الاضطرابات الأمريكية: حدود حلم «أمريكا بعد العنصرية»

د. صلاح أبونار –

خلف هذا الاضطراب العام سنجد قدراً من تأثير الجائحة الاقتصادي، وقدرا من الإحساس بالمهانة الجماعية أمام حادث قتل عبثي يستدعي في الذاكرة السوداء أحداثا متتالية مماثلة. غير أن العامل الأهم هو تلك المواريث العنصرية الذي لاتزال تثقل كاهل المجتمع الأمريكي.

جاءت الاضطرابات الأمريكية الواسعة والعنيفة التي أطلقها حادث مصرع جورج فلويد في مدينة منيابوليس في 26 مايو، لتصب الزيت فوق النيران التي أشعلتها جائحة كورونا. وضعت الجائحة النظام الصحي الأمريكي ومعه مجمل توجهه الاجتماعي في العراء، وقذفت بقطاعات اجتماعية واسعة في قلب أزمة اقتصادية حادة، وكشفت عجز النخب الحاكمة بل ومقاومتها لترجيح كفة المصلحة الوطنية العامة على مصالحها السياسية الضيقة. ثم جاء مشهد مصرع فلويد الدرامي الذي سجله ونشره عابر سبيل، لكي يطلق شرارة الصراعات العنصرية بكل نظمها القيمية ومؤسساتها الاجتماعية القديمة والدفينة، وبثقل مواريثها على الذاكرة الجماعية، وبمرارة الآمال المخفقة التي ازدهرت مع دخول باراك اوباما البيت الأبيض ومعه حلم «أمريكا بعد العنصرية»، داخل سياق وطني جعلته الجائحة مهيئا للاشتعال.
سنجد في مصرع فلويد تفاصيل عبثية. فلقد جاء الشرطي للقبض عليه لبلاغ يتهمه بترويج ورقة نقد مزيفة فئة 20 دولارا، ولم يكن يحمل سلاحاً وترك الشرطي يقيده بلا أي مقاومة، وعندما حاول الشرطي دفعه لركوب العربة رفض وألقى نفسه أرضا لخوفه من الأماكن الضيقة. فقام الضابط بوضع ركبته فوق عنق فلويد المقيد والملقى أرضا، ضاغطا بقوه عليها وفلويد يستغيث «أرجوك لا يمكنني التنفس، من فضلك لا تقتلني»، مواصلا الاستغاثة والضابط لا يستجيب ويواصل الضغط. ثماني دقائق كاملة من الاستغاثة والخنق حتى أسلم الروح. ورغم بشاعته لا يشكل نمط الحادث شيئا استثنائيا في منهج الشرطة في تعاملهم مع السود. في 22 نوفمبر 2014 اطلق الضابط تيموثى لويهمان في كليفلاند الرصاص على الطفل الأسود تامر رايس 12 عاما، لأنه تصور أن بندقية الأطفال الخرز التي كان يحملها بندقية حقيقية، ودونما أي اشتباك أو بوادر مقاومة حقيقيه تبرر قتله. وقد يبدو عنف الضابط مبررا إذا وضعنا في اعتبارنا شيوع إطلاق الرصاص العشوائي داخل أمريكا وطلبة المدارس، لكنه سيفقد هذه الصفة بوضعه في سياق حقائق الحادث. رغم تحذير بلاغ الحادث من وجود طفل أسود يلهو بسلاح نبه مقدمه لاحتمال كونه لعبة أطفال، ولكن الإدارة لم تبلغ الشرطي بنص البلاغ الكامل، فذهب متصوراً انه سيواجه طفلا بسلاح حقيقي. والأخطر أن سجلات الشرطي أشارت لمعاناته اضطرابا نفسيا، وأن الإدارة لو كانت قد فحصت سجله المهني بدقة قبل تعيينه لأحجمت عن تعيينه. وتمنحنا دراسة أعدتها صحيفة الجارديان الصورة العامة لتلك العدوانية. في عام 2015 وصل عدد قتلى الشرطة الأمريكية إلى 1134 مواطنا. وبرَد أعداد القتلى إلى كل مليون مواطن، كان نصيب البيض 291 قتيل ونصيب السود 713 قتيلا. والحاصل أن ضحاياهم اكثر من ضعف ضحايا البيض، علما أن نسبة البيض لإجمالي السكان62.1%، بينما نسبة غير البيض وضمنهم السود 37,4%، وأن نسبة البيض غير المسلحين من قتلاهم كانت 17% مقابل 25% للسود .
وفى كل الأحوال تبدو منيابوليس مكانا مثاليا للحادث. وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال في 24 يوليو 2018 تعتبر المدينة ومعها توأمها سانت بول عاصمة مينسوتا رابع أسوأ المدن الأمريكية في ممارسات الفصل العنصري. وتمنحنا الصحيفة مؤشرات رقمية. يصل متوسط دخل الأسرة السوداء 41,5% من متوسط دخل الأسرة البيضاء، وبينما يملك أقل من ربع السود مساكنهم الخاصة يملك 75% من البيض مساكنهم، وتتخطى بطالة السود 12% بينما تقل بطالة البيض عن 4%. ولكن الأخطر هو ممارسات الفصل العنصري السكني. حتى نهاية العقد الأول لم تعرف المدينة ممارسات فصل سكني حقيقية، وكانت أقليتها السوداء تعيش مبعثرة وسط أكثريتها البيضاء. وشهد عام 1910 ظهور أول عقد عقاري يشترط لبيع الأرض أو المنزل ألا يقوم الشاري مستقبلا، ببيع أو رهن أو نقل ملكية أو تأجير العقار لشخص من سلالات غير بيضاء وبالتحديد السود والمنحدرين من سلالة سوداء. ومن هذا التاريخ أخذت تلك العقود في الانتشار ثم تصاعدت من عام 1930، وفي نموها وجدت دعما منظما من شركات التطوير العقاري وبرامح الإسكان الفيدرالي وتوجهات مشاريع البنى التحتية. وفى عام 1948 صدر حكم للمحكمة العليا بتحريم تلك العقود وأصبح نهائيا في 1953، ولكن الحكم وقف عاجزا أمام مواريث الفصل العنصري المؤسسي التي بقيت قوية متحدية. ومن عام 2016 أطلقت كريستين ديليجارد بالتعاون مع جامعة مينسوتا مشروع «رسم خرائط التحيز» الذي يشارك فيه اكثر من 3500 باحث متطوع، للفحص الرقمي لمئات الآلاف من العقود لرصد مدى تأثرها بالممارسات السابقة. ولا يزال الفحص مستمرا وحتى نهاية العام الماضي بلغ عدد العقود العنصرية التي رصدها 32.000 عقد.
جاءت اضطرابات الأسبوع التالي على الحادث لتمنحنا البعد الأمريكي العام لأزمة العلاقات العنصرية، التي جسدتها منيابوليس كسياق تاريخي وكبنية اجتماعية وكحادث قتل عنصري. حتى1 يونيو كانت الاضطرابات قد دخلت يومها السادس على امتداد أمريكا، فيما اعتبره المراقبون أوسع اضطرابات عنصرية منذ مصرع مارتن لوثر كينج 1968. ووصل عدد المدن التي شملتها الاضطرابات 75 مدينة، فرض في العشرات منها حظر تجول، وفى 30 مايو أعلن الحرس الوطني أن 5000 من رجاله ينشطون في 15 ولاية وواشنطن العاصمة. غير أن التطور الأخطر في دلالته كان وصول المظاهرات في 1 يونيو إلى حديقة لافاييت القريبة من البيت الأبيض، وحرقها للدور الأول من كنيسة سانت جون الأسقفية المعروف بكنيسة الرؤساء، وقيام أمن البيت الأبيض برفع الحالة الأمنية إلى المستوى الأحمر، الأمر الذي فرض نقل ترامب وأسرته لفترة إلى مخبأ الطوارئ، ثم تهديدات ترامب باستخدام «الآلاف المؤلفة» من جنود الجيش لفرض النظام.
خلف هذا الاضطراب العام سنجد قدراً من تأثير الجائحة الاقتصادي، وقدرا من الإحساس بالمهانة الجماعية أمام حادث قتل عبثي يستدعي في الذاكرة السوداء أحداثا متتالية مماثلة. غير أن العامل الأهم هو تلك المواريث العنصرية الذي لا تزال تثقل كاهل المجتمع الأمريكي. تمكن الأمريكيون خلال قرن، يمتد من إعلان إبراهام لينكولن تحرير العبيد في يناير 1863 إلى إقرار قانون الحقوق المدنية في 1964، من القضاء الكامل على كل أوجه العنصرية القانونية والحقوقية بتجلياتها المؤسسية. غير أن المجتمع الأمريكي لا يعمل فقط وفقا للمنطق الشكلي للقانون الرسمي ونسق القيم السياسية المصاحب له، بل يعمل أيضا وفقا لمنطق المواريث القانونية والقيمية القديمة التي لا تزال تفعل في أعماق المجتمع، ووفقا لمنطق وتحيزات التوازنات والتحالفات الاجتماعية المسيطرة، ووفقا لمفاهيم ووعي الهوية الوطنية المتغلغلة في وعي النخب الحاكمة. وبين هذين البعدين سنجد مساحة كبيرة من التناقض المؤكد، ومن رحم هذا التناقض يتواصل وجود العلاقات العنصرية القديمة وتتأقلم مع السياقات الجديدة وتبتكر لنفسها أشكالها المعاصرة.
ما هي الأشكال التي تتجلى عبرها تلك العلاقات العنصرية العامة؟
فلنبدأ بالمجال الاقتصادي؟ تصل نسبة البيض من إجمالي السكان 77% والسود 13%، ومع ذلك يملك البيض90% من الثروة القومية بينما يملك السود 2.6% منها. وفى مقابل كل مائة دولار تكسبه عائلة بيضاء، تكسب السوداء 57.3 دولار. ويحظى السود دائما بفرص عمل أقل من البيض. في عام 2002 – 2003 أُجريت دراسة لاختبار مدى تجاوب سوق العمل لمطالب البيض بالمقارنة بالسود، على عينة افتراضية من 5000 طلب عمل وجهت إلى 1300 إعلان وظيفة. وانتهت إلى أن طلبات البيض حصلت على نسبة تجاوب أعلى 50% من طلبات السود المماثلين لهم في الخصائص. وأن طلبات البيض عالية الخصائص حصلت على تجاوب أعلى بنسبة 30% بالمقارنة بطلباتهم منخفضة الخصائص، بينما لم تحصل طلبات السود عالية الخصائص على نسبة واضحة التمايز عن طلباتهم منخفضة الخصائص. ووجدت دراسة ثانية أجريت عام 2013 أن خريجي الجامعات السود فيما بين 22 – 27 سنة، كانت نسبة بطالتهم 12.4% بينما كان متوسط البطالة العام لكل الخريجين 5,6%.
وتشير دراسات إلى تردى أوضاع السود الصحية بالمقارنة بالبيض. حسب دراسة حول تأثير الاختلافات العرقية على الصحة نشرت 1995، كان من الممكن فيما بين 1991 و2000 تلافي 886,000 وفاة بين السود، لو أنهم حصلوا على نفس الرعاية الصحية للبيض. ورصدت دراسة لجامعة ميتشيجن فى 2010 أن مرضى السود، يحصلون على 50% من كمية الأدوية التي تقدمها العيادات الخارجية للمرضي غير السود ومن ضمنهم البيض. ولاحظت دراسة أجريت 2012 أن 67% من الدكاترة، لديهم «تحيزات عنصرية غير واعية» في تعاملهم مع المرضى السود.
والأمر نفسه نجده في التعليم. خلال العام الدراسي 2015 – 2016 شكل الطلاب السود 15% من إجمالي طلاب التعليم العام الأمريكي. ومع ذلك شكلوا 35% من الطلاب الذين أوقفوا مؤقتا عن الدراسة لمرة واحدة، و44% من الطلاب الذين أوقفوا مؤقتا أكثر من مرة، و36% من الطلاب الذين فصلوا من الدراسة نهائيا.
وتتكرر الظاهرة في مجال العدالة الجنائية. تخبرنا إحدى الدراسات أن السود الذين يمثلون13% من السكان يشكلون 40% من نزلاء السجون. وحسب بيانات «لجنة الولايات المتحدة للعقوبات»، يحصل ذكور السود المتهمين على عقوبات أكبر بنسبة19.1% من عقوبات الذكور البيض المتهمين بنفس التهم، وذلك وفقا لتحليل بيانات الفترة من 2012 إلى 2016.