نعم يبدوأن ثمة إعادة توازن للعرض والطلب في الأفق. لكن الإستهلاك لم يتسارع حسب المأمول. فالتحسن الذي رفع سعر نفط غرب تكساس المتوسط لفترة قصيرة إلى أعلى من 40 دولارا للبرميل في الأسبوع الأول من هذا الشهر تلاشى مع حلول واقع التعايش مع الفيروس محل فورة الحماس التي أشعلها الخروج من حالة الإغلاق. لقد صار واضحا حول العالم أن استئناف العمل واللهو سيتوقف. ففي الولايات المتحدة هنالك الآن مخاوف من أن عودة الإصابات بكوفيد-19 في بعض الأماكن قد يجبر السلطات على فرض الإغلاقات مرة اخرى. وتكشف بيانات أسبوعية جديدة عن مستويات قياسية لحجم المخزونات النفطية الأمريكية. لم يكن من المفترض أن تكون الأمور كذلك. فتخفيضات الإنتاج كان القصد منها الشروع في تجفيف المخزونات. كما كان من المتوقع أن تؤدي إعادة فتح المتاجر والمصانع ومؤسسات الأعمال إلى تعزيز الطلب على النفط. بدلا عن ذلك يبدو أن الأمور تسير في الإتجاه المعاكس. دعونا نبدأ بإلقاء نظرة واسعة على المشهد؟ تبدو توقعات إدارة الطاقة الأمريكية حول مستقبل الطلب العالمي على النفط أكثر تشاؤما. فهي تشير،حسب نشرة أصدرتها أوائل هذا الشهر، إلى أن الطلب سيظل أقل بحوالى 4.5 مليون برميل في اليوم أو 4.5% تقريبا من آخر مستوى له في الربع الأخير من العام الماضي. وهذا يساوي ضعف حجم الخسارة في الطلب التي تكهَّنَت بها في الشهر الماضي. بتحديد أكثر، في الولايات المتحدة يتعثر تعافي الطلب على النفط من الدمار الذي لحق به في أبريل. فشحنات كل انواع الوقود من مستودعات التخزين لاتزال أقل بحوالى 20% من مستوياتها قبل عام، محسوبة على أساس متوسط أربعة أشهر. لقد توقف التحسُّن الذي شهده الطلب على وقود السيارات بعد عودة بعض الناس إلى العمل لأنهم تحاشوا استخدام وسائل النقل العام. وظل منخفضا بحوالى 20% على أساس سنوي. ولايزال الطلب على وقود الطائرات متدنيا باكثر من 60%في حين يستمر هبوط الطلب على زيوت الوقود ووقود الديزل. ويمكن أن يقود تجدد الإغلاقات، إذا شهدنا موجة ثانية من الإصابات بكوفيد – 19، إلى تراجع سريع للتعافي في الطلب. الآن دعونا نلقي نظرة على النقل والذي يستهلك في مجموعه 56% من استخدامات النفط على نطاق العالم. بالتأكيد لايوجد مؤشر على عودة سريعة للطلب إلى مستواه السابق في قطاع الطيران الذي شهد أكبر إنهيار مع إغلاق الحدود ووقف رحلات نقل المسافرين. وعلى الرغم من أن الرحلات التجارية على نطاق العالم التي يرصدها “رادار حركة الطيران 24” زادت بنسبة 54% من أدنى مستوى لها في منتصف ابريل إلا أنها لاتزال دون مستوياتها في أوائل يناير بأكثر من 60%. وفي حين بدأت بعض شركات الطيران في إعادة تنشيط خطوطها الجوية إلا أن الفتح الكامل للحدود سيحتاج إلى أسبوعين على الأقل. وفي بريطانيا من المرجح أن تضع متطلبات الحجر الصحي للركاب القادمين من الخارج قيوداعلى شغل المقاعد المتاحة. من جانب آخر، يتزايد استخدام السيارات الخاصة مع اتجاه الناس إلى التقيد بالتباعد الجسدي. لكن هذا يحدث في أوضاع انخفاض حاد جدا في التنقُّل. ومع التخفيف من القيود على حركة الناس ترحب شركات عديدة بعودة نسبة قليلة فقط من موظفيها إلى المكاتب تقيُّدا بإجراءات التباعد الإجتماعي. ويواصل العديدون من الناس العمل من البيت إذا أمكنهم ذلك . هذا يعني ارتفاعا محدودا جدا في معدل قيادة السيارات كما يتضح في الإحصاءات المستمدة من مؤشر حركة المرور “توم توم”. وحتى في الصين التي فاقت حركة السيارات في بعض أجزائها مستوياتها السابقة للجائحة يظل الزحام المروري هناك محدودا زمانيا ومكانيا. حقا صارت الطرق في المدن الصينية أكثر أزدحاما أثناء ساعات الذروة . لكن حركة المرور هادئة في غير تلك الأوقات ونهاية الأسبوع والإجازات مما يدل على أن الأمور لم تعد تماما حتى الآن إلى وضعها العادي. في البلدان الأخرى في آسيا الصورة “بَين بَين”. فبيانات الحركة المرورية في اليابان وتايوان تظهر أن الزحام على الطرق لم يخفَّ أبدا على النحو الذي حدث في أماكن أخرى. والطرق في تايبي مزدحمة بنفس مستوى ازدحامها العام الماضي. هذا في حين قل الزحام في طوكيو بنسبة 40% تقريبا. لكن الطرق هادئة في كوالا لامبور وسنغافورة ومانيلا حيث بدأت السيارات الآن فقط في العودة إلى الشوارع. أما أوروبا فينعكس خروجها من إغلاقات الإقتصاد في الإرتفاع البطىء لمستويات الزحام على شوارع مدنها. لايزال الوقت الذي يستهلكه الناس في الإنتقال من وإلى مقر العمل في ذروة الفترة الصباحية في لندن وميلان أقل بحوالي 65% في المتوسط مقارنة بالعام الماضي. لكن في أوائل أبريل كان أقل بنسبة 90% تقريبا. لقد بدأ التعافي. لكن غالبا ما سيكون التحسن بطيئا مع إختيار العديدين الإستمرار في العمل من البيت من تلقاء أنفسهم أو بطلب من مخدميهم. وربما سيكون شح المواقف في المدن الأوروبية عائقا أمام ازدياد استخدام السيارات كما في الصين. لاتزال الولايات المتحدة متخلفة كثيرا عن الرَّكب. ففي نيويورك وسان فرانسيسكو ازدحام الطرق أقل بنسبة 80% من مستوياته قبل عام للأسبوع السادس على التوالي. بالنسبة لأولئك الذين يأملون في تَعَافٍ سريعِ للطلب على النفط وإرتفاع أسعاره لاتبدو البيانات مشجعة جدا حتى الآن. ولايزال الوقت مبكرا قبل العودة إلى ما يشبه الوضع العادي.