«حصاد القول».. مختارات من نجيب محفوظ

إيهاب الملاح

-1-
شاعت في السنوات الأخيرة، وخاصة مع اجتياح ثورة السوشيال ميديا، وتأثيرها المرعب في التواصل والترويج وأشياء أخرى كثيرة، ما يُسمَّى بتفشي ثقافة الاقتباس، والتلهف على نشر وقراءة المقتبسات المختارة من أعمال أدبية أو شعرية أو مقولات تحمل معاني إنسانية أو ذات دلالات أخلاقية أو تأملات فلسفية أو تدعم أفكارًا وأيديولوجيات بذاتها.. إلخ.
وتحولت هذه الثقافة التي من المفترض أنها علامة إيجابية على التفاعل والاستجابة مع ما نقرأ من نصوص، إلى صرعة تفشت كالوباء بل “هوجة” عنيفة عارمة طالت كل شيء وأي شيء.. وبدلًا من مشاركة هذه المختارات لإشاعة قيم ذوقية لا خلاف عليها أو قيم جمالية في التعبير الأدبي، صارت مساحة فوضى عارمة تتسع للمباهاة والادعاء والنقل والكذب والفبركة.. إلخ (ولكن هذا حديث آخر ربما نعود إليها في مناسبة تالية)..
لكن وفي الحقيقة؛ فإن نشر المقتبسات والقطع الأدبية المختارة، من نصوص شعرية أو روائية، تعود بجذورها إلى تاريخ بعيد، فهي ظاهرة قديمة جدًّا، ولدينا في قوائم كتب التراث العربي قسم خاص لمجاميع الحماسة والمختارات الشعرية التي تزخر بكل ما هو جميل وثري ومؤدِّب للنفس والذوق. وحتى في تراثنا القريب؛ سنجد على سبيل المثال: «مختارات البارودي الشعرية» (في أربعة أجزاء)، و«مختارات المنفلوطي» التي كانت أول ما قرأتُ من هذه النوعية من الكتب، وأذكر أن اختيارات المنفلوطي من روائع المنظوم والمنثور كانت جميلة للغاية وسهلة الحفظ، وأذكر أنني حفظتُ منها طائفة لا بأس للاستعانة بها في كتابة موضوعات التعبير في المدرسة!
من أشهر كتب المختارات في أدبنا المعاصر كتاب «المنتخب من أدب العرب» في مجلدين، وقام بالاختيار لجنة عظيمة كان يرأسها طه حسين نفسه، وتضم من الأعضاء أحمد أمين وأحمد ضيف، وعلي الجارم، وآخرون.. وكان هذا الكتاب سببًا رئيسيًا في تقريب نصوص الأدب العربي إلى نفوس الناشئة والطلاب الصغار، وكان نجيب محفوظ أحد الذين تأثروا بهذا الكتاب، وأشادوا به وتحدثوا عنه بتقدير كبير واحترام وافر!

-2-
كانت هذه مقدمة موجزة لفكرة المقتبسات الأدبية وجمع المختارات في الثقافة العربية، وهي في العموم تناظر أو توازي ما يسمى بـ “ثقافة الكوتس” أو ما يعرف في الثقافة العالمية بـ معاجم المقتبسات أو Dictionaries of Quotations التي تبوِّب بين صفحاتها مأثورات القول المستخلصة من أعمال الشعراء والأدباء والساسة والخطباء والكتاب والروائيين.. إلخ، والتي تثري لغاتها، وتضيف إلى الوعي الجماعي للمتكلمين بها أو تحسن التعبير عنه في صياغة تستعصي على النسيان.
ما يسميه رواد السوشيال ميديا بـ”الكوتس” ركزت بالأخص على المشاهير؛ وفي ثقافتنا العربية ليس هناك أشهر من نجيب محفوظ لكي يكون صاحب نصيب الأسد من البحث عن مختاراته ونصوصه، حتى لو كان ذلك بالاختلاق والفبركة والادعاء عليه والتزوير بلسانه إلى ما لا يحصى، لكن هذا أيضًا حديث آخر!
عموما، وقبل نشوء هذه الظاهرة المخيفة على صفحات السوشيال ميديا، وتخصيص عشرات بل مئات الصفحات لجمع المختارات والمقتبسات، وخاصة باسم نجيب محفوظ، كان هناك محاولة أولى سابقة ورائدة نشرت بعنوان «نجيب محفوظ ـ حصاد القول»، وصدرت عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة عام 1997، من اختيار وتصنيف وتقديم الدكتور رشيد العناني؛ الأستاذ بجامعة إكستر ببريطانيا، وأحد كبار المتخصصين في أدب نجيب محفوظ، الذي أنجز أطروحته للدكتوراه عن أعمال نجيب محفوظ بعنوان «البحث عن المعنى»، ونشرت بالعربية تحت اسم «عالم نجيب محفوظ من خلال رواياته»

-3-
كانت هذه المحاولة تجربة رائدة وأصيلة في اختيار وتصنيف نصوص نجيب محفوظ، جاءت نتاج قراءة ومعايشة حقيقية لرواياته وقصصه؛ مختارات كاشفة تلقي الضوء على جوانب مختلفة من الرؤية الفلسفية والاجتماعية والسياسية لنجيب محفوظ، وهي تتتبع تلك الجوانب في إحاطة مدققة لا تفرق بين رواية وقصة قصيرة وآراء لمحفوظ في بعض الأحاديث، يقول صاحبها “ونحن في حاجة إلى تلك المقتبسات التي تتميز بدرجة عالية جدًّا من الاستقلال والتماسك خارج سياقها في الأعمال الفنية”..
كان من الواضح أن هناك رؤية تحكم هذه الاختيارات ومنهج لتصنيفها أيضًا؛ إذ قدم الدكتور رشيد أولًا بين يدي هذه المختارات بمقدمة كاشفة ومهمة يوضح فيها سبب وضعه لهذا الكتاب؛ ولماذا اختار هذه النصوص وعلى أي أساس صنفها على موضوعات ومحاور؛ عددها 19 موضوعًا أو “تيمة”؛ جاءت كالتالي:
في الدين والعلم، في السياسة والاجتماع، في التصوف، في الحرية، في الحياة، في الزمن، في القضاء والقدر، في الموت، في المعنى والعبث، في الأخلاق، في المصريين، في القاهرة والإسكندرية، في الحب، في الجنس، في الخمر، في الألم، في الماضي، في الوصف والتصوير، وأخيرًا فصل ختامي بعنوان متفرقات..

خبرة رشيد العناني الطويلة بنصوص نجيب محفوظ، ومعايشته لها لما يقرب من 40 عامًا، مكنته من القيام بمسح كامل وشامل لكل ما خطه نجيب محفوظ؛ يقول “اقتضتني دراستي الشاملة لنجيب محفوظ التي صدرت باللغة الإنجليزية بعنوان «البحث عن المعنى» سنة 1993، أن أعيد قراءة النتاج الكامل لهذا الكاتب العظيم؛ وهو نتاج غزير يقع في 33 رواية و19 مجموعة قصصية، إلى جانب عشرات الأحاديث الصحفية، وحصيلة تبلغ المئات من عموده الأسبوعي في جريدة (الأهرام)، نتاج يتصاعد في جبل من الأوراق يتجاوز الثلاثة عشر ألفا ويمتد عبر رقعة زمنية تقارب الستين عاما”.

-4-
كيف جاءت، إذن، فكرة جمع هذه المختارات؟
ولماذا قرر أن يصنفها على موضوعات أو تيمات مخصوصة؟
يجيب العناني: كنت أثناء قراءتي لهذا العمل أو ذاك كثيرًا ما تستوقفني عبارة هنا أو جملة هناك قد تكون جزءًا من السرد أو ترد على لسان إحدى الشخصيات أو تعبر بخاطرها عبارات قد لا تجاوز بضع كلمات وقد تمتد لنصف صفحة أو يزيد، إلا أنها تشترك جميعًا في كونها لافتة آسرة للخاطر، داعية العين والفكر لإعادة القراءة وتروِّي المعنى، عبارات تتعدد دواعي الجذب فيها وتتباين تباينا شديدا، وكنت أعمد إلى تلك العبارات المنثورة هنا وهناك فأضع أمامها علامة خاصة على هامش الكتاب، حتى يتسنى لي الرجوع إليها متى شئت.
ولأن العناني ناقد “محترف” يقتنص النصوص المميزة، فقد انتقى العبارات التي تتميز باستقلاليتها الكاملة؛ بمعنى إمكانية عزلها عن سياقها العام، مع احتفاظها بفاعليتها الجمالية والمعنوية، وتندرج بدلالاتها الجمالية والمعنوية تحت التيمة العامة أو أحد الموضوعات التي حددها للتصنيف.
في المجمل، يوفر كتاب العناني لقارئه سياحة ممتعة ورائعة بين جنبات نصوص مختارة منتقاة بعناية شديدة لسيد القول في الرواية العربية الحديثة نجيب محفوظ، فضلاً عن تناولات ثقافية خاصة ومقارنات لا تخلو من ومضات تثير الإعجاب وتدعو إلى التأمل.

-5-
مؤلف الكتاب، هو الدكتور رشيد العناني، كاتب وناقد وأكاديمي مصري. درس الأدب الإنجليزي في جامعة القاهرة، وعمل بها عدة سنوات، قبل أن يسافر إلى بريطانيا ويحصل على الدكتوراه من جامعة إكستر البريطانية، وبها قضى الشطر الأعظم من حياته، وترأس قسم الدراسات العربية والإسلامية فيها، كما شغل منصب أستاذ الأدب العربي الحديث بها، وعين أستاذاً فخرياً في جامعة “إكستر” تقديراً لمساهمته الأكاديمية الطويلة بها.
من مؤلفاته الأكاديمية كتاب بالإنجليزية عن نجيب محفوظ عنوانه “Naguib Mahfouz: His Life and Times” صدر عن الجامعة الأمريكية في القاهرة سنة 2007، له أيضًا دراسة مطولة صدرت في 2006 عن دار روتلدج البريطانية بعنوان “Arab Representations of the Occident” تبحث في تاريخ اللقاء الحضاري بين الشرق العربي والغرب الأوروبي – الأمريكي منذ حملة نابليون بونابرت على مصر وحتى مطالع القرن الحادي والعشرين. وله أيضًا «نجيب محفوظ ـ قراءة ما بين السطور»، و«استنطاق النص ـ دراسات نقدية».