صورة المرأة في “مسرح آمنة الربيع”

د.عزة القصابي

عرفت الكاتبة المسرحية العمانية آمنة الربيع من خلال مجموعاتها المسرحية (الطعنة، الحلم، البئر)، كما كتبت عددا من المسرحيات: (الرحى، يوم الزينة، المعراج) . وكانت شخصية (المرأة) حاضرة في معظم نصوصها بعدة صور، تمزج بين الكيان الأنثوي والسلطة، وبين الدين والمجتمع. وفي مجموعة آمنة ربيع المسرحية (الذين على يمين الملك، ومنتهى الحب …منتهى القسوة، الجسر)، نجد المرأة تخضع للنظامين الاجتماعي والسياسي بأسلوب يمزج بين الواقع والرمز.

أولا: المرأة في مسرحية (الذين على يمين الملك)

اعتمدت الكاتبة في هذه المسرحية على تقنية “المسرحية داخل المسرحية”، والتي جاءت أقرب إلى اللعبة المسرحية التي تقوم على دخول الممثلين إلى حيز الواقع، ثم الانتقال إلى الزمن الافتراضي. وتدور أحداث القصة حول المخرجة حياة التي تتأهب لإخراج مسرحيتها (الذين على يمين الملك). ويظهر الممثلون وهم يتحاورون معها (بشار ومنار ومجد) حول الأدوار التي سيمثلونها في قصة الملك مهيار المهوس بسلطة الحكم، وصراعه مع أخته فلوة . ويبرز في هذه المسرحية نموذجين للمرأة:

أ.المخرجة حياة:

قامت الشخصية بتحريك الأحداث الدرامية والشخصيات، وهي تحرص على إخراج العرض المسرحي باحترافية عالية، وقدرة على التحكم بالكادر الفني: “بشار: ما رأيك لو رشحت لك بعض أسماء الزميلات. دعد تصلح في دور أختي . حياة: أنا المخرجة . وأنا من تختار”.

ب. (فلوة) أخت الملك مهيار:

يتضح موقف فلوة من أخيها الملك مهيار الذي قام بالانقلاب على حكم أبيه الملك. في حين أن أخته كانت تقف له بالمرصاد، وهي تمثل معارضة الشعب للملك.
ومنذ البداية يتضح الجدل بين الملك وأخته حول السلطة، حيث تعتبر الأخت وجود أخيها في الحكم غير شرعي: “منار: أي سخف أسمع؟ تقتل أبي كمدا، وتجلس مكانه وتصبح ملكا علي وعلى الشعب جميعا. أبهذه البساطة تتحول الصفات (مات الملك، عاش الملك)”. وينشب صراع بين الملك وأخته حول السلطة، ويتضح أن مهيار أخذ الحكم عنوة من أبيه: “مهيار: أنت ترحلين كما رحل أبوك الملك في حكايته، سترحلين في الحكاية مثله. وأنا من سيبقى. لماذا خذلتني”.
وتتكشف أبعاد شخصية أخت الملك عندما يصفها الملك مهيار بأنها تؤمن برؤى النجوم والأفلاك: “مهيار: أعرف ولعك وترددك الشديد على زيارة علماء الملك، كنت أراقبك مثلما راقبت أبي الملك وهو يختلي بعلمائه وكهنته وسحرته ومريديهم”.
وتعلق المخرجة حياة على مصير الأميرة فلوة التي ذهبت ضحية لسلطة أخيها/الرجل/ مهيار: “حياة: أما أخت الملك المسكينة فقد أمر مهيار. بسجنها وضربها، إلا أنها تمكنت من الهروب لتنتقم لأبيها، ولا نعرف أين اختفت حتى الآن. وكما تعلمون يا سادة يا كرام للملك طقوس وعادات وبهرجة”.

ثانيا: مسرحية (منتهى الحب ..منتهى القسوة)

تطرح هذه المسرحية موضوعا إنسانيا يتحدث عن المساواة والعادلة في الحياة. وتخضع شخصية المرأة (الزوجة) للواقع الاجتماعي، وكان عليها أن تقبله وهو يعاني من حالة نفسية بسبب ظروف تعرض لها قبل الزمن الافتراضي للمسرحية، عندما وقع عليه الظلم في المؤسسة التي كان يعمل بها، “الزوج: متى يرحمني الله من هذه الوظيفة يا حبيبتي المدير العام قالها بالحرف الواحد، الأفضل أن ترتاح. الموظفون صاروا يتذمرون من طول لسانك وانتقادك للمسؤولين وللسلطة”.
وأدت الحالة النفسية التي يعيشها الزوج إلى ضياع الحب والتفاهم بين الزوجين. وتعاني شخصية الزوج من الازدواجية؛ عندما يتحول إلى مجرم ثم يعود مرة أخرى إلى واقعه. لذلك فهو يمقت حارس الأمن الذي يعاقب المجرم، ويعتبر فعله هذا غير إنساني: ” الزوج: كيف كنت أفكر في مصير إنسان مسكين، أجدني في واقع يتفكك، واكتشف بمحض موقف تعرضت له كيف تكون وثيقة الزواج مفصلة لخدمة القانون.
وعاشت الزوجة في صراع مع ذاتها، حتى وصلت إلى مرحلة التفكير في الهروب عن زوجها، لأنها عرفت سبب تعاستها وحزنها الدائم. وهي تصف ذلك لصديقتها قائلة: “الزوجة: تصوري بعد هذا العمر اكتشف عدم أهمية وجودي معه”.
وهذا ما دفع بالزوجة للذهاب إلى الشرطة والاعتراف بجرائم زوجها: “الزوجة: ثبت لجهاز الأمن بما لا يقبل الشك أن المجرم يعاني من هلوسات متناقضة، وقدرة عالية على التنكر، وأن ملامحه كما تم التثبت منها، ليس بالطويل ولا بالقصير”.
ورغم اعتراف الزوجة أمام الأمن، إلا أنها تتراجع عندما تعلم أن زوجها سينال العقاب، وتذهب مرة أخرى لتناقض أقوالها، مما يعرضها للعقاب: “المحققة: أيتها المجرمة الكاذبة، الدفاع عن المجرم جريمة. أكل هذه استعمالات شخصية؟ ثبت لدينا بما لا يقبل الشك أن الأسماء حقيقية، تدل على أناس حقيقين يعيشون بيننا”.

ثالثا: صورة المرأة في مسرحية (الجسر)

تعدد أشكال الهزائم في حياتنا منها؛ الاقتصادية والسياسية. وكان بطل مسرحية الجسر على موعد مع الهزائم، أولها عندما كان جندي وتعرض للهزيمة عند الجسر: “أمين: ما زالت أذكر البداية، وكيف صارت النهاية، لا أتذكر الطريق الذي استشهد عليه رفيقنا حيدر إسماعيل وهو يبكي من عجزه لمواجهة زوجته بالهزيمة”.
وتوالت الهزائم في حياة قاسم، لتنتهي بفشله أمام زوجته:” وصال: منذ تزوجتك وأنت مسكون بجراثيم الخيبة والهزيمة، ولا ندخل في نقاش أو حوار إلا وتسعفه من كلامي وآرائي”. ولعل أصعب هزيمة وتراجع في شخصية قاسم أمام شريكة حياته، تتمثل في عدم قدرته على بناء جسر من التواصل معها، و محاولة إسقاط تلك الهزيمة عليها: “قاسم: قولي إنك لا ترغبين بالأطفال من؟ وإنك تريدين إرغامي على التسليم بهذا الأمر للأبد”
ويتصاعد الصراع بين قاسم وزوجته، ليصل إلى مرحلة اليأس وعدم الرغبة في مواصلة الحياة: “قاسم: ارحميني يا وصال من هذا الكابوس اللعين، أرجوك اقتليني قبل أن تقتلني أفكاري وأحزاني، هيا نفذي الحكم” . وبعد مقابلة الزوجة للطبيب تتضح حالة قاسم النفسية والجسمية: “الطبيب: لقد طلب زوجك حبوبا للانتحار، وكان يهددني إن لم أفعل بأنه سينتحر بطريقته”
وفي النهاية يغادر قاسم الحياة، وينسحب مثلما انسحب من ميدان الحرب: “قاسم: لقد جاءت الأوامر العليا تأمر بترك الجسر والانسحاب دون مقاومة أيها الجنود تراجعوا وانسحبوا دون إطلاق النار، معتدل مارش، يمين شمال، قف هروب”
وكان على الزوجة أن تتعايش مع واقع زوجها الجندي العربي المهزوم، الذي اغتصبت أرضه، وأصبح بلا وطن. وكان عليها أن تقبله بجسده المثخن بالهزائم التي أثرت على نفسيته، وجعلته غير قادر على التواصل العاطفي معها: “قاسم: أنا ذلك الجندي العربي المهمش، الذي تحكي له أمه حكايات عن انتصارات الرجال، أنا المنتصر في الفراغ، أنا الممزق بين أقنعة الخيال أنا المخادع أو المخدوع. أنا ذلك الجندي العربي الأخير الذي أطلق رصاصته الأخيرة على نفسه.
بشكل عام اتسمت المسرحيات الثلاث بوجود “المرأة” بأبعادها الفسيولوجية والاجتماعية والنفسية والرمزية. وفي مسرحية “الذين على يمين الملك” اتصفت المرأة، بقوة شخصيتها، وظهرت كند للرجل، كما هو الحال في شخصيتي (حياة، فلوة).
أما في مسرحية (منتهى الحب ..منتهى القسوة) فقد ظهرت المرأة بصورتها النمطية، وهي نموذج للإنسانة المظلومة، والمسيرة اجتماعيا كونها زوجة ويجب أن تطيع زوجها، لذلك تظهر عاجزة عن تغيير واقعها الاجتماعي. ولم تسطع الانفصال عنه رغم الهلوسات الذهنية التي كان الزوج يعاني منها. وحتى عندما تقرر الذهاب لتعترف بجرائمه السابقة، لذا فإنها سرعان ما تتراجع، ويتسبب ذلك في تضارب أقوالها وتعرضها للعقوبة لاحقا.
وفي المسرحية الأخيرة(الجسر) مزجت شخصية المرأة بين الواقع والرمز، على اعتبار أن هذه المسرحية تتحدث عن الصراع العربي في الأراضي المحتلة، وهزيمة الجيوش العربية التي أصبحت غير قادرة على تحقيق النصر ….لذا كان قدر المرأة العيش مع الزوج المهزوم نفسيا وسياسيا بعد “هزيمة الجسر” ونكبة الجيوش العربية.