لماذا تتعثر الحداثة في واقعنا العربي؟

عبدالله العليان –

لا تزال قضية الحداثة وما بعد الحداثة، في واقعنا العربي والإسلامي، قضية محل النقاشات والمحاورات الفكرية والسياسية، بين أهل الفكر والثقافة والسياسة. فمن هؤلاء من يرون أن علينا إذا ما أردنا أن نتقدم وننهض مثلما تقدم الآخرون، أن نندمج مع الحداثة الغربية تماماً، ونسير سيرتها وطريقتها حذوا بحذو، ونسلك كل مساراتها الفكرية والثقافية، ونقاطع أو نتجاوز تراثنا وأصالتنا التي تعيقنا عن التقدم، وكل ما كنا نستمد منه التوجيه والاستمداد فهو من الماضي الذي لا فائدة منه، دون أية محاذير أو توجسات مما يطرحه بعض المحافظين أو التقليديين، من أبناء أمتنا، باعتبار الانسلاخ من تراثنا، والالتحاق بالحضارة الغربية، كما سارت عليه، هو الحل للخروج مما نحن فيه من تخلف وتراجع على كل المستويات، وهي الآن حضارة عالمية، بكل المقاييس الراهنة، ويجب ألّا نتحرج من هذه الحداثة وتحولاتنا كما جرت في أوروبا، ولو تطلب الأمر أن نطوي صفحة الماضي تماماً، ونرميه في سلة المهملات، لكي نصل إلى ما وصل إليه الغرب من تقدم ونهوض في كل المجالات، فلا يمكن أن نأخذ من الحضارة التحديث، ونترك الحداثة بشكلها الفكري والفلسفي.
لكن البعض ممن لا يتفقون مع هذا الرأي، يرفضون الشق الفكري والثقافي والفلسفي للحداثة الغربية وإفرازاتها التالية التي انبعثت منها، ويختلفون مع هؤلاء في مسألة الاندماج مع الغرب وحضارته وحداثته الفكرية، ويرون أن الحداثة لا تتحقق من خلال التقليد والاستيراد، من الآخر، أو المحاكاة دون الإبداع من داخلنا ومن فكرنا، كما أبدعوا هم في حضارة الغرب، وهذا تم من رصيدهم الفكري والثقافي، ومن خلال تراث أجدادهم عبر قرون مضت ولم تنبعث هكذا دون مسبقات فكرية وتراثية، وأن مسألة نقل تجارب الآخرين وتقليدهم تقليداً وانبهاراً دون الفرز والانتقاء، لا يعد إبداعاً بل سنبقى كما كنا عالة على الآخرين فيما أنتجوه في مسيرتهم الحضارية والفلسفية، فكل نهضة لا بد لها من حاضن فكري، من الأنساق الفكرية ذاتها، وليس استجلاباً من خارجها ومجرداً من التفرد والإنشاء والإبداع، والأمم كلها قد تتفاعل وتقتبس من الأفكار الدافعة للتقدم من الأمم الأخرى، لكنه يكون مجردا من الاستتباع للآخر في فكره وثقافته وأسلوب حياته، ويتم الأخذ من المنهج والأسس والطرق التي أوصلتهم إلى هذه المقومات الحضارية، ومنها تتحقق لهم النهضة والحداثة والتقدم.
فالمشكلة الأساسية التي يقع فيها بعض المفكرين والمثقفين العرب الذين انبهروا بالغرب في رؤيتهم للنهوض والتقدم المعاصر لواقعنا، أن انبهارهم لما جرى في الغرب من نهضة علمية وفكرية، جعلهم مجرد تابعين لكل ما ساروا عليه مع اختلاف الظروف الفكرية والثقافية بيننا وبينهم، فكل أمة لها رؤيتها الفكرية وثقافتها الذاتية، فهؤلاء المنبهرون بالغرب لا يريدون الانطلاق من داخل ذاتهم و فكرهم، بل يرون أن الوصول للحداثة والنهضة، هو الاندماج في الغرب والانسلاخ من كل ما نملكه في رصيدنا الفكري والحضاري، ولا شئ غير ذلك إذا ما أردنا أن نسير سيرتهم ونملك الحداثة، كما جرت في الغرب، مع مقاطعة ميراثنا وتراثنا تماما، لكي يكون مثل الغرب وهذه للأسف عقلية جامدة ـ مع أنهم يتهمون المخالفين لهم بالجمود على الماضي ـ على ما أنتجه الغربيون، وساروا عليه، ليس بالإبداع، بل بالتقليد والالتحاق به، ويعتقد هؤلاء أن الغرب فعل هذا بتراثه عندما تخلى عن هذا التراث تقدم ونهض وتحقق له ما أراد من تقدم وحضارة ومن ثم الحداثة، وهذا ليس صحيحا تماماً، فالغرب نفسه بدأ من حركة الإصلاح الديني البروتستانتي في أوروبا الغربية، قبل أن تنطلق ما يسمى بحركة الأنوار في القرن الثامن عشر، وما بعدها، وينقل د. محمد عابد الجابري في كتابه (في نقد الحاجة إلى الإصلاح)، عن أحد المثقفين الغربيين في القرن الثاني عشر فيقول هذا المثقف الغربي:» لا يمكن الانتقال من ظلمات الجهل إلى نور العلم إلا بقراءة وإعادة قراءة كتب القدماء بشغف حي ومتزايد، فلتنبح الكلاب، ولتغمغم الخنازير، فإن ولائي للقدماء سيبقى قائماً، وسأظل منصرفاً إليهم بكل اهتماماتي، وسيجدني الفكر منهمكاً في قراءة مؤلفاتهم».
إذن كل الثقافات والحضارات، لا بد لها من الرجوع إلى ماضيها، فكرياً وثقافياً وفلسفياً، من أين ننطلق؟ وماذا نأخذ من تراثنا وماذا نترك؟ وما هو المنهج الذي ساروا عليه؟ وما هو التراث الحي الذي نستفيد منه؟ وما التراث الميت الذي لا نحتاجه؟ كل هذه المنطلقات والرؤى، أسُس مهمة للحضارة والتقدم عند الكثير من الأمم الأخرى، ومنها حتى في عصرنا الراهن، دول آسيوية تقدمت مع الحفاظ على تراثها الفكري والديني، صحيح أن الحضارات تستفيد من بعضها البعض، فالمسلمون استفادوا من حضارة اليونان وحضارة الفرس، وهاتان الحضارتان استفادتا من الحضارات البابلية والفرعونية، والحضارة الغربية استفادت من الحضارة العربية/ الإسلامية في العصور الوسطى، ونحن عندما نريد الأخذ والاقتباس من الغرب المعاصر، فهذا الأمر لا يجب الانسلاخ تماماً من كل ما نملك ونرتمي في أحضان الغرب، أو الذوبان في فكره وثقافته، وهذا الأمر جدير بالنظرة العقلانية الواعية بالذات والآخر، فكل حضارة تستفيد من السابقة، وهذا كما أشرنا إليه آنفاً حدث مع كل الحضارات والثقافات الإنسانية، والغرب نفسه أخذ من الحضارة العربية/ الإسلامية، لكن انتقى مما يراه مناسباً لفكره وتراثه وترك الاندماج مما في ثقافة العرب والمسلمين وفكرهم، وهذا لا يعني أن نهدم تراثنا وهويتنا، ونعمل قطيعة منهجية أو فكرية معه، بل بالعكس التقليد، لا يؤسس تقدماً ولا حضارة ولا حداثة، وهذه معادلة معروفة لمن يسعى للتقدم ونبذ التخلف والجمود.
فالحداثة أو التحديث، قضية العصر، لكنها قضية وعي بالذات والآخر، وهي مسألة لا تحتاج إلى نقاش، وهذا ما عبر عنه أحسن تعبير الباحث/ قاسم شعيب في كتابه (فتنة الحداثة)، إذ يرى: « إن الحداثة المستندة إلى الذات الواعية بذاتها وماضيها ومصيرها يمكنها أن تقرأ الماضي وتفهم الحاضر وتبني المستقبل. وهذه الحداثة المستندة إلى فكر الأنوار الذي يرى للبشرية تطوراً مرحلياً يصبغ تاريخها الطويل، الذي يؤكد التحرر لا يمكن أن يكون إلا نتيجة استخدام العقل، والاحتكام إليه (:)، وهذا يعني أن الحداثة ليست قطيعة مع الماضي، بقدر ما هي تواصل معه، فهي في الوقت الذي تقطع فيه مع عناصره السلبية في الماضي، إلا أنها تفيد من عناصره الإيجابية». وهذه هي سنن التطور والتقدم في كل الأمم والشعوب التي تريد أن ترتقي من واقعها المتخلف، إلى مرحلة أكثر تقدما ونهضة وحداثة.