حَجْرٌ داخل حَجْر

عبدالرزّاق الربيعي
عندما حَصَرنا ” كورونا” في زاوية ضيّقة، وأدخلنا منازلنا التي لها في “القلوب منازل”، فارضا علينا الحجْر، أملى علينا الظرف القيام بحركة معاكسة في الاتّجاه للخروج من تلك الزاوية إلى ما هو أبعد، فبحثنا عن بدائل لكسره، دون أن نغادرها، البعض منّا وجد ضالّته في القراءة، والكتابة، ومواصلة العمل، والدراسة عن بعد، والآخر وجده في مزاولة أعمال منزليّة يدويّة، ومن ذلك قامت مطربة شهيرة بنشر في حسابها بـ” سناب شات” مقطعا تشرح به طريقتها في عمل “السلطة”، فكانت تلك فرصة ذهبية لسماع صوتها، دون موسيقى سوى موسيقى الطنجرة، وصحون المطبخ! البعض أكثر من التواجد في مواقع التواصل الاجتماعي، فسجّل حضورا غير مسبوق، ودخل في نقاشات، ومعمعات، وفي الأحوال كلّها قام بتنشيط حساباته، فيما أمضى البعض الآخر وقته في تنمية مواهب، وممارسة هوايات، لم تكن ضغوطات العمل تتيح له فرصة لمزاولتها، فحاول الاستفادة من وقته، بأيّ شكل من الأشكال، وسوى ذلك، هناك مَنْ ظلّ يسبح في دوّامة الفراغ، فأمضى الحجْر في حجْر آخر أشدّ، وأقسى!! إنّ المشكلة التي واجهت الكثيرين، تتركّز في أنّهم لم يهيئوا أنفسهم لوضع طارئ كهذا، لذا شعروا بالتيه، في الأيام، والأسابيع الأولى، ويوما بعد آخر استوعبوا الدرس، فتعاملوا مع الظرف بروح إيجابيّة، مستثمرين وقتهم، فأنجزوا مشاريع، كانت مركونة على طاولة التأجيل، لكنّ أكثر المستفيدين من وقتهم، وخبراتهم خلال هذا الظرف، هم الذين تمرّسوا في التعاطي مع التطوّر التكنولوجي، فالعمل، والدراسة عن بعد تحتاج إلى معرفة، ولو بسيطة بالتقنيات، والبرامج الإلكترونية، وقد برزت الحاجة كثيرا لمعرفة هذه التقنيات بعد الحجر المنزلي، واستغربتُ تذمّرنا أيّام الدراسة الجامعيّة، عندما فرضت علينا دراسة مادة “الحاسبات الإلكترونية+” في مطلع الثمانينيات، يومها تساءلنا عن علاقة طلبة يدرسون علوم اللغة العربيّة، وآدابها في كليّة الآداب، بمادة علميّة تتعلّق ببرامج، وأرقام ليست لنا علاقة بها، كما كنّا نظنّ!! ولم نكن نمتلك تلك النظرة المستقبليّة التي تجعلنا نرى أنّ التقدّم التكنولوجي جاء ليشمل مجالات الحياة، كي يجعلها تسير بشكل أسهل، وأجمل! واليوم، عضضنا أصابع الندم، بعد تفشّي فايروس( كورونا)، وتعدادنا الحسنات الكثيرة التي أثقلت ميزان التطوّر التكنولوجي، والتقني، فقرّبت مَنْ حَكَمَت الضرورة، والسلامة العامّة أن يكون بعيدا عنا، حتّى لو كان يعيش معنا في بيت واحد!! فصارت بمثابة رئات إضافيّة نتنفّس من خلالها، ونحن نغلق الباب جيّدا بوجه “فايروس” جاء مستهدفا رئاتنا، فكان الحلّ مجسّدا في الجلسات التفاعليّة التي تعتمد البث المباشر (أون لاين)، مستفيدين من وسائل التواصل الاجتماعي، فمثّلت لنا تلك المواقع، والبرامج كمّامات إلكترونية وقائيّة، جعلتنا نتحاور مع بعضنا البعض بدون محاذير، ولا كمّامات، وقفّازات، ومواد مطهّرة، ومعقّمة، لأنّها وفّرت مناخ التواصل عن بعد، فحضرنا ندوات، ومحاضرات، وحلقات عمل، وجلسات شعريّة. لقد وَضَعنا الحجر المنزلي أمام الأمر الواقع، فإذا كان عدم تمرّسنا في التعاطي مع التقنيّات الحديثة، نوعًا من القصور، قبل “كورونا” فخلالها أصبح ذلك من العيوب التي تجعلنا ندخل في حجْر آخر!! وهذا العيب شمل حتى بعض الدارسين للتقنيات، فالواقع التطبيقي يختلف عن النظري، وقبل خوض هذه التجربة، لم يكن معظمنا مطّلعا عليها، لأنّنا ببساطة لم نكن نحتاج إليها، و”الحاجة أمّ الاختراع”كما يُقال، لذا حاولنا من خلال أصدقاء متخصّصين الحصول على تلك المعلومات، وسارعوا إلى تقديم المساعدة، عن بعد، فاستطعنا معرفة بعض الأمور الضروريّة. ويمكنكم تخيّل صعوبة موقف أستاذ أكاديمي أفنى عمره في التدريس، وكتابة البحوث، أمام طلّابه، حين لا يستطيع تدبّر أمره في التواصل معهم، عبر هذه البرامج، فتكشف تلك البرامج لهم جهله!! لذا ينبغي الانتباه إلى هذا الأمر الذي لا يحتاج إلى جهد كبير، ويمكن تطوير هذا الجانب بالاستفادة من أصحاب الخبرات، والقيام ببثّ تجريبي، ومعرفة كيفية استخدام البرامج، والتعاطي مع الخيارات الموجودة، وتضبيط الصورة، والصوت، والإضاءة، تجنبا لحدوث إشكاليات فنيّة، لكي لا نجد أنفسنا في حجْر داخل حجْر.