ترامب في مواجهة تحدي تحلل الإجماع السياسي المؤسسي

د. صلاح أبونار –

مع تواصل التحركات الاحتجاجية الواسعة التي انطلقت في أعقاب مصرع جورج فلويد، يجد الرئيس الأمريكي ترامب نفسه في مواجهة أكثر من مأزق. ومن أخطر هذه المآزق أن تجد السلطة نفسها عاجزة عن مواجهة احتجاجات سلمية متواصلة وآخذة في الاتساع المطرد عبر مؤسسات فرض القانون المدنية، بينما تفتقد للإجماع داخلها حول شرعية استخدام مؤسسات فرض القانون غير المدنية. ولا يبدو أن الأمر مجرد احتمال نظري، فمقدماته حاضرة الآن بالفعل وفي حضورها تثير مناقشات سياسية جديرة بالاهتمام.
تواصلت الاحتجاجات في اليوم التالي على مصرع فلويد، وفي تواصلها حملت معها صفتين متفاوتي الأهمية والجذرية. تمثلت الأولى الأكثر بروزا ولكن الأقل جذرية وانتشارًا، في أعمال العنف والسلب التي مارستها قلة من المتظاهرين في بعض المواقع.
وتبدو الثانية الأقل بروزا ولكن الأكثر جذرية، في نمط تحركات الفئات الأوسع المشاركة في الاحتجاجات وتركيبتها الاجتماعية، الذي يعزز كونها ليست مجرد رد فعل صاخب عابر على حادث شديد القسوة والاستفزاز، بل تحركات طويلة الأمد تحمل معها ميلا للتوسع الجغرافي والاجتماعي ونزعة لبناء هياكل إدارة ثابتة ومتطورة.
وكان البعد الأول هو الذي احتل واجهة الخطاب الرسمي للبيت الأبيض، ولكن خلف تلك الواجهة من المرجح أن نجد البعد الثاني في مركز القلق والاهتمام. إذ جاءت الأحداث بما تحمله من احتمالات تواصل زمني واتساع جغرافي وتطور في هياكل الإدارة، بينما تفصل الرئيس الأمريكي أقل من ستة أشهر عن موعد الانتخابات الرئاسية. ويحمل هذا السياق الجماهيري المتوسع والمطرد معه، بيئة استقطاب سياسي مناهض للرئيس الراهن، ومجال سياسي على درجة سيولة عالية وبالتالي زاخر باحتمالات تقلبات غير متوقعة، وسياق لتآكل التأثير الجماهيري لما يعتبره الرئيس إنجازاته. والأخطر أن هذا جاء في سياق التأثير العام المدمر الذي حملته الجائحة معها، أي الركود الاقتصادي العام، والفقدان المؤقت لفئات واسعة لوظائفها، والارتفاع متوسط الأمد في معدل البطالة، والانكشاف السياسي لقصور وتحيز جهاز الخدمة الصحية العامة.
ويفسر لنا التحليل السابق التهديد المتسرع، الذي أطلقه ترامب باستخدامه للقوات المسلحة لوضع حد فوري لنهاية الاحتجاجات السلمية إذا لم يتصرف معها حكام الولايات بالحسم والسرعة اللازمين، في كلمته التي ألقاها الأول من يونيو أمام كنيسة سانت بول وعلى يمينه وزير الدفاع وعلى يسارة رئيس أركان الحرب.
ولقد كان لزيارة الكنيسة وتصريحاتها التي سبقتها تصريحات مماثلة، وقعا سياسيا سلبيا مثيرا للنقاش السياسي. ليس فقط لإحاطة وزير الدفاع ورئيس الأركان بالرئيس وبالتالي موافقتهما على توظيفهما في موقف سياسي داخلي، الأمر الذي ترتب عليه طرح مشكلة حدود علاقة الجيش بالسياسات الداخلية ومدى دستورية التهديد باستخدامه لفض مظاهرات سلمية، سواء داخل قيادات القوات المسلحة أو داخل النخب السياسية. بل أيضا لأنه في وقت حدوث الواقعة كانت قوات الحرس الوطني، تفض مظاهرة سلمية تماما في حديقة لافاييت المجاورة للكنيسة، لتفسح الطريق أمام الرئيس لالتقاط صورة أمامها، وبالتالي طرحت الزيارة بشكل عملي مدى استقامة الموقف السياسي للبيت الأبيض، ومن ثم مدى تأهله السياسي لاتخاذ وتطبيق قرار سياسي استثنائي بالمعايير الدستورية، مثل استخدام الجيش في إنهاء مظاهرات داخلية.
وإذا ركزنا اهتمامنا على نمط التداعيات داخل النخب العسكرية، سوف نرصد بوضوح رفضًا عامًا لفكرة استخدام المؤسسة العسكرية في فض الاحتجاجات، ينطلق أساسا من التزامها باحترام الدستور ورفض التدخل لإنهاء مظاهرات سلمية مشروعه وفقًا لأحكام الدستور. ومع تلك الحجة الأساسية تظهر فكرة أخرى هي المشروعية الدستورية لمطالب الاحتجاجات المناهضة للعنصرية، ومحدودية انتهاكات القواعد المنظمة لحق الاحتجاج بما لا يبرر هذا النمط الاستثنائي من التدخل.
وكانت النتيجة المنطقية لمثل هذا الرفض أن أصبح من المؤكد، أنه في اللحظة التي يرى فيها البيت الأبيض أنه لا مناص من تنفيذ تهديده، سوف يواجه حالة من غياب الإجماع السياسي المؤسسي تشل هذا القرار عمليا، وبالتالي ينتقل الموقف إلى مستوى الانقسام المؤسسي. وترتب على ذلك نتيجة أخرى وهي أن مارك إسبر وزير الدفاع اضطر في مواجهة هذا الرفض، للتراجع في 3 يونيو عن تصريحاته السابقة المؤيدة لمطلب ترامب، والتي وصل فيها لدرجة تشبيه التدخل المطلوب بالتوجه إلى «أرض المعركة». وكان لهذا التراجع دلالته الخطيرة، لأنه الرجل المكلف بتنفيذ الأمر حال صدوره.
ويمكننا رصد تلك التداعيات عبر شكلين. عبر الشكل الأول سنجد بيانات صادرة عن عسكريين متقاعدين شغلوا مناصب قيادية كبرى خلال العقدين الأخيرين، بالتالي كانوا أكثر صراحة وتحديدا بالمقارنة بأقرانهم داخل الخدمة. وتمكننا من رصد ستة قادة بادروا بإعلان آرائهم في أعقاب مشهد الكنيسة: الجنرال جيمس ماتيس وزير الدفاع السابق، والادميرال مايك مولان والجنرال مارتن ديمبسى الرئيسان السابقان لهيئة أركان الحرب، والجنرال توني توماس القائد السابق لقوات العمليات الخاصة، والجنرال جون الآن القائد السابق للقوات الأمريكية في أفغانستان، والجنرال مايكل هايدن المدير السابق لمخابرات الأمريكية. ما الذي قاله هؤلاء القادة؟
سنكتفي هنا بآراء جيمس ماتيس ومايك مولان، لتكاملها التعبيري وقدرتها على إيجاز أراء البقية. في الصدارة سنجد- أولا- فكرة أن أمريكا تمر بلحظة فارقة في نظامها السياسي.
كتب مولان: «أمريكا تواجه نقطة انعطاف وتحول، تجعل من المستحيل أن أقف صامتا». وينبه ماتيس: «ترامب هو أول رئيس أمريكي أراه في حياتي، لا يسعى من اجل توحيد الأمة او حتى التظاهر بذلك، وبدلا من ذلك نراه يحاول أن يقسمنا، ونحن الآن نشهد نتائج ثلاثة أعوام بلا قيادة ناضجة. يمكننا أن نكون متحدين بدونه، معتمدين على قوة مجتمعنا المدني». وهناك – ثانيا – قناعة صارمة بمشروعية الاحتجاجات، مع الرفض الصريح لانحرافات العنف العارضة والجزئية التي تخللتها. كتب مولان: «لا ينبغي لنا الصفح عن أعمال العنف والسلب التي انفجرت في شوارعنا، ولكن يستحيل أن نتجاهل تلك المظالم الواسعة والعميقة من ممارسات العنصرية المؤسسية التي فجرت الغضب. عشت ورأيت الكثير وأعرف ما يكفي، لكي أتفهم حقيقة تلك المشاعر وأنها جميعا ترتكز على خبرات مؤلمة». وكتب ماتيس: «سنجد كلمات: العدالة فوق الجميع، محفورة أعلى واجهة محكمتنا العليا. وهذا هو بالضبط الذي يطالب به المحتجون عن حق. وهذا مطلب عام وموحد يتعين علينا جميعا العمل على دعمه، ولا ينبغي لحفنة خرجت عن القانون أن تصرفنا عنه. فهناك عشرات الألوف من المحتجين الواعين بأهدافهم، والمصرين على أن نعيش وفقا لقيمنا الجامعة بيننا كشعب». وهناك – ثالثا – الإيمان بأن القوات المسلحة ملتزمة باحترام وحماية الدستور الأمريكي، وبالتالي ستخون تعهدها لو تدخلت ضد ممارسة المحتجين لحق من حقوقهم الدستورية. كتب ماتيس: «ينبغي أن نرفض أي تفكير في مدننا بوصفها «أرض معركة» نطالب قواتنا بالسيطرة عليها. لا ينبغي أن نستخدم جيشنا عندما يتطلب الأمر منا ذلك إلا في حالات نادرة، وبطلب من حكام الولايات.
إن إضفاء الطابع العسكري على رد فعلنا كما حدث في واشنطن، من شأنه أن يطلق صراعا زائفا بين جيشنا ومجتمعنا المدني. وهذا العمل يهدد الأرضية الأخلاقية، التي تؤمن لنا تلك الرابطة بين رجال جيشنا والمجتمع الذي أقسموا على حمايته ويشكلون جزءا منه. حفظ النظام العام من مهام الدولة المدنية، والقادة المحليين الذين يفهمون مجتمعاتهم أفضل، ويقفون أمامها موقف المسؤولية». وسوف نجد الشكل الثاني في بيانات صدرت عن قادة كبار لا يزالون في صفوف الخدمة. في حدود متابعتنا أتخذ هذا الشكل أساسا صيغة مذكرات رسمية اصدرها قادة كبار ووجهت إلى الجنود والضباط العاملين تحت قيادتهم، وكان أغلبهم من القوات الجوية مثل الجنرال جون جولدفين رئيس أركان حرب القوات الجوية والجنرال جاى سيلفيريا قائد الأكاديمية الجوية والجنرال كاليت رايت، ثم توجت تلك المذكرات بصدور بيان مشترك داخلي موجه للجنود والضباط أصدرته قيادة الجيش باسم كافة أسلحته. وهذه البيانات الرسمية أقل تحديدا وصراحة من بيانات المتقاعدين، وفي تناولها سنركز اهتمامنا على البيان العام. سنلمس في هذا البيان فكرتين أساسيتين. تشدد الأولى على الفكرة الجوهرية في بيان المتقاعدين: «كل جندي وإداري داخل الجيش اقسم أنه سيعمل على توطيد الدستور والدفاع عنه، وهذا يشمل حق الناس في التجمع والتظاهر السلمي، ومطالبه الحكومة على العمل من أجل شكاويهم ومظالمهم. وسوف نستمر في حماية الأمريكيين، سواء من الأعداء في الخارج أو من (كوفيد-19) في الداخل، أو من العنف داخل مجتمعنا الذي يهدد بإسكات الأصوات التي تنطلق وترجونا أن نسمعها». ولكن البيان يبرز أيضا فكرة لا نجدها لدى القادة المتقاعدين، وهي أن تركيبة الجيش صورة من تركيبة المجتمع وتحمل بالتالي البؤر الصراعية نفسها التي فجرت الاضطرابات الأخيرة، الأمر الذي يفرض على الجميع داخلة موقفا يقظا وفعلا إيجابيا. وهكذا يخاطب البيان قادة أسلحة الجيش: «استمعوا إلى جنودكم، ولكن لا تنتظروا منهم أن يأتوا إليكم. أذهبوا إليهم واطرحوا عليهم الأسئلة المثيرة للانزعاج. اجعلوا التعاطف والتواضع رائدكم في حركتكم، وأوجدوا من حولكم بيئة يشعر فيها جنودكم بالراحة والقدرة على التعبير عن مظالمهم. دعونا نكون أول من يضرب المثال.»