“البرنس” يتصدر المشاهدات بعناصر قوته رغم استهلاك القصة

أنور الرزيقي/ الدراما المصرية في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي التي دخلت كل بيت عربي ذاكرتي معها وأنا في مقاعد الدراسة كنا على موعد كل رمضان مع التحف الفنية المتكاملة من حيث القصة والإخراج وموسيقى المقدمة والنهاية، أغانٍ بصوت كبار الفنانين والمنافسة العالية لأكثر من نجم كبير في المسلسل، فهي من شكلتنا أكسبتنا منها اللهجة المصرية البسيطة والجميلة وهي اللهجة الأكثر تداولًا بين العرب، عرفتنا بمصر قبل زياتها عرفتنا بشوارعها وأبرز معالمها نقلت لنا الثقافة والتاريخ عرفتنا على المماليك والباشا والبيك والأفندي والصعيدي وابن البلد والبواب والمعلم والخواجه والأسطى، من منا لا يذكر مسلسل المال والبنون وليالي الحليمة وأربيسك وزيزينيا ورافت الهجان وضمير أبلة حكمت ولن أعيش في جلباب أبي وبوابة الحلواني “اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني” وغيرها الكثير من المسلسلات الخالدة في تاريخ هذه الدراما الثرية والغنية بكل شيء، من منا يستطيع أن ينسى والمؤلف العبقري أسامة أنور عكاشة صاحب أهم لأعمال الفنية في الدراما المصرية في تلك الحقبة من الزمن.
مع أزمة كورونا والحجر المنزلي كنا على موعد مع العمل الفني الجميل بكل مكوناته والرائع في كل شيء مسلسل البرنس للمؤلف والمخرج محمد سامي المخرج الشاب الذي كانت بدايته من إخراج الكليبات الغنائية ثم عمل على إخراج العديد من المسلسلات والأفلام والتي حقق من خلالها نجاح وتميز وضعه أسمه كمخرج يـُقبل عليه للمنتجين ومن أهم أعماله في المسلسلات: مع سبق الإصرار، الأسطورة، ولد الغلابة، كلام على ورق وحكاية حياة وأشهر أفلامة عمر وسلمى ج 3 وجواب أعتقال.
قدم لنا محمد سامي قضية مستهلكة في الدراما الاجتماعية الصراع على الميراث تميز هذا المسلسل بعناصر قوة ساهمت في تصدره المشاهدات خلال عرضه في شهر رمضان ومنها شعبية الفنان محمد رمضان، كمية الأحداث المشوقة والمثيرة، الحوارات العميقة المكتوبة بعناية، الاهتمام بنهايات الحلقات التي حافظت على التشويق، أن كل مشهد به عناصر قوة تساهم في تعزيز قوة المسلسل من حيث الأداء العالي للممثلين وتوظيف الأغاني بشكل يخدم المشهد،التقطيع في اللقطات وهي لغة بصرية أخرى يقدمها المخرج لتمرير عدة رسائل وبلا شك أن التقطيع القوي يساهم في توصيل الإحساس المطلوب ومثال على هذه المشاهد مشهد شهادة الزور ضد رضوان أمام الضابط ومشهد المحاكمة، مشهد ترمي البنت في الشارع إيجاد هذا المشهد تأثير وتعاطف كبير عند المشاهدين.
أتقن محمد سامي رسم شخصيات مسلسلة بكل براعة ودقة وجودة صنع شخصيات مؤثرة ومقنعة وناجحة دراميًا جعلنا نكره بعض الشخصيات بشدة ونتعاطف مع الشخصيات الأخرى بقوة، جعل الشخصيات قابلة للتصديق، ما ظهرت عليه شخصياته من تفاصيل وصفات وظروف محيطة وأخلاق ومبادئ وقيم وأفعال أكد الاهتمام الكبير بكل التفاصيل.
من الذكاء الرائع الذي قدمه المؤلف في رسم شخصية رضوان منذ الظهور الأول لهذه الشخصية رأينا صفات الشخصية تتمثل أنه قوي وأبن بلد، بارًا بوالده، مستقيم، رحيم وعطوف بالآخرين، محبوب من أهالي الحارة الشعبية، هذه الشخصية هي محور الصراع المباشر للخير ضد الشر وشاهدنا كمية الظلم على هذه الشخصية مما جعلها عاطفيًا مطالبة بالانتقام، مشهد خروج رضوان من السجن بعد 5 سنوات والذي ضجت به منصات التواصل الاجتماعي فرحًا وزادت مطالبة المشاهد بتسريع عملية الانتقام من شخصيات الشر وإرجاع الحق المغتصب، ولكن قبل أشباع لهفة المشاهدين للانتقام، جاءت لقطة سجدة الشكر لتؤكد أن انتقام هذه الشخصية لن يكون حسب رغبة المشاهد وتوقعاته بذات الشر والأسلوب التقليدي.
شهدت حلقات المسلسل بعد خروج رضوان من السجن تراجع في وتيرة الأحداث مع تراجع التشويق والتوقعات التي كان ينتظرها المشاهد من شخصية رضوان المطحون بالظلم، وهذا طبيعي في المسلسلات ذات ٣٠ حلقة التي تأخذ في حساباتها الجانب الفني والتجاري الذي يعمل على مط الأحداث لصالح عدد الحلقات.
لطالما تعالت أصوات النقاد بتقديم الدراما الإيجابية التي تعمل على التوازن بين الشر والخير حيث ان الواقعية تؤكد لا يوجد شر مطلق أو خير منعدم الشر والسلوكيات السلبية التي اتصف بها إخوان رضوان من قتل عمد وخيانة وكذب وتظليل وظلم وقسوة لا تمثل المجتمع بالعموم، نموذج الخير قدمه المسلسل في سائق حافلة الأجرة وأسرته الذي قاموا باحتواء بنت رضوان وتربيتها بكل حب ورعاية.
الحلقة الأخيرة قدمنا لنا المؤلف نهاية كلاسيكية تقليدية والتي تتشابه كثيرًا مع الأسلوب السائد في سينما بوليود “النهاية السعيدة” والتي تكون لصالح البطل (الخير ينتصر في الأخير): الزواج السعيد ورجوع الحق المسلوب وموت الخصوم، ومن وجهة نظري لم تمثل لي هذه النهاية رضاء تام حيث اكتضت الحلقة الأخيرة بإغلاق كل الخطوط مره واحدة كنت أرجح التصاعد الدرامي التدريجي في الانتقام منذ حلقتين قبل الحلقة الأخيرة على أقل تقدير حتى الوصول إلى انتهاء البطل المضاد لشخصية رضوان وهو أساس الصراع والشخصية محركة الأحداث للأمام، وبشكل عام النهايات السعيدة لا تعلق في ذهن المشاهد ولا تشكل تأثيرًا قويًا في مشاعره مثلما تحققه النهايات الحزينة أو المفتوحة.

وفقات سريعة..

وصية الأب للأبناء غير أشقاء من وزوجات متعددة هي قضية المسلسل الرئيسية والتي فجرت كل الأحداث وهي الرسالة الأقوى التي قدمها محمد سامي من وجهة نظرة كمؤلف ومخرج أن مثل هذه الوصية تسبب إشكاليات وفجور في الظلم والأفعال.
المشهد الأخير مونولوج رضوان خطاب مسرحي مباشر اتسم بالإرشاد ونصح المشاهد، المسلسل قدمنا لنا قضية وشخوص تفاعل معها المشاهدين وعايشوا كل تفاصيلها وأحداثها يكفي أن يحكم المشاهد ويقيم كل الأمور دون تلقين أو إرشاد مباشر “لما تأخذ في الدنيا على وشك أوعى تأخذ الضربة وتسكت وتعديها حتى لو بعد سنين، لازم ترد! والضربة لازم تكون أقوى من اللي أخذتها..”.