يوميات الحظر في ووهان

جاو جينج

ترجمة: أحمد شافعي

 

3 ابريل 2020


بالأمس، أصدر مقر الوقاية والسيطرة على وباء كوفيد 19 في ووهان إشعارا بأن المدينة بحاجة إلى استمرار الحظر. ترك كثير من المواطنين رسائل على حساب تشينانيوز الاجتماعي يطالبون بدعم حكومي ويدعون إلى إنهاء الحظر.
كتب شخص يقول: “أعطونا بعض الدعم النقدي. أنا لم أحصل على أي دخل منذ شهرين، ولا يزال عليّ أن أدفع قسط الرهن العقاري”.
وكتب شخص آخر: “لشهرين لم أر خضراوات مدعومة من الحكومة. لا أستطيع الشراء إلا بأسعار مرتفعة. البيض غالي الثمن، وكذلك الخضراوات، ولم أعثر على لحم إلى الآن. لم توفِّر الحكومة من اللحم المدعوم إلا القليل، وأغلبه مخصَّص لكبار السن. فقدت أكثر من عشرة آلاف يوان (نحو 1413 دولار) من دخلي. لا يمكن أن نستمرَّ في الحظر على هذا النحو. سوف أضطر إلى التقدم بطلب لمغادرة ووهان في 8 ابريل فأعثر على عمل في مكان آخر. وإلا فسوف أعجز عن تلبية احتياجاتي هذا العام”.
وقالت رسالة أخرى: “حلِّلوا لجميع سكان ووهان. قد تقول الإحصاءات إن العدوى وصلت إلى صفر، لكننا لا نزال قلقين. متى ينتهي كل هذا؟”
وجاء في رسالة أخرى: “الحظر في ووهان له أثر نفسي عميق علينا. لي صديق عنده شقتان لا تفصل بينهما غير كيلومترات قليلة. سيارته مركونة بجوار الشقة الأخرى. منذ وقت طويل وهو يخطط لزيارة الشقة الأخرى ليحضر السيارة، لكنه لا يجد الشجاعة لكي يخرج من شقته. يقول أبي إن “النهاية الحقيقية للحظر سوف تبدأ حينما يشعر الناس أن بوسعهم للخروج للتمشية حينما يحتاجون إلى ذلك”.

***
تألف عشاء الأمس من عيدان الثوم ولحم الخنزير المقليّ مع حساء الأرز.
كان اليوم غائما. ظهرت الشمس على فترات، وخرج إلى الفناء عدد من الناس يقل عن المعتاد. تساءلت إن كان بعضهم غامر وخرج من مجمعنا السكني.
في الصباح بعث شخص رسالة إلى رئيس البوابين عبر تطبيق ويتشات [وهو منصة إعلام اجتماعي باللغة الصينية] قال له فيها “سيد وين، هل لا زلت تنظم طلبات شراء جماعي للبيض؟”
رد رئيس البوابين قائلا “الآن وقد تم تخفيف الحظر في حينا، يمكن لكل شخص أن يذهب بنفسه إلى السوق. لم نعد نقبل طلبات الشراء الجماعية. نعتذر”.
على إثر ذلك، بدأت امرأة كثيرة الصلات مبادرة شراء جماعي للبيض من خلال مجموعة الجيران على ويتشات. ثلاثون بيضة بستة عشر يوان (قرابة 2.26 دولار، أرخص قليلا من سعر السوق وهو عشرين يوان).
في اللحظة الحالية، محلات قليلة هي التي تعرض خدمة التوصيل. والبعض يشترط حدا أدنى للشراء يبلغ خمس مائة يوان (قرابة 70 دولارا، وهو أكثر من المعتاد في مرة التسوق). كثير من المحلات لا تعرض غير خيارات محدودة من الخضراوات. أتسوق البقالة عبر تطبيق إعلام اجتماعي لأنني لا أريد أن أقضي الوقت واقفة في طابور. أستطيع أن أدبر البقالة لنفسي الآن، وعندي مزيد من الاختيارات. أنا سعيدة.
اشتريت اليوم بعض الفاصوليا المفلطحة الصالحة للقلي. في الأسابيع القليلة الماضية اشتريت البازلاء من خلال طلبات شراء الجيران الجماعية. قرون البازلاء سميكة القشور ولا يمكن أكلها. سكينة المطبخ الجديدة التي طلبتها وصلت اليوم هي الأخرى.
عند العصر، بعث ساكن إلى الجميع عبر مجموعة الجيران في ويتشات: “الجيران الأعزاء: غدا مهرجان تشينج مينج (يوم كنس المقابر). إذا احتجتم أي أوراق نقدية مصورة يمكنكم أن تجدوا البعض منها أمام مكتب اللجنة السكانية”. نظرت من الشباك ورأيت كشكا يبيع الورق النقدي. عند السابعة مساء تقريبا، كان الناس يحرقون الصور النقدية في الخارج حدادا على الموتى.


4
ابريل 2020


اليوم يوم وطني للحداد، مرتب بمنتهى العناية. حضر البعض حفل التأبين عند ضريح ووهان العام، لكن لم يسمح للجميع بالحضور.
كل من سمح لهم كانوا رجالا. بعض نصوص العزاء التي نشرها الناس على الإنترنت حذفها الرقباء بعد ذلك بسرعة.
المقصود من هذه الطقوس التأبينية هو تخفيف غضب الناس من خلال تنفيس جماعي، لكنها لا تترك مساحة تذكر للناس العاديين كي يبكوا موتاهم على طريقتهم الخاصة. فليس مسموحا لنا نحن المواطنين العاديين أن نحضر هذه الطقوس، ولكن بوسعنا أن نأبي التأثر بطقوس التأبين المصطنعة هذه.
مات الكثيرون بسبب التفاوت. تعاملهم الحكومة معاملة الأبطال وتثني عليهم. ولكنها لا تحمِّل أحدا مسؤولية موتهم، وما من تفكير جدي أيضا في سبب موتهم. وليس بوسع مجتمع أن يظل إلى الأبد يهضم ميتات مأساوية، لا بد من البحث عمن يتحمل مسؤولية من ماتوا ومن لا يزالون أحياء.
لم يحصل بعض الأطباء والممرضين على زيادة الراتب التي يستحقونها. بالأمس نشر موقع DXY.cn للعاملين في مجال الصحة على وايبو [وهو منصة إعلام اجتماعي بالصينية] رسالة تساءل فيها: “كم بلغت زيادة الراتب التي تلقيتموها من مستشفياتكم في فترة الوباء؟” جاءت أغلب الردود في قسم التعليقات تقول “لا شيء”. رد أحد الأشخاص: “صفر. ملأت الاستمارات واحدة بعد الأخرى ولم أتلق إلى الآن أي شيء”.
كثير من الناس حزانى على الموتى منذ بعض الوقت، ولم يتوقفوا اليوم عن حزنهم. البعض في حداد على أحبابهم بطريقتهم الخاصة. لكي نتذكر الموتى علينا أن نحارب رقابة الإنترنت. لكي لا نخسر محتوانا الإلكتروني بأن يحذفه الرقباء، نلتقط صورا للشاشات ونحتفظ بها. بل إن صديقة لي قالت إنها تفكر في تصوير الشاشة بالفيديو على مدار الساعة لتسجيل محتواها.


***


أشرقت الشمس اليوم. كم كنت أنتظر الشمس بعد طول الأيام الغائمة، ولكن سطوعها اليوم يبدو غير لائق. أمقت طقوس الحداد العامة محكمة الترتيب. ولا أريد أن أشارك فيها. أريد أن أعزل نفسي عن هذا العالم العبثي.
في العاشرة صباحا أسمع نفيرا عاليا. في مواقع البناء وفي الشوارع، أوقف كثير من الناس أعمالهم ووقفوا في صمت. لكن ليس الجميع. واصل بعض العمال أعمالهم، وبعض المارة واصلوا سيرهم. استمروا في حياتهم وهم حزانى.
كنت أنظف البيت. قبل شهر رفعت مفرش الطاولة وغسلته. ولم أستعمله منذ ذلك الحين.
في العصر، سألني أحد جيراني في مجموعة ويتشات: “هل لم تزل النقود المصورة متاحة؟”. كان الساكن الذي باع النقود المصورة من قبل قد ترك رقم هاتف محمول في المجموعة: “اتصل بهذا الرقم إن كنت بحاجة إلى أي شيء”.
كتبت والدة تونجتونج في جروب الحي على ويتشات: “إلى الصبي المقيم في الشقة 405، أختك تونجتونج بانتظارك تحت”.
المرأة كثيرة الصلات أخبرت الجميع في المجموعة بأن البيض الذي طلبوه وصل. سألت ساكنة: “هل يمكن أن تنتظري قليلا؟ أنا مشغولة مع ابني”. ردت المرأة” “ما رقم شقتك؟ يمكنني توصيله إلى بابها”.


“1002”.


“انتظريني دقيقة”.
“لا تزعجي نفسك لو أنك مشغولة بتوزيع البيض. يمكن أن أنزل وآخذه بنفسي”.
ردت المرأة: “البيض على باب شقتك بالفعل”.


5 ابريل 2020


لكي يعبر الناس عن آرائهم بلا تحفظ، يلزمهم أن يشعروا بالأمان وهم يجهرون بها، وبالثقة في بعضهم بعضا. لكننا نعيش في مجتمع مراقبة وانضباط. فكيف لا نمارس الحذر اللازم؟ يشغلنا أغلبنا أنفسهم بالنجاة، لكن هناك دائما من الناس من لا يرضون بالوضع القائم ومن ثم يصبحون معارضين.
لم أخرج من شقتي خلال الأيام القليلة الماضية. الحياة بين أربعة جدران خانقة بعض الشيء. في الرابعة عصرا، نزلت لأتمشى. لم تكن لدي النية لمغادرة الحي، لأنني لم أكن أريد أن أسجل خروجي ودخولي. غمرتني فور نزولي ضوضاء موقع البناء القريب. بعدما سرت بضع دورات حول المجمع السكني، لم أملك ألا أسير باتجاه البوابة. الحياة مليئة بسلاسل من النضالات الصغيرة.
عند البوابة مسح رجل الأمن جبهتي بمقياس للحرارة وقال: “36.2 درجة”. حصلت على تصريح لمغادرة المجمع.
كان محل الخضراوات لم يزل مغلقا. وبعض الفاكهة بالداخل تعفن.
أقرأ في أخبار اليوم عن إعادة افتتاح مكتب الزواج والطلاق في ووهان ابتداء من 3 ابريل. في طريق رجوعي إلى البيت، أمر على مكتب الزواج والطلاق القريب من بيتي. كانت الساعة قد بلغت الخامسة عصرا حينما وصلت إلى هناك، والمكتب لم يزل مفتوحا، ولكن لم يكن أحد بالخارج. معلق عليه ملصقات بعناوين من قبيل: “إشعار” و”إجراءات” و”اتفاق طلاق”.
مضيت إلى الداخل وسألت موظفة استقبال: “متى تفتحون مرة أخرى؟” قالت: “لا بد من مسح شيفرة الكيو آر [QR code] لتحجزي موعدا”.
“لا أريد التسجيل. لكني مهتمة بمعرفة الوضع الحالي. هل هناك حاليا حالات زواج أو طلاق”.
“الكثير من الاثنين”.
بدا عليها بعض الحذر. توقفت عن طرح الأسئلة ومضيت عنها.
رجعت إلى الحي، رأيت الرجل الجالس أمام منطقة تجميع الطرود يشرب البيرة ويتابع أوبرا صينية على هاتفه. ورجل آخر كان يغسل سيارته أمام مكتب البواب.


6 ابريل 2020


نشر أحدهم في مجموعة السكان على ويتشات قصيدة عنوانها “رسائل لتخفيف الحظر”:
أن تخفف أو لا تخفف
لا داعي للجموح والانطلاق
فلو أصابكم المرض
سنفقد بشرا ونفقد مالا!
أحكم سيطرتك على قدميك
وضع قناعا على فمك
الحياة تعلو على ما عداها
والبقاء أصحاء مهمتنا جميعا.
كان اليوم مشمسا ودافئا. في الحادية عشرة صباحا نزلت لأستمتع بشيء من الشمس. لم يكن في الفناء غير قليلين. كان الرجل لم يزل يشرب البيرة ويتابع الأوبرا. سار إلى سلة القمامة، ونظر بداخلها، وأخرج وعاء قديما مصنوعا من الحديد الصلب. وسار عائدا والوعاء في يده.
في مجموعة الجيران على ويتشات، بدأ أحدهم سلسلة رسائل جديدة عن شراء جماعي للسمك، ورد سكان آخرون معربين عن اهتمامهم.


7 ابريل 2020


كثير من المهاجرين أمثالي جاءوا إلى المدن الكبرى لتحسين أوضاعهم الشخصية. تكلفة الحياة في هذه المدن كبيرة، فلا يكاد كثير من الشبان يعيشون إلا على الكفاف. في هذه المدن أعداد أكبر من الناس والموارد. وهذه المدن قادرة أن توفر لنا الكثير من الفرص والآمال في المستقبل.


8 ابريل 2020


لم أكن أخطط للشروع في كتابة يوميات، ناهيكم عن الاستمرار في ذلك لسبعة وسبعين يوما. ولكنني بعملي ذلك نلت كثيرا من المكاسب غير المتوقعة. الكتابة ضرب من الحوار، حوار مع الذات ومع الآخرين.
اليوم، أعلنت البلدية عن “تخفيف” الحظر، واستعيدت الحركة بين ووهان والعالم الخارجي مرة أخرى. هذا تطور مهم ويكشف أن ووهان تتعافى من الوباء. لكن متي يمكن تخفيف حظر الأحياء المركزية؟ متى يمكن التغلب على ما في أنفس الناس من قلق وخوف؟ مبادرة الحكومة لإعادة تجميل ووهان بالمصابيح أطلقت مرة أخرى شرارة الرومانسية الجماعية. لكن ظروف الحياة في وسط ووهان لم تزل مخفية أو ممحوة.
آثار الوباء لم تزل محسوسة. المتاعفون من كوفيد 19 متروكون لصدمة سيكولوجية وجثمانية مستمرة. كيف يستأنفون حياتهم؟ هل سيستمر الناس من مقاطعة هوباي ومدينة ووهان يتعرضون للتمييز؟ من سيتولى رعاية الشركات التي أفلست والناس الذين فقدوا وظائفهم؟
يصعب تحديد ملامح صدمة المرء النفسية في أعقاب كارثة، ولكن أثرها على حياة المرء قد يدوم ويطول. بين الحين والآخر تعاودني الفتاة التي كنتها في يوم من الأيام. الملتفة على نفسها عديمة الحيلة بعد تعرضها للضرب. لم يزل عليّ أن أواجه تلك الفتاة الصغيرة التعيسة.
يمكنني أخيرا أن أتوقف عن كتابة يومياتي في زمن الحظر. صعب أن يلتصق المرء بعادة يوما بعد يوم. بعيدا عن إعداد الوجبات، هناك أشياء قليلة في الحياة لا بد أن نبقى على القيام بها كل يوم. بين الحين والآخر أستطيع التغاضي عن الخروج من البيت، أو عن غسل وجهي، أو عن غسل أسناني قبل النوم. ما من سبب يحتّم أن تكون حياتنا رتيبة. وإلا فكيف لنا أن نعرف ما في الحياة من ثراء وألوان؟

  • كاتبة صينية هي أول امرأة صينية تكسب قضية في التمييز ضد المرأة رفعتها على مؤسسة حكومية. ترصد هنا يوميات الحظر بسبب كوفيد 19 في المدينة التي بدأ منها كل شيء: ووهان.
    **نشرت هذه اليوميات في مجلة “ووردس ويذاوت بوردرز” عدد مايو 2020 وقد ترجمها من الصينية إلى الإنجليزية هونجواي باو