مرحلة ما بعد انتهاء مفعول التحفيز

لا يزال فيروس كورونا الجديد في حالة من النشاط تحول دون أي استرخاء على صعيد المواجهة الصحية الشاملة، لكن الواضح أن كل الدول تقريبا، قد قررت، ولدوافع متشابهة أحيانا ومخالفة في أخرى، فتح اقتصادها وإعادة النشاط الإنتاجي والخدمي ومعه الحركة في الداخل أو إلى الخارج، إلى طبيعتها بالتدريج، وبسرعات متفاوتة. لا مجال لأن نناقش هنا صحة أو عدم صحة ما تم اتخاذه من إجراءات للعودة إلى النشاط فلذلك مسار آخر، لكن ما أشير إليه، وفي ضوء ما برز من تساؤلات خلال الأيام الماضية بشأن محفزات النمو الدولتية، أي التي قامت بها الدولة، وقرب انتهاء مفعول الكثير منها، هو التفكير الهادئ في الجانب الصعب من المرحلة المقبلة، الجانب الذي يشبه تمرينات ما بعد عملية جراحية خطيرة لمريض كان قد فقد نصف وزنه، ولا يزال على حال واضح من الهزال والإرهاق. من حسن الحظ توجد كتابات مفيدة في هذا الخصوص، بالولايات المتحدة الأمريكية، آخرها كان في بزفيد نيوز” يوم ١٠ يونيو، تقول إن أمريكا ستكون أمام أوقات عصيبة عند نهاية يوليو المقبل، لأن ما تم إقراره من إعانات بأشكال مختلفة ضمن حزم التحفيز، سينتهى بنهاية يوليو أو أغسطس، وهو يشمل شيكات نقدية للأسر، وإعفاءات من الإيجار، أو من أقساط التمويل العقاري، أو من دفعات قروض الطلبة. أو من مصاريف عمليات السحب والإيداع والتحويلات المختلفة الخ، وأنه عند الانتهاء ستجد أسر لا حصر لها، نفسها عاجزة عن العيش أو مهددة بفقد مسكنها، أو سداد أي مدفوعات مؤجلة الخ، أخذا في الاعتبار أن من المؤكد أن من تم الاستغناء عنهم في العمل، لن يعودوا كلهم، بسبب قيود العودة، ومنهم نسبة لن تعود نهائيا، حتى لو عاد النمو الاقتصادي إلى طبيعته، فأصحاب الأعمال اكتشفوا خلال الجائحة احتياجاتهم الحقيقية من العمالة، وفرصا أخرى للحصول على نفس العمل بوسيلة مختلفة كالتعهيد، أو إمكانيات لم تكن ظاهرة لاستخدام الرقمنة أو الاستعانة بعمالة غير منتظمة إلى غير ذلك.
إذا أنزلنا تلك السيناريوهات إلى الواقع العربي، سنجد ما يمكن أن يكون مزعجا أيضا، فوزارات المالية والبنوك المركزية قد قدمت الكثير للقطاعات الاقتصادية المختلفة والشركات المتوسطة والصغيرة والأفراد، وكل ذلك كان ينطوى على قدر من التحويلات بدون مقابل، ومعظمه في صورة تأجيل للأعباء، وبالتالي سيبدأ عهد سداد الالتزامات المؤجلة من ضرائب وقروض وأقساط تأمينية وغيرها قريبا، ومعه أجواء ليست طبيعية اقتصاديا رغم كل شيء، داخليا أو خارجيا، فالإنفاق الاستهلاكي لن يعود إلى ما كان عليه بسهولة، ولا التصدير، ولا النقل والسياحة، وبالتأكيد لن يكون ممكنا الحديث عن حزم تحفيز جديدة فالماليات العامة تئن، والديون الحكومية تنذر بخطر محدق / وديون الشركات /، من قبل كورونا، فما بالنا بها الآن؟.
كل ذلك يقتضي حوارا معمقا حوله وتعاملا حاسما وهادئا في نفس الوقت، كي لا تهتز الأسواق من جديد. ولن يكون بالمستطاع المرور من تلك الفترة بسلاسة من غير قيام منظمات الأعمال المعبر عن القطاع الخاص ذاتها، بواجبه، في مناقشة الأعضاء في تحديات فترة التعايش واستعادة التعافي، وإيجاد حلول ذاتية إلى حد كبير لها، وأكرر على ذاتية حيث أن أوضاع المالية العامة لا تحتمل كما أشرت. إن أفضل ما يمكن عمله في فترة كتلك هو تسهيل الأعمال بأقوى وتيرة ممكنة، من دون التنازل باليقين عن حقوق الدولة والمجتمع والأجيال والبيئة، وهذا لعمري أمر ممكن جدا. إن تيسير دورة الأعمال بخاصة للمشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر وتبسيط تعاملاتها مع الجهاز الحكومي، وتيسير التراخيص والضرائب والاشتراطات، من شأنه إطلاق زخم تنموي كامن يمكن أن تكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية ضخمة، وبلا أي أعباء على الدولة.
النقطة الأخرى وتقع في الجانب الحكومي، وقلما يلتفت إليها المحللون وربما حتى الحكوميين أنفسهم، هي مراجعة سجل الضمانات الحكومية المقدمة لأطراف خارجية نظير إقراض شركات أو هيئات حكومية أو تقديم تسهيلات لها.
أصبح تقديم إفصاحات من وزارات المالية عن الضمانات القائمة التي قدمتها الخزانة العامة، أحد المتطلبات الأساسية لبيان مستوى المخاطر في الدول. يتضمن الأمر إظهار حجم الضمانات أو صافي الضمانات، داخليا وخارجيا
ومستوى كل منهما قياسا إلى الناتج المحلي، وإلى أي الجهات تم تقديمها، وعدد قضايا التحكيم المرفوعة على الدولة، مما يخص قروض أو عقود مضمونة من الحكومة، والمبالغ التي من المحتمل يتم سدادها كتعويضات مقابل أحكام صدرت بالفعل أو عمليات تسوية ودية، ويتعين متابعة ذلك شهريا.
وتقديم تقارير منتظمة إلى البرلمانات عن هذا الأمر. توجب الأوقات الحالية على الحكومات أن تتأكد جيدا وبنفسها، وقبل وبعد أي تقييم خارجي، من سلامة مؤشرات الضمانات ومراجعة الجهات المقترضة بشكل أكاد أقول يومي للتعرف على جاهزيتها لسداد الالتزامات، ومساعدتها على تقوية مركزها وملاءمتها في هذا الشأن. إذا تطلب الأمر ذلك، حتى لا تقع الفأس في الرأس. ويزيد من أهمية وتعقيد موضوع الضمانات أن البنوك المركزية في الكثير من البلاد، قدمت هي الأخرى ضمانات قروض بمبالغ ضخمة إلى شركات مختارة كوسيلة لمساندتها على امتصاص صدمات كوفيد ١٩ وتخطيها. ضمانات القروض آلية أفضل وأكثر فاعلية من تقديم تمويل ميسر للجميع كما يقول الاقتصاديون، لكن المحصلة أن عبئها، أي الضمانات، يقع على الخزانة العامة في النهاية حال تحقق المخاطر أو درجة منها وأيا كانت الشركة المضمونة عامة أو خاصة.
انتهى من كل ذلك إلى أن تقييم الضمانات ليس هدفه تجنب مخاطر تلوح في أفق معظم الدول بلا مبالغة فقط، ولكن أيضا التهيؤ لتقديم المزيد منها داخليا بالذات وحيث وضح للكافة الضرورة القصوى للتشدد في أي اقتراض خارجي. سيتعين تقديم ضمانات محسوبة لمؤسسات وشركات بعينها، تجعل البنوك تقرضها باطمئنان، ويتم اختيارها عبر دراسات معمقة لقياس الجدوى، على الجهة المضمونة وعلى الاقتصاد بشكل عام، وحيث تعد الضمانات هي أقل الأساليب تكلفة في الوقت الراهن وهي تناسب بشكل معقول أوضاع المالية العامة.