التخطيط.. ركيزة تعزيز الأداء المؤسسي

الدكتور حمير بن ناصر المحروقي
يعتبر التخطيط في المؤسسة بمثابة القلب في جسم الإنسان، كما أنه بمثابة الخارطة التي يصل من خلالها المسافر إلى وجهته؛ إذ تعمل المؤسسة من خلال التخطيط على تحقيق الأهداف الموكلة إليها بتوجيه مواردها البشرية والمادية نحو تنفيذ مجموعة من الأنشطة وفق آليات محددة. وعليه، فإن نجاح المؤسسة في تنفيذ اختصاصاتها وتحقيق أهدافها يرتبط بمدى كفاءتها على إعداد ومتابعة الخطط ذات الصلة بأنشطتها الرئيسة والفرعية بمستوى عال من الشمولية والمهنية.
يهدف هذا المقال إلى إلقاء الضوء على دور التخطيط في تعزيز الأداء المؤسسي، مع الإجابة عن بعض الأسئلة ذات العلاقة، وأبرزها: ما مقومات نجاح عملية التخطيط، وما سمات وملامح الخطة الناجحة، إلى جانب التطرق إلى أنواع الخطط.
تناولت الأدبيات المختلفة مفهوم التخطيط وعناصره، وقد عرفه قاموس الأعمال بأنه “وظيفة إدارية أساسية تتضمن صياغة خطة تفصيلية أو أكثر لتحقيق التوازن الأمثل للاحتياجات أو الطلبات مع الموارد المتاحة، مع تحديد الأهداف أو الأهداف المراد تحقيقها ووضع الاستراتيجيات لتحقيقها، مع مراقبة التنفيذ”. كما أجمعت الأدبيات المختلفة على أن التخطيط من العمليات المهمة لأية مؤسسة، وأنه عملية فكرية مستمرة تهدف إلى مساعدة المؤسسات على اتخاذ قرارات صائبة بشأن أهدافها وأنشطتها ومواردها.
ولعل السؤال الأبرز الذي يهدف المقال للإجابة عنه هو ما المزايا التي يحققها التخطيط للمؤسسة، وما أثر ذلك على الأداء المؤسسي؟ وللإجابة عن هذا السؤال نشير إلى أن لكل مؤسسة وفق القوانين واللوائح المنظمة لعملها مجموعة من الأهداف الموكلة إليها، فضلاً عن عدد من الاختصاصات المنوطة بها، وبالتالي فإن كفاءة الأداء المؤسسي ترتبط بمدى القدرة على تنفيذ هذه الاختصاصات وتحقيق تلك الأهداف بمستوى عال من الشمولية، ويرتبط بذلك الكفاءة في إدارة الموارد البشرية والمادية، فضلاً عن الفاعلية في إدارة الأولويات وفق الأطر الزمنية المحددة.
ومن هنا، فإن للتخطيط العديد من المزايا والكثير من المكاسب التي تعود على المؤسسة، وتنعكس إيجاباً على أنشطتها وخدماتها المباشرة وغير المباشرة لكافة الأطراف ذات العلاقة بها، سواءً المؤسسات أو الأفراد، ومن أبرز المزايا الكفاءة والاقتصاد والفاعلية في إدارة الموارد المتاحة للمؤسسة والحد من الفاقد في الوقت من أجل تحقيق أهداف المؤسسة، وذلك من خلال تحديد ما يأتي:
• الأهداف ذات الأولوية العالية من بين الأهداف الموكلة إلى المؤسسة، والتي ترغب في تحقيقها خلال فترة الخطة.
• الأنشطة الرئيسة المستهدف إنجازها، مع بيان الأهداف والمبررات المرتبطة بكل نشاط وبيان علاقتها بالأهداف الرئيسة للمؤسسة.
• الإجراءات والآليات المرتبطة بتنفيذ الأنشطة.
• الوحدات/الموظفين المعنيين بتنفيذ كل نشاط.
• الإطار الزمني.
• مؤشرات القياس والتقييم ذات الصلة بكل نشاط.
وبالتالي، يمكن القول أن النتيجة النهائية الأبرز لعملية التخطيط هي تحقيق الكفاءة المتوقعة للأداء في المؤسسة. والجدير بالذكر بأن التخطيط ليس هدفاً في حد ذاته، وإنما الوسيلة التي تحقق المؤسسة من خلالها أهدافها، وبالتالي يجب أن تحرص المؤسسة على متابعة تنفيذ الخطة، وذلك بالاعتماد على مؤشرات القياس والتقييم المرتبطة بالأنشطة التفصيلية أو بالخطة ككل.
ومن المهم الإشارة إلى أن كفاءة عملية التخطيط ترتبط بمجموعة من المقومات، والتي يمكن تقسيمها إلى فئتين، وهما الداخلية والخارجية، فالمقومات الداخلية هي تلك التي تتعلق بالوحدة المعنية بالتخطيط في المؤسسة، ومن أبرز عناصرها: كفاءة الموارد البشرية من حيث: المؤهل العلمي والخبرة العملية والمعرفة باختصاصات المؤسسة، إلى جانب توفر أدوات العمل كالأجهزة والبرمجيات، فضلاً عن توفر البيانات المتعلقة بالمؤسسة ومواردها البشرية وتحديث هذه البيانات بشكل منتظم. أما المقومات الخارجية فهي التي تتعلق بالمؤسسة، ومن أهم عناصرها دعم الإدارة العليا لأنشطة التخطيط، إلى جانب تعاون الوحدات المختلفة بالمؤسسة مع الوحدة المعنية بالتخطيط، كما أن للمستوى التنظيمي والتبعية للوحدة المعنية بالتخطيط في الهيكل التنظيمي للمؤسسة تأثير على أنشطتها ونجاحها.
وهناك العديد من السمات التي يجب أن تتوفر في الخطة لكي تتصف بالقدرة على تحقيق الأهداف المرجوة منها، ومن هذه السمات الشمولية، والتي تتضمن جانبين، أولهما: توافر العناصر الرئيسة في الخطة، وهي الأهداف الرئيسة والفرعية والإجراءات التنفيذية والجهات المسؤولة عن التنفيذ والإطار الزمني ومؤشرات القياس والتقييم، أما العنصر الثاني الذي يرتبط بالشمولية فهو تغطية كافة الأنشطة ذات العلاقة بموضوع الخطة والتي تندرج ضمن اختصاصات المؤسسة وترغب في تنفيذها خلال فترة الخطة. ومن السمات المهمة للخطة المرونة؛ إذ إنه قد تطرأ على المؤسسة بعض التعديلات في اختصاصاتها، أو ظهور الحاجة إلى تنفيذ أنشطة أكثر أهمية، إلى جانب الحاجة إلى إجراء تعديلات في محاور الخطة وعناصرها، والأمر الذي يجب الإشارة إليه هو أن التعديلات يجب أن تكون مبررة. كما أن من السمات المهمة للخطة الوضوح، حيث إن هدف الخطة تحقيق الكفاءة في عمل المؤسسة بتوجيه مساراتها كدليل عملي مهني، وبالتالي لابد أن تتصف بالوضوح وسهولة الفهم في كافة عناصرها إلى جانب الترابط المنطقي بين هذه العناصر، كما أن الدقة تعتبر من السمات الرئيسة للخطة، فضلاً عن كونها لابد أن تتصف بالواقعية والقابلية للتطبيق.
وبما أن التخطيط هو العملية التي يتم فيها توفير مدخلات محددة وتكون المخرجات على شكل خطة أو مجموعة خطط، فيمكن القول إلى أن الخطط تنقسم إلى فئات، فمن حيث الفترة الزمنية هناك الخطط قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، أما من حيث الأهمية فهناك الخطط الاستراتيجية والتكتيكية والتشغيلية، ومن حيث الموضوع أو المجال فلكل مؤسسة الخطط ذات الصلة بأنشطتها، فهناك خطط التدريب والتأهيل وخطط أخرى للتوعية وخطط تتعلق بتقنية المعلومات، كما أن هناك الخطط المالية والخطط السياسية وخطط الإنتاج والتسويق، وغيرها.
وتعتبر السلطنة من الدول الرائدة في العناية بالتخطيط، حيث أولته القيادة والحكومة الاهتمام الذي يتناسب مع دوره في خدمة أهداف التنمية الشاملة والمستدامة في السلطنة، وقد تمثلت هذه العناية في الأطر المؤسسية والتشريعية إلى جانب الممارسات العملية ذات الصلة بالتخطيط، وعلى المستوى الكُلي هناك الخطط الخمسية والتي انطلقت في العام 1976 وتمتد كل منها إلى خمس سنوات، إلى جانب “رؤية عمان 2040” التي تنطلق في مطلع العام 2021.