مستقبل الدولار .. وجهة نظر أمريكية

الحفاظ على مكانة الدولار يتقرر في واشنطن وليس بكين

هنري بولسون- فورين أفيرز
ترجمة قاسم مكي
في أواخر مارس كانت الأسواق المالية الدولية تنهار وسط فوضي جائحة فيروس كورونا المستجد. بحث المستثمرون الدوليون على الفور عن ملاذ في الدولار الأمريكي، تماما كما سبق أن فعلوا في الأزمة المالية عام 2008. وصار لزاما على بنك الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) إيجاد مبالغ هائلة من الدولارات وجعلها متاحة للبنوك المركزية حول العالم. فبعد 75 عاما من نهاية الحرب العالمية الثانية لم تضمحل سيادة الدولار.
هذه الهيمنة المستمرة للعملة الأمريكية لافتة للنظر خصوصا مع ظهور الأسواق الناشئة والتدهور النسبي لاقتصاد الولايات المتحدة من حوالى 40% تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي للعالم في 1960 إلى 25% فقط اليوم. لكن مكانة الدولار ستختبرها قدرة واشنطن على تحمل عاصفة كوفيد-19 والخروج بسياسات اقتصادية تسمح للولايات المتحدة مع مرور الوقت بالسيطرة على دَينها القومي وكبح عجزها المالي الهيكلي.
مكانة الدولار مهمة، فدور الدولار بوصفه عملة الاحتياط العالمية الأولى تجعل من الممكن للولايات المتحدة دفع أسعار فائدة أقل مقابل الأصول المقومة بالدولار. وماهو مهم بالقدر نفسه أنه يمكِّنَها أيضا من تحقيق عجوزات أكبر في الميزان التجاري ويقلل من مخاطر سعر الصرف ويجعل الأسواق المالية الأمريكية أكثر سيولة. وأخيرا، يمنح هذا الدور الأفضلية للبنوك الأمريكية بسبب تعزيزه لقدرتها على الحصول على التمويل بالدولار.
محافظة الدولار على مكانته المرموقة طوال هذه الفترة حالة شاذة تاريخيا، خصوصا في سياق صعود الصين، فعملة الرينمينبي الصينية لديها إمكانية كبيرة جدا لتولي دورٍ منافس للدولار. وحجم اقتصاد الصين وحظوظ نموها في المستقبل وتكاملها مع الاقتصاد العالمي وجهودها المتسارعة لعولمة الرينمينبي كلها عوامل تحبِّذ اتساع دور العملة الصينية في المعاملات الدولية.
لكن هذه الأوضاع غير كافية في حد ذاتها. ولن تغير ذلك النجاحات التي تزهو بها الصين في مجال التقنية المالية بما في ذلك الانتشار السريع لأنظمة الدفع بالهاتف المحمول والمشروع التجريبي الأخير لبنك الشعب الصيني الخاص باختبار الرينمينبي الرقمي. إن عملة رقمية يدعمها البنك لن تبدِّل الطبيعةَ الجوهرية لعملة الرينمينبي.
لا تزال أمام بكين حواجز كبرى عليها تخطيها قبل ان يكون الرينمينبي قادرا حقا على التحول إلى عملة احتياط دولية متفوقة. فهي تحتاج من بين خطوات أخرى إلى تحقيق المزيد من التقدم في الانتقال إلى اقتصاد السوق وتحسين حوكمة الشركات وتطوير أسواق مالية كفؤة وخاضعة لإجراءات تنظيمية جيدة تحظى باحترام المستثمرين الدوليين وتمكِّن بيجينج من إنهاء قيود رأس المال وتحويل الرينمينبي إلى عملة خاضعة لأحكام بالسوق.
يجب أن تكون واشنطن مدركة للرهان الذي تنطوي عليه المنافسة مع الصين. على الولايات المتحدة الحفاظ على مركزها القيادي في مجال الابتكار المالي والتقني. لكن ليست هنالك حاجة للمبالغة في تقدير تأثير عملة الاحتياط الرقمية الصينية على الدولار الأمريكي.
وفوق كل شيء على الولايات المتحدة المحافظة على الشروط التي صنعت مكانة الدولار في المقام الأول. إنها الاقتصاد المزدهر والمتجذر في سياسات اقتصادٍ كُلِّي والمالية العامة السليمة والنظام السياسي الشفاف والمفتوح والقيادة الاقتصادية والسياسية والأمنية في الخارج. باختصار الحفاظ على مكانة الدولار لن يقررها ما يحدث في الصين. بل هي تعتمد تماما تقريبا على قدرة الولايات المتحدة على تكييف اقتصادها في فترة ما بعد كوفيد-19 بحيث يظل هذا الاقتصاد نموذجا للنجاح.

المنافسة الصينية في التكنولوجيا المالية
يتحدث العديدون من زائري الصين في انبهار عن كيف أن الصين صارت بلدا «بلا نقود». فكل شيء من شراء الوجبات الخفيفة من المتاجر الصغيرة إلى منح المال للمتسولين صار يتم الآن عبر الهواتف الذكية ورمز الاستجابة السريعة (شفرات الكيو آر أو الباركودات المربعة الشكل التي يمكن مسحها ضوئيا). وأصبحت صفوف ماكينات السحب والإيداع الآلي من آثار الماضي. وتتزايد باطراد تنافسية الشركات الصينية في مجال التقنية المالية التي يشكل المستهلكون في الصين أكبر مستخدمين لها.
هذه الحقائق تدفع الخبراء باستمرار إلى القول: إن هيمنة التقنية المالية الصينية يمكن أن تعرض للخطر المكانة الدولية للدولار عما قريب.
هذا ليس مدعاة إلى القلق الشديد. كما ليس من الواضح أن الولايات المتحدة تتخلف فعلا في مسائل التقنية المالية. الصين ليست رائدة للتقنية المالية. ولكنها تتبني هذه التقنية وتتوسع فيها بسرعة.
لقد ابتدرت شركتا الصين العملاقتان في مجال التقنية، على بابا وتينسنت، إيجاد خدمات تجعل المعاملات الرقمية أكثر كفاءة. واستثمرت في سوق كبيرة من زبائن ليست لديهم حسابات مصرفية خصوصا في ريف الصين. ووصل استهلاك خدماتها إلى رقم مذهل. فمثلا في عام 2018 بلغ إجمالي قيمة معاملات الدفع بالموبايل في الصين 41.5 تريليون دولار.
كان هذا النجاح ممكنا إلى حد كبير لأن البنية الأساسية المالية الحالية في الصين عتيقة ونظامها المصرفي الحكومي غير كفء. أيضا مهم بنفس القدر أن استخدام البطاقات الائتمانية لم يرسخ أبدا في الصين. لذلك عندما صارت الهواتف الجوالة رخيصة وتفشى استخدامها كان من المعقول تماما أن تحدث قفزة مباشرة من الاقتصاد المرتكز على تداول النقود إلى الصيرفة الجوالة (عبر الإنترنت).
بالمقابل، يجد العديد من الأمريكيين أيضا صعوبة في تذكر آخر مرة استخدموا فيها النقود بخلاف بعض المعاملات البسيطة. فهم يمكنهم تحريك الأموال من حساب مصرفي إلى آخر في اللحظة ذاتها وفي سلاسة. وتعمل خدمات الدفع بالجوال مثل «فينمو» و«آبل باي» بنفس كفاءة خدمتي «على بابا» و«وي شات». لكن الأمريكيين لا يزالون يفضلون إلى حد كبير بطاقات الائتمان لأن استخدامها بنفس سهولة استخدام الهاتف. كما أن البنية المالية الحالية في الولايات المتحدة آمنة ومتينة وموثوقة.
كثًفت شركات التقنية الصينيية من ابتكاراتها للوفاء بطلب الزبائن والتعويض عن عدم كفاية البنية المالية في الصين . إضافة إلى ذلك، بدأت في طرح هذه التقنيات في أسواق البلدان النامية التي حفزتها اقتصاداتها الناشئة على القبول الفوري للهواتف الذكية وقدمت بذلك فرصة كبيرة للشركات الصينية لكسب حصة سوقية.

الشكل مقابل الوظيفة
على الرغم من أن البنك المركزي الصيني يمكنه تدشين عملة رقمية في وقت مبكر لا يتعدى هذا العام إلا أن عناوين الأخبار تبالغ في وصف الكيفية التي يمكن أن يتخذها هذا التحول في الواقع الفعلي. وأولئك الذين يشعرون بالقلق من أن هذا التطور قد يبشر بنهاية صدارة الدولار الأمريكي لا يفهمون حقيقة أن شكل النقود قد يتغير لكن طبيعتها تظل ثابتة.
فالرينمينبي الرقمي سيبقى هو الرينمينبي الصيني. ولا أحد يبتكر النقود من جديد. قد تكون العملة المساعدة المستخدمة للمعاملات مختلفة. لكن احتمال حصول الصين على مكانة عملة الاحتياط يعتمد على مجموعة العوامل نفسها التي تنطبق على الجهة المصدرة لتلك العملة. وعلى الرغم من ان الحكومة الصينية روجت لاستخدام الرينمينبي لتسوية المعاملات التجارية كجزء من مسعى عولمة عملتها إلا أن النفط والسلع الرئيسية الأخرى لا تزال مُسعَّرة بالدولار الأمريكي.يصعب القول أن الميزة التي حظي بها الدولار كعملة احتياط دولية قدر مسطِّر أو محتوم.
لقد تحققت صدارة الدولار فقط نتيجة لاقتران الصدفة التاريخية بكل من الظروف الجيوسياسية بعد الحرب العالمية الثانية وسياسات بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي وضخامة حجم وديناميكية اقتصاد الولايات المتحدة. واليوم قد يبدو «الاحتكار الطبيعي» الذي يتمتع به الدولار الأمريكي ملمحا ثابتا للنظام النقدي العالمي. لكن خلال النصف الأول من القرن العشرين كان كل من الدولار الأمريكي والجنيه البريطاني متنافسين كعملتي احتياط دوليتين.
ومع مرور الوقت من المرجح أن يمنح النظام النقدي العالمي مرة أخرى وزنا متساويا نسبيا لعملتي احتياط أو أكثر. والرينمينبي منافس رئيسي بالنظر إلى أنه عملة احتياط سلفا إلى جانب الين واليورو والجنيه. وما لم تقع كارثة كبرى فإن الاقتصاد الصيني في سبيله إلى أن يكون أكبر اقتصاد في العالم في المستقبل المنظور. كما سيكون أيضا أول اقتصاد كبير يتعافى من أزمة كوفيد-19.
رغما عن ذلك فإن إمكانية انضمام الرينمينبي إلى الدولار كعملة احتياط رئيسية ليست نتيجة محسومة. لتحقيق مثل هذه المكانة ستكون الصين بحاجة إلى إصلاح اقتصادها وتطوير أسواق رأسمالها بطرائق صعبة وتنطوي على اعتبارات سياسية محلية معقدة. لقد تم تأجيل الطموحات الصينية الأخيرة التي استلزمت إجراء تحولات شبيهة مثل تأسيس شنغهاي كمركز مالي دولي مكتمل الأركان بحلول عام 2020. فالمركز المالي ببساطة لا جدوى منه عندما تكون ضوابط رأس المال موجودة والعملة غير خاضعة لمحددات السوق. نفس الشيء صحيح بالنسبة لاحتمال تحول الرينمينبي إلى عملة احتياط كبرى. وعلى الرغم من أن العملة الرقمية التي تدعمها بيجينج لن تقوض في حد ذاتها هيمنة الدولار إلا أنها يمكنها تيسير جهود الصين لعولمة الرينمينبي.
ففي البلدان التي لديها عملات غير مستقرة مثل فنزويلا يشكل الرينمينبي الرقمي بديلا جذابا للعملة المحلية. ويمكن للشركات الصينية مثل تينسينت والتي لها وجود كبير في البلدان النامية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية التوسع هناك مما سيقود إلى حصول الرمينيمبي الرقمي المستقبلي على حصة سوقية بها. ويمكن أن يساهم ذلك في تعزيز المكانة الدولية للرينمينبي ويصبح جزءا من استراتيجية عريضة لعكس النفوذ الصيني الاقتصادي والسياسي في الخارج.

تشجيع الابتكار في الولايات المتحدة
في الوقت الحاضر، على الولايات المتحدة أن تكون أقل قلقا من نهاية سيادة الدولار كعملة احتياط دولية وأكثر قلقا من قدرة قطاعها الخاص على تطبيق تقنيات مالية جديدة. العملة الرقمية ليست فكرة صينية فقط . واستخدامها لا يقتصر على البنوك المركزية. فالابتكارات المالية في العملات الرقمية والمدفوعات عبر الجوال تحدث في القطاع الخاص الأمريكي أيضا.
في الوقت ذاته، تحتوي هذه التقنيات الجديدة على مخاطر جوهرية. وبدون ضمان توفر خصوصية منيعة للبيانات سيكون التبني الواسع النطاق لهذه التقنيات صعبا. إلى ذلك يمكن أن تيسِّر هذه التقنيات الجديدة غسيلَ الأموال والأنشطة المالية غير المشروعة الأخرى . وكل هذه أسباب تدعو إلى القلق.
منذ فترة طويلة ابتدر كل من وادي السيلكون وشارع وول ستريت إيجاد المبتكرات المالية والمنصات الرقمية الجديدة للمعاملات وأشكال النقود الجديدة. وإذا تحققت ثمار هذه الابتكارات من الممكن أن توجد الشركات الأمريكية العملة الرقمية الأفضل والأكثر أمانا في العالم والمحكومة بضوابط متينة ضد المعاملات المالية غير المشروعة.
وستحقق المكاسبُ التي تنتج عن الكفاءة وخفض تكاليف المعاملات فوائدَ محسوسة للمستهلكين. لذلك على واضعي السياسات الموازنة بدقة بين تقليل مخاطر هذه التقنيات الجديدة ودعم قدرة الشركات الخاصة الأمريكية على الابتكار.
والخطورة هي أن السلطات التنظيمية في الولايات المتحدة ربما يدفعها الحماس المفرط إلى نصب المزيد من الحواجز أمام شروع الشركات الأمريكية في خدمة أولئك الذين يفضلون التمويل الرقمي على الصيرفة التقليدية في الولايات المتحدة والعملاء الذين ليست لديهم حسابات مصرفية (لا يتعاملون مع البنوك) حول العالم. وحسب البنك الدولي، يصل عدد هؤلاء الأخيرين إلى حوالى بليوني نسمة ويقطن معظمهم في البلدان النامية التي توجد بها أسواق مالية ضعيفة وعملات غير مستقرة.

صدارة الدولار الأمريكي تبدأ في الداخل
من المؤكد أن على الولايات المتحدة النظر بِجِدِّية إلى الصين كمنافس اقتصادي قوي الشكيمة. لكن الخطر الرئيسي على تفوق الدولار لا يأتي من بيجينج ولكن من واشنطن نفسها. على الولايات المتحدة الحفاظ على اقتصاد يُشعِر العالم بالصدقية والثقة. والإخفاق في بذلك سيعرض مكانة الدولار الأمريكي، بمرور الزمن، للخطر.
تجسد مكانة الدولار السلامةَ الجوهرية للنظام السياسي والاقتصادي الأمريكي . ولحماية هذا الموقع الذي يحتله الدولار يجب أن يظل اقتصاد الولايات المتحدة نموذجا للنجاح وقدوة للآخرين. ذلك بدوره يتطلب نظاما سياسيا قادرا على تطبيق سياسات تسمح للمزيد من الأمريكيين بالازدهار والرخاء الاقتصادي. كما يستلزم أيضا نظاما سياسيا قادرا على الحفاظ على العافية المالية للولايات المتحدة. لا يعرف التاريخ بلدا ظل في القمة دون حصافة مالية في الأجل الطويل. لذلك يجب أن يكون النظام السياسي مستجيبا للتحديات الاقتصادية الماثلة.
أيضا خيارات السياسة الاقتصادية الأمريكية في الخارج بالغة الأهمية لأنها تؤثر على صدقية الولايات المتحدة وتقرر إلى حد كبير قدرتها على تشكيل النتائج على الصعيد الدولي . وللحفاظ على قيادتها على الولايات المتحدة دعم مبادرة لضبط وتحديث القواعد والمعايير الدولية التي تحكم التجارة والاستثمار والتنافس في التكنولوجيا بما يعكس حقائق القرن الحادي والعشرين.
على الولايات المتحدة أيضا الانتباه إلى أن العقوبات الأحادية التي صارت ممكنة بفضل هيمنة الدولار ليست بدون ثمن. فتحويل الدولار إلى سلاح بهذه الطريقة يدفع حلفاء وأعداء الولايات المتحدة على السواء إلى تطوير عملات احتياط بديلة، بل ربما حتى إلى الاصطفاف للقيام ذلك. وهذا هو بالضبط السبب وراء سعي الاتحاد الأوروبي لتعزيز استخدام اليورو في المعاملات الدولية.
بذات القدر، ستقرر الطريقة التي تعيد بها الصين تشكيل اقتصادها انضمامَ الرينمينبي من عدمه إلى الدولار كعملة احتياط رئيسية. لكن إذا طبقت بيجينج الإصلاحات المطلوبة بنجاح، ستوجد اقتصادا أكثر جاذبية للصادرات السلعية والخدمية الأمريكية وستتيح بذلك فرصا متكافئة للشركات الأمريكية العاملة في الصين. إنها تغييرات ستفيد الولايات المتحدة.
قيمة العملة الوطنية بالنسبة للحائزين عليها هي في نهاية الأمر إنعكاس للمرتكزات الأساسية السياسية والاقتصادية للبلد المعني. وستكون الكيفية التي ستخرج بها الولايات المتحدة من أزمة كوفيد-19 اختبارا مهما في هذا الصدد. فأولا وقبل كل شيء عليها تطوير سياسات الاقتصاد الكلي التي تضعها في مسار مستدامٍ لإدارةِ الدَّين القومي والعجزِ الهيكلي للموازنة. ويجب ألا تهدِر الأساسيات التي حافظت على جبروتها الاقتصادي. إنها تتجذر كلها في روح الابتكار والحكومة الفعالة.إذا تمسكت واشنطن بذلك، ستؤمِّن كلَّ أسباب الثقة في الدولار.
* الكاتب رئيس مجلس إدارة معهد بولسون في الوقت الحاضر ووزير الخزانة الأمريكية في الفترة 2006-2009.