الإنسان أولاً

غادة الأحمد

تسبب مقتل المواطن الأمريكي جورج فلويد من ذوي البشرة السمراء والأصول الأفريقية من قبل شرطي أمريكي أبيض وبدم بارد إلى نشوب موجة من الغضب والاحتجاجات والمظاهرات في معظم الولايات المتحدة الأمريكية، ولا زالت مستمرة حتى الآن، هذه الحادثة أظهرت للعالم أن العنصرية لا زالت لصيقة المجتمعات التي تدّعي “الحرية والديمقراطية والمساواة” ويجب محاربتها ومعاقبة ممارسيها بشتى الوسائل والطرق، حتى يعرفوا قيمة الروح التي زرعها الله في كل جسد، وقيمة الإنسان بغض النظر عن دينه وعرقه ولغته ولونه، وتحيلنا هذه الحادثة إلى إنساننا العربي الذي عاش ويعيش لقرون عديدة أنواعاً شتى من الاستبداد والظلم والقهر، وإلى ممارسات القمع والتنكيل وسمت تاريخه الحديث بالتخلف وعدم القدرة على مواكبة ركب الحضارة والتقدم والعلم.
والآن أفكر في كل تلك السلسلة من المستشرقين أو الفلاسفة الذين عناهم التخلف العربي منذ أكثر من ثلاثة قرون بدءاً من الطبيب الفرنسي بيرنيه، ومروراً بفولتير ومونتسكيو وهردر، حتى آخر السلسة، وألاحظ أن القاسم المشترك بين هؤلاء المفكرين هو اعتقادهم بأن التخلف العربي إنما يردّ لهوان شأن المواطن في بلادنا، على طول العصور وأقبل أن يكون المواطن “شيئاً” لا إنساناً، ووجوداً بذاته، لا لذاته ووسيلة لا غاية.. ولكن ليبقى أن عليَّ أن أعنى بحصان السباق أكبر العناية حتى يلبيني ساعة السباق، وأن أعنى بالحقل أكبر العناية لكي يقدم لي محصولاً جيداً، أما أن أجيع الحصان وأذله وأقلل كل صور العناية بالحقل المزروع، وآمل في الوقت نفسه أن يقدم لي هذا محصولاً جيداً، ويحقق لي ذاك سبقاً للأحصنة الأخرى فذلك تناقض ظاهر، ليس وراءه إلا مجرد العبث.
إنه ما من شيء هو فوق الإنسان، ولا حضارة ولا إبداع ولا فن ولا متعة ولا أنس ولا جمال من غير الإنسان، فإذا أردنا أن ندخل في عالم الحضارة. وندع عالم التخلف فلا سبيل إلا الحفاوة بالإنسان. وكلما ازدادت هذه، كانت الآمال أكبر في تحقيق الغايات المنشودة. والعكس بالعكس، وعلى كل حكم عربي أن يطرح على نفسه هذا السؤال:
تُرى إلى أي حدٍّ، تتضاءل هذه الحفاوة، أو تنعدم؟ وبتعبير آخر إن على كل نظام عربي أن يتساءل في شيء من الفلسفة، عن قيمته بالنسبة إلى المواطن، وعما يجده هذا الأخير فيه من مودة أو لا مودة، واحترام أولا احترام، وسمو أو لا سمو. فالنظام لا يكون عزيزاً على المواطنين لوجه الله، وعلى سبيل التبرع الطيب، بل هو عزيز بمقدار ما يقدمه لا للوطن وحده، بصورة عامة، بل وكذلك لكل مواطن على حده.
وسواء قدرنا أن الإنسان وسيلة أو غاية، فإن النتائج ستكون واحدة أي أنها ترغمنا على الحفاوة بالإنسان إلى أكبر مدى. إن كون السلاح وسيلة لكسب الحرب، لا غاية بذاته، لا يمنع من أن تتابع عناية الباحثين بهذا السلاح، ليصبح كل يوم أرقى منه بالأمس، وكذلك فإن كون الإنسان وسيلة لن يغني في المنطق السليم إلا أن ندفع العناية به إلى أبعد الحدود، على اختلاف المعنى الأخير لهذه العناية. فإذا احتقرنا الإنسان وأضعفنا شأنه، ووضعنا من قدره، فيمكن أن نكون واثقين من كل شيء، إلا من قدرته على تقديم خدمة سليمة، متى تجاوز ما نطلبه منه شيئاً آخر أرقى من إرواء الغرائز البدائية.
أولوية الإنسان تفرض نفسها، في عالم جديد يبدو أن ملامحه بدأت بالظهور من الولايات المتحدة الأمريكية لتمتد لتشمل باقي الشعوب التي تبحث عن قيم الخير والعدل والمساواة والكرامة، فهل نأخذ العبرة، ونستعد جيداً لنشارك في صياغة العالم الجديد أم نبقى على هامش التاريخ؟!