تشريح محمود درويش

عادل محمود
إذا أردنا اتخاذ قرار يخص أحد موتانا الأعزاء، نستشيره. نعم نستشيره “من خلال معرفتنا به وطريقة تفكيره وحبنا له”. وهو سيدلنا على حيثيات القرارالمناسب. أسوأ ما فعله الشاعر سليم بركات هو أنه لم يستشر الشاعر محمود درويش عما إذا كان يسمح بأن ينشر سرا من أسراره التي يزعم بركات أنه خصه بها: درويش أب لبنت من امرأة متزوجة وتحت سقف الحياة الزوجية. درويش يخجل من أن يقال عنه ما قيل وتؤلف عنه قصة “وطبعاً لا نعرف الحقيقة إلا من ادعاءات سليم بركات” والقصة لا تشبه محمود.
فهو شخص خجول ويتجنب، بصورة شبه مرضية، الخوض في مفردات حياته الخاصة. ولدى محمود عشرات الأسباب التي تجعله يتجنب هذه الحكاية. محمود الشاعر، ومحمود الأيقونة الفلسطينية، ومحمود الإنسان المسؤول لا يناسبه هذا الروب “دو شامبر” في مخدع رجل متزوج تحبل من محمود وتنجب منه طفلة موجودة الآن في الحيز السري والفضائحي العلني المبتذل والمنفر. السؤال: ما أهمية إثارة هذا الموضوع الآن؟ وما هو الدافع الغريب لدى سليم بركات لتشويه صورة محمود درويش؟ إن الجموع المتراصة وراء القيم الدينية، ذات البعد الأخلاقي في فلسطين، والتي تحب محمود، لن يسعدها سماع هذه القصة، وسوف تغيب صورة “الشاعر”، لتحل محلها صورة “الأزعر”. وفي النتيجة هذا تحطيم لأيقونة ثقافية شعرية مكرسة في الوجدان بنظافتها.
وأحد مؤسسي الوطن المعنوي للفلسطينيين . سيأتي من يقول: يبقى الشاعر، وتذهب الفضيحة. لكن ما هي القيمة العليا للبوح بأسرار من هذا العيار الثقيل اجتماعياً وأخلاقياً وفي حالة درويش: وطنياً؟ سليم بركات صنيعة محمود درويش، هذا ما يعرفه الجميع. وسليم بركات يعرف أيضاً أن محمود درويش ليس مسحوراً به، كما يبدو للآخرين. وثمة أسرار في هذا الموضوع. ومرة سئل عن رأيه بشعراء الجنوب اللبناني فقال: تجربتهم مهمة. وعدّد أسماء من شعراء الجنوب بينهم سليم بركات. فقالوا: هذا ليس من الجنوب، قال متخلصاً ومداعباً: أقصد من جنوب تركيا.
سليم بحاجة إلى عرس، أو مأتم، أو تذكار، أو ضجة، أو وليمة أو حفاوات؛ فأذاع السر الوحيد الذي من المؤكد أن محمود درويش ستغضبه، إلى حد الازدراء ، إذاعته. طبعاً مع التشكيك في القصة بالاستناد إلى تراتبية الأصدقاء المقربين الذين يبوح لهم محمود بأسراره. وبالطبع ليس عيبا ألا يكون سليم بركات من بينهم. يجب النظر إلى فكرة العضلات عند سليم بركات. فهو يلبس في عز الشتاء “بروتيل” لإبراز عضلاته، التي يقال إنه استخدمها، عدة مرات، في حسم بعض النقاشات. أنا كنت متأكداً يوم وفاة محمود، أن لحظة النبش قد بدأت، والنبش بالوقائع، غير التوثيق بالتاريخ . شيء محزن.