سيف الخروصي ترجلت عن دنياك وبقيت شمائلك

سالم بن سعيد الشهومي
تمر على المرء في حياته كثير من المواقف بين حزن وأسى وسعادة وسرور، وهذا طبع الدنيا لا تبقى على رتم واحد أبدا، بل إن بؤسها ونكدها أكثر من أفراحها ومباهجها، فهي إن كست أوكست وإن حلت أوحلت. والإنسان خلقه الله وأسكنه في هذه الأرض وقد هيأه ليكابد هذه الحياة (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وأكثر ما يعانيه الإنسان في هذه الحياة فقد الأحبة وفراقهم، فحين يغيب الموت عزيزا عليك فكأنك تفتقد عضوا من أعضائك، تظلم الدنيا عليك ويخيم الحزن حتى ليسيطر على مشاعرك وقواك، والناس كما يقال معادن وأقفال مقفلة لا تعرف حقيقتها وقيمتها الا عند الشدائد وأحيانا لا تعي أهميتها ومكانتها الابعد فراقها. وحين يغيب الموت رجلا مثل الشيخ سيف بن ناصر الخروصي فإننا نفتقد قامة عاليه نفتقد السماحة واللطف، فهو كما عرفناه لا يبارى ولا يضاهى في الإخلاص ولا في الوفاء، تميز بسمات الرعيل الأول من الرجال لم تشغله الدنيا بمباهجها ولا الفتن بأضوائها، ديدنه البساطة في كل شيء والتواضع الجم لكل حي، وقد وظف شعره ونثره خدمة للدين وللناس أجمعين، وبوفاته نفتقد شجرة وارفة الظلال يانعة الثمار، كم استظل بظلها المتعبون وتغذى بثمارها الآكلون. كان رحمه الله كثيرا ما يردد على لسانه “وكل الذي فوق التراب تراب” مستشعرا هذا اليوم الذي سيغادر فيه هذه الحياة الفانية مقللا من شأنها مؤمنا بأنها ليست الا قنطرة للآخرة.
هذه سنة الحياة فكلنا إلى فناء والموت طريق كل حي “كل ابن انثى وإن طالت سلامته .. يوما على آلة حدباء محمول”.
وقبل ان نفتقد سيف الخروصي يفتقده مصحفه ومحرابه تفتقده دفاتره ومحابره، وإن يترجل عن صهوة هذه الدنيا فإنه يتجه برصيده الباذخ سيرة وعطاء ليجاور من سبقه من المتقين في جنة عرضها السموات والأرضين، ولا نزكي على الله أحدا، فقد ترجل عن دنياه وبقيت شمائله.
رحم الله تلك النفس الطاهرة التي تركت بين الناس الذكر الحسن، فكل من عرفه وسمه بسمة الفضيلة والورع ممزوجة بالكرم والسخاء، ولا نقول الا كما يقول الصابرون “إنا لله وإنا اليه راجعون”، تغمده الله برضوانه ورحمته وجعل شهادة الخلائق في ميزان حسناته يوم لا ينفع الا العمل الصالح ونسـأل الله ان يبارك في عقبه، والحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.