الوطنية..؟!

غادة الأحمد

دفعتني الأحداث المتسارعة على الساحة الدولية والعربية والسورية تحديداً إلى السؤال عن الهوية الوطنية، ومفهوم الوطنية؟!
فأولئك الذين عاشوا أيام الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان أو الانتداب البريطاني على فلسطين والعراق، كانوا يعرفون بسهولة أين تكون الوطنية، وأين تكون الخيانة. كانت القضية سهلة جداً. فإن كنت في صف الفرنسيين أو البريطانيين، فأنت غير وطني (إن لم أقل موصوماً بالخيانة)، وإذا كنت في صف الوطنيين ضد الانتداب، أو الاستعمار، أو التبعية، فأنت بالتأكيد وطني.
ولكن عندما ذهب الاستعمار والانتداب، ورحلت جيوشه المحتلة، ونالت البلاد استقلالها، وأصبحت نظرياً، حرة الإرادة، فإن الوطنية عندئذٍ تتغير صورةً، لا جوهراً، ويصبح التعبير عنها موضع تساؤل كبير.
وهنا لا بد من إيضاح بسيط، نفرّق فيه بين الوطنية كشعور داخلي، وبين الوطنية كتعبير خارجي، يتجلى في السلوك والعمل والمواقف وعلى عكس الكثيرين من الناس، وبصورة خاصة على عكس بعض المثقفين، الذين لا تمتلئ قلوبهم غبطة، ولا تنشرح صدورهم، ولا تكون أيامهم أعياداً، ولا يذوقون معنى الفرح، إلا عندما يجدون وسيلة ما، مهما تكن، لاتهام هذا الإنسان أو ذاك بالخيانة، أو اللاوطنية.
فأنا أعتقد أن الوطنية، كعاطفة، وتعلّق بالوطن، وحب له، وحرص عليه، وفرح لفرحه، وألم لألمه… أقول هذا النوع النفسي من الوطنية عاطفة سائدة، عامة، منتشرة جداً، وأكثر بكثير مما يتصور المتشائمون. والحقيقة أنها كذلك، لأنها هي الأسهل والأقرب منالاً، والألصق بالقلب، والأعلق بالروح والفؤاد، والعاطفة، والعقل. وما أسهل أن يحب الإنسان بلاده، وأن يحب مواطنيه، وأن يحرص عليهم، ويتمنى لهم الخير، ويفرح لفرحهم ويبتئس لبؤسهم. بل ما أسهل كذلك أن يحب الإنسان الخير للناس جميعاً، دون استثناء. أما أن تنقلب الآية، ويكره المرء بلده ومواطنيه ويكره بعدهم الناس جميعاً، فذلك أمر صعب جداً. بل لنقل إن هذا حالة مرضية لا شك أن وراءها عقدة نفسية. أما الصورة الأخرى، للخيانة الصريحة، فهي أن تكره بلدك، وتحب البلد الأجنبي، وتفضل مصلحة هذا الأخير، على مصلحة بلدك، وتضع نفسك في خدمة الأجنبي ضد بلدك. وتصبح هذه الصورة غريبة جداً، عجيبة عجيبة، عندما يكون وطنك الذي تكرهه فقيراً، بائساً، تتقاذفه الأخطار، وتتعاوره النكبات، ويكون البلد الأجنبي الذي تحبه، هو الأغنى، والأسعد، والأقوى، والأطول باعاً، والقادر على التحكم في مصيره ومصيرك، ومصير العالم كله أحياناً لا في مصيرك وحده.
وهكذا فإن أي عربي اليوم مدعو بالضرورة للبرهان على وطنيته بشيء آخر غير الفرح باتهام الآخرين باللاوطنية، وغير ملء الوقت بالتأفف، والتألم، والأحاديث الهازلة أو غير الهازلة، إن خير وطنية اليوم، هي وطنية الإنتاج، وملء الوقت بالعمل، والشعور بأكبر العار، إذا لم يكن كل يوم من أيامنا سبيلاً إلى الارتقاء إلى مستوى أعلى من الذي نحن فيه.
وكلما استطعنا أن نختصر الزمن الفاصل بين حياتنا المتخلفة، وبين حياتنا المتحضرة المقبلة، والموازية لحياة الذين كتب علينا أن نواجههم مجابهة ليس فيها إلا موتنا أو حياتهم، أو حياتنا وموتهم، كنا أكثر وطنية وموضوعية. وطبيعي أن العمل الجاد والإنتاج المتصل، وإتقان الأداء والارتقاء بمستوى الاختصاص هي السبيل الوحيد لاختصار هذا الزمن. إن الوطنية هي الحرص على ارتقاء الإنسان بكفايته، وإنتاجه، بحيث يغني بذلك وطنه أكبر إغناء يستطيعه. وهذه وطنية صريحة لا مجال للشك فيها. غير أن الوطنية تتجلى كذلك في مواقف، فيها دوماً شيء من المقامرة على المستقبل المجهول الذي قد يلبي أو لا يلبي توقعاته منه، بحيث تنجح هذه أو تخفق وما دامت فرص النجاح والإخفاق متوازية، فإن من ضرورات العاطفة الوطنية الذاتية أن تنسجم مع طموح الأكثرية، لتصبح موضوعية، دون أن يعني ذلك أن الأكثرية لا تخطئ، وأن الأقلية هي التي يكشف الزمن والتطور عن صواب رأيها. وبالتالي فإنه متى تجلت العاطفة الوطنية في مواقف، كانت نوعاً من المقامرة، ووجهات نظر، إن رجحنا فيها جانب الأكثرية، فلضرورات عملية، لا بدَّ منها، لا لاتهام وجهات نظر الأقلية، وعندما تكون الوطنية مواقف تجاه الأحداث، فإن من الطبيعي جداً أن يكون صاحب القرار، والمشارك الأول والأخير فيه، هو الشعب الذي سيجني الغُنم، كما سيدفع الغُرم. ولا مجال للتفرد «بوطنية ذاتية» تفرض اختياراتها على الآخرين، وتحل محلهم، لا لشيء إلا لأنها لن تدفع هي وحدها ثمن الغُرم، بل لعلها لن تدفع منه شيئاً.