مصانع إعادة تدوير البطاريات تعاني «منافسة غير عادلة» تدفعها للإفلاس

من قبل مخالفين غير ملتزمين بالشروط البيئية

كتبت – رحمة الكلبانية
رصدت «عمان» خلال الفترة الماضية قيام بعض الورش في المناطق الصناعية بشراء بطاريات الرصاص وفتحها بطرق تقليدية وسكب الحمض الموجود بها على الأرض لاستخلاص مادة الرصاص الموجود بها عن طريق الحرق، في ظل غياب أدنى معايير الصحة والسلامة والضوابط البيئية.

إمكانيات مهدرة

وعليه أجرت «عمان» مجموعة من المقابلات لتقصي الآثار البيئية والاقتصادية الناتجة عن هذه الممارسات، والتي من أهمها قيام السلطنة باستيراد ما يقارب 5000 طن سنويًا من الرصاص التي من الممكن تأمينها محليًا عوضًا عن تصديرها من قبل تلك الورش. ويقوم أصحاب تلك الورش بشراء البطاريات منتهية الصلاحية ومن ثم يقومون بفتحها بطرق تقليدية وسكب الحمض الموجود بها على الأرض ومن ثم استخلاص مادة الرصاص الموجودة بها عن طريق الحرق، ويتم كل ذلك في ظل غياب أدنى معايير الصحة والسلامة والضوابط البيئية، وهذه العادة منتشرة في أغلب محافظات وولايات السلطنة وتتم ممارستها من قبل القوى العاملة الوافدة غير الماهرة.

آثار بيئية وصحية

وتعتبر بطاريات الرصاص من النفايات الخطرة بموجب القرار الوزاري (18/‏ 93) والواجب التعامل معها بطريقة سليمة ومستدامة للحد من المخاطر التي تتسبب في تأثير سلبي في الدماغ والجهاز العصبي وتلف الكلى وخصوصا عند الأطفال إضافة لإضراره للبيئة العمانية والغطاء النباتي والتربة نتيجة التخلص من حمض الكبريت الممزوج بالرصاص البالغ كميته 5000 طن سنويا ضمن البيئة العمانية نتيجة الممارسات غير القانونية في التعامل مع بطاريات حمض الرصاص حيث تخرج المناطق الملوثة من الاستثمار نهائيا بالإضافة إلى أن الرصاص عنصر تراكمي سامٌ وينتقل عن طريق تناول الخضار أو الحيوانات التي سبق وتعرضت للتلوث.

إمكانيات مهدرة

ووفقًا لدراسة أجرتها شركة العربية للرصاص، ومقرها منطقة الرسيل الصناعية: يبلغ عدد السيارات المسجلة في السلطنة حوالي 1400000 سيارة بالإضافة إلى المركبات الثقيلة والبطاريات المستخدمة في الطاقة البديلة والتي بدأت السلطنة بالتوسع في استخدامها وكذلك أجهزة ضمان عدم انقطاع التيار الكهربائي، وعليه تبلغ كمية البطاريات التالفة المولدة سنويا 20000 طن. مما يعني سهولة توفير حاجة السلطنة من الرصاص وعدم الحاجة للاستيراد.

منافسة غير منصفة

ونتيجةً للمنافسة غير العادلة التي تتعرض لها مصانع الرصاص في السلطنة، لم تتمكن الشركة العربية للرصاص من تأمين إكثر من 1000 طن من المواد الأولية وهي تشكل نسبة بسيطة من الطاقة الإنتاجية للشركة البالغة 5000 طن سنويا، مما أدى إلى تراكم الخسائر بالرغم من تعاونها مع الشركة العمانية القابضة لخدمات البيئة «بيئة».
ويرى طارق الوهيبي، أحد العاملين بالشركة أن السبب في ذلك يكمن في عدم التزام الجهات والمؤسسات بتطبيق القوانين النافذة بالتعامل مع البطاريات المستنفذة كخردة بدلا من تصنيفها الفعلي كنفايات خطرة وعدم تطبيق القانون في ما يخص التخلص من حمض الكبريت بطريقة سليمة ورميه ضمن البيئة العمانية أدى إلى عدم قدرة الشركة على الاستمرار في منافسة شركات غير المرخصة ولا تلتزم بالقانون.
وأضاف الوهيبي: نظرًا للكلفة العالية اللازمة لمعالجة حمض الرصاص (والتي تمتلك شركتنا إمكانية معالجتها وإعادة استخدام المياه الناتجة عنها)، وبموجب اتفاقية بازل التي وقعت عليها السلطنة والتي تنص على أن هذا النوع من البطاريات يعد من النفايات الخطرة التي يمنع تصديرها إطلاقا في حال وجود منشأة معالجة ضمن البلد الموقع على الاتفاقية، فقد فشلت الجهود الرامية لإيقاف التعامل غير القانوني لهذه النفايات الخطرة بسبب عدم قدرة الشركة (نتيجة التزامها بتطبيق المواصفات القياسية للبيئة العمانية) على منافسة مؤسسات تفتقر لأبسط القواعد البيئية والتي تقوم بالتعامل مع البطاريات التالفة بطريقة غير قانونية.

على أبواب الإفلاس


طارق الوهيبي


وأشار طارق الوهيبي إلى أن مصنع الرصاص التابع للشركة العربية للرصاص يستطيع إعادة تدوير 7 آلاف طن بطاريات خلال وردية واحدة، والتي يمكن من خلالها إنتاج 3500 طن من الرصاص، ولكن بسبب المنافسة وعدم وجود مخزون كافٍ فإن الشركة لا تستطيع العمل كل يوم أو إنتاج أكثر من 20% من طاقتها الإنتاجية الفعلية، حيث إنها تتبع آليات جمع وفرز وإعادة تدوير محترفة ومراعية للشروط البيئية، حيث تقوم عبر آلية متخصصة بجمع البطاريات بالتعاون مع شركات عمانية صغيرة، كما يحتوي المصنع على آلة لتكسير وفرز البطاريات بطريقة آمنة وبتكلفة 5 ملايين دولار بالإضافة إلى وحدة معالجة المياه والهواء لمنع أي تسريبات ضارة.
ويقول الوهيبي: إن السبب الوحيد لاستمرار المصنع حتى الآن هو الدعم الذي يتلقاه من مجموعة من الجهات الداعمة، والتي من أهمها: وزارة البلديات التي انتبهت للمشكلة وأصدرت تعميما بالتعاون مع شركة بيئة بتسجيل المحلات، ووزارة الدفاع التي منعت بيع البطاريات المستعملة عن طريق المزادات وطلبوا تسليمها إلينا مباشرة، في حين قامت شركة النفط العمانية بدعمنا ومراقبة مدى التزامنا بالشروط البيئية وكذلك وزارة النفط وعدد من الشركات الأخرى.

إدارة البطاريات

وبعد قيام شركة «بيئة» بدراسة الوضع الحالي ومدى انتشار هذه الظاهرة وتأثيراتها الضارة على الإنسان والبيئة، قامت شركة بيئة بوضع خطة إدارة لبطاريات حمض الرصاص بالتعاون مع الجهات الحكومية ذات العلاقة والشركات المحلية القائمة على إعادة تدوير هذه البطاريات بتكنولوجيا علمية آمنة و ذات معايير عالمية تحتوي وتعالج الانبعاثات الخطيرة التي تنتج عن عمليات إعادة التدوير وتنتج قيمة اقتصادية مضافة للسلطنة، ويكمن دور شركة بيئة أيضا في التواصل مع منتجي ومجمعي البطاريات المنتهية الصلاحية وتنظيم عملية إرسالها إلى مرافق إعادة التدوير المعتمدة داخل السلطنة. كما تقوم بيئة بتكثيف حملات التوعية على أصحاب الورش والقوى العاملة الوافدة حول أضرار الممارسات البدائية وتأثيراتها الضارة على البيئة والإنسان للمساهمة في الحد من انتشار هذه الظاهرة.
وقالت الشركة: إن تحقيق ذلك لن يكتمل من غير تكاتف الجهود والمساهمة في التخلص الآمن لبطاريات حمض الرصاص عبر المجمعين المعتمدين ومراكز إعادة التدوير المخصصة والمعتمدة من قبل الشركة.

حلول قيد التنفيذ


سامي الساحب


وأكد سامي بن سالم الساحب، مدير عام الصناعة في تصريحات لـ«عمان» على اهتمام وزارة التجارة والصناعة بالقضية حيث قال: نحن على اطلاع على المشاكل التي تواجهها المصانع ليس فقط على صعيد البطاريات ولكن أيضًا بالنسبة للحديد ومشكلة عدم توفر المواد الخام، والتي هي في الأساس موجودة لكن يتم تصديرها دون الاستفادة منها. وبصفتنا مشرفين على القطاع الصناعي فقد قمنا بعقد عدة اجتماعات مع المصانع المتضررة منها الشركة العربية للرصاص للوقوف على المشكلة وتقدير قيمة الاستثمارات ومقدار الضرر الذي تتعرض له.

قرار وزاري منظم

ولحل التحدي الذي تواجهه شركات إعادة التدوير، قال الساحب: نقوم في الوقت الحالي وبالتنسيق مع وزارة البيئة وشركة بيئة وإدارة الجمارك بإعداد لائحة خاصة تنظم عملية إدارة المخلفات وتصديرها وتفرض عقوبات على المخالفين، وقد وصلنا إلى مرحلة متقدمة في إعدادها حيث إن مسودة القرار جاهزة وتمت مناقشتها.
وسيركز القرار – وفقًا لمدير عام الصناعة بوزارة التجارة والصناعة – على منع تصدير بعض المخلفات في حال وجود مصانع محلية يمكن أن تستفيد منها، على أن يتم تصدير باقي المخلفات حتى لا تكدس وتشكل عبئا على البيئة العمانية. بالإضافة إلى فرض رسوم على التصدير.
وأضاف الساحب: اهتمامنا بالمنشآت الصناعية يأتي بهدف تنميتها وتشجيع فتح المزيد منها لدعم الاقتصاد الوطني وتشغيل المزيد من العمانيين.