نصوص تفوح برائحة القهوة .. وترتشف لذتها في لقاءات المقاهي

كتبت – شذى البلوشية
يلتقي عشاق القهوة دائما على طاولة في مقهى، يرتشفون رائحتها من الفنجان قبيل تذوق قطرات منها، ورغم اختلاف المقاهي واللقاءات، إلا أن القهوة هي المتسيدة، وغالبا ما تلوذ بعاشقها لارتشاف مذاقها المر بحلاوة البقاء وحيدا، مع كتاب يقلب صفحاته بلذة أكبر مع حضور فنجان القهوة، حتى بات اسمها مرتبطا بالقراءة، ولكن يبدو أن الكاتب والقاص حمود بن حمد الشكيلي جمع القهوة وعشاقها في كتاب واحد، أطلق عليه اسم “قهوة في كل لقاء”، ليسرد من خلاله ارتشافات القهوة ولقاءات عشاقها في المقاهي، بجملة من النصوص المتنوعة.
جاء في فهرس الكتاب، أسماء كتّاب النصوص الذين أطلق حمود الشكيلي عليهم اسم “شاربو القهوة”، فيما عنون النصوص بأنها “فناجين وأكواب”، واختار أرقام الصفحات لأن تكون هي الطاولات والزوايا، لتكون وجهة القارئ واضحة، وخياراته متاحة لأي مكان يريد أن يجلس فيه ويستمتع بالقراءة والتذوق معًا.
يقول الشكيلي في مقدمة الكتاب: إن كتاب النصوص “كتبوا تجاربهم، علاقاتهم وعلائقهم عن مقاه عبروها، وأخرى أحبوها، كما أحبوا بشرا من على كراسيها، هؤلاء من تلذذوا بالقهوة فكتبوا في المقاهي”.. مؤكدا على فكرة حتمية هي ولادة الأفكار مع جلسة منفردة بشرب القهوة فقط، قد تكون تلك الفكرة “لمشاريع مختلفة ولدت من على سطح طاولة في مقهى”… وهكذا هو الحال للنصوص التي يكتبها صاحبها “من على طاولة مقهى”.

سرد الكتّاب بين صفحات “قهوة في كل لقاء” قصصهم المختلفة عن القهوة، وسر بداية هذا العشق، ليربطها إبراهيم بن سعيد بالشوق والتذكر، فيعود لبدايات معرفته بالقهوة، ورائحتها التي تفوح حين تحمسها خالته فتختلط رائحتها برائحة البساتين، متنقلا بمعرفته بأنواع القهوة من مكان لآخر، فيقول إبراهيم بن سعيد: إن “القهوة اخترعت المقاهي.. اللقاء الحقيقي ليس في المقهى بل في القهوة نفسها….. هي من أنجبت المكان”.
وورد في نص الكاتب حمد الصبحي أن: “القهوة خمرة في طزاجتها، وفي نشوتها عادة لا بد منها في الصباح، لتثمل القلوب وتضحك…. وهي كذلك كمحراب عشق أو كأغنية قديمة، أو غابة تحمل قمرا ثملا”.
ويبدو أن القهوة هي وجهة يقصدها محبوها، حيث يقول سعيد بو كرامي “المقهى سفري والقهوة متعتي الوحيدة خارج البيت”، وهي أيضا أرض خصبة لرسم خارطة كتاب أو حبكة قصة، أو شخوص رواية، أو قافية قصيدة، وهو ما عبر عنه سفيان رجب هي قال: “المقهى هو ملعب الكاتب فيّ، فيه ألتقي بشخصيات قصصي، أراقبها من خلف دخان السجائر

وأقودها إلى عالمي القصصي……. كل شيء في المقهى موح ومستفز”.
ويبدو أن السرد في نص صالح العامري ما هو إلا غناء شاعري كتبه في شجرة البن، بسطور أنيقة يقول فيها “امتص وجهي سحنة القهوة وأرومتها، دخلت سطوتها بين شفتي وعلى لساني، ثم تمكنت من الحنجرة والمريئ والبلعوم، ودارت دورتها في الجسد الراقص”.
ويبدو أن عشق القهوة لدى كثر بدأ فعلا مبكرا جدا، فالكاتب “عبديغوث” يستنشق الرائحة للقهوة فتعود به إلى طفولته، وهو الحال مع الشاعرة “فاطمة الشيدية” التي تحمل ذكريات كثيرة للقهوة في حياتها “التي تظنها الآن طويلة”، بإغراء فناجين القهوة لها باكرا، لتقول في نصها المفعم بالحياة الممتزجة برائحة فوّاحة لكل أنواع القهوة: “عشقت شرب القهوة في المقاهي المفتوحة على الأرصفة بصحبة صديق من جسد أو ورق، ويا حبذا لو كان الجو ممطرا، وثمة موسيقى منبعثة بدفء من المقهى”.
ويستعرض “مازن حبيب” أنواع القهوة كلها، فيعبر “في محبة القهوة” عن امتزاج طعمها المر بحلاوة احتسائها، ويصور “يحيى الناعبي” انعكاس صورته في الطفولة على فناجين القهوة، ويكتب عن المقهى:
“في المقهى
نعبر قارات ومحيطات بلا أجنحة
يسقط فنجان القهوة
فترتسم خارطة لأوطان ومطارات
تسكن فيها أرواحنا
المسلوبة لخيارات تمت في الخفاء”
مع ختام نصوص الكتاب، وإغلاق دفتيه، تجد نصا على الغلاف الخلفي للكتاب، كتبه “سليمان المعمري” بعنوان “قهوة تحملها معك”، وربما قرأته في البداية “كتاب تحمله معك”، فكتاب بـ١٣ نصا، و٧٧ صفحة، كفيل أن يرافقك حيثما ذهبت، بخفة وزنه، ولذاذة طعمه، وتنوع كتّابه العشاق للقهوة، يمكن أن تقرأه وحيدا على مهل وترتشف مذاقاته بتأنٍ شديد، ويمكن أن تتشارك قراءته برفقة صاحب يستمتع بشرب القهوة مع صوت موسيقي ينبعث من حنجرتك، وأنت تقرأ “قهوة في كل لقاء”.