نوافذ: من رتب مكتبته قريبا

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com

العنوان هنا؛ لا يتضمن صيغة السؤال عن من رتب مكتبته قريبا، وإنما هو أقرب إلى الصيغة التقريرية، منها إلى الاستفهامية، وهي الذي رتب مكتبته قريبا ماذا عساه أن يجد بين كم الكتب التي تحتويها مكتبته، وهذه الكتب كلها بعناوينها الكثيرة، ومضامينها الكثيرة، ومؤلفيها الكثيرون، وأغلفتها الأكثر، وأوراقها الأكثر الأكثر، فنحن على قلتنا، وكثرة الكتب التي تحتويها مكتباتنا، مأسورين بهذا الكم الهائل من الأفكار، والأطروحات، والأحاديث، والرؤى، والانفعالات، والبرامج والاستراتيجيات، والمصادمات التي أنتجها كل هؤلاء الكتاب والمؤلفين، في شتى العلوم، والمعارف، هم ذاهبون بها؛ بلا شك؛ إلى صناعة حياة جديدة، وإلى الحلم بواقع جديد، وإلى التخلص من كثير من أدران أنفسنا كبشر، وإلى الارتقاء بالسلم الإنساني إلى مصاف النفوس النزيهة، وإلى مصاف العقول الواعية، وإلى مصاف الأماني الرائعة، وإلى العمل دائما للتخلص من تموضعنا في مربعنا الأول.
في كل هذه الكتب التي نرتبها بين كل فترة وأخرى في مكتباتنا، والتي جلبناها، برضا منا، وبسعادة منا، وبآمال كبار منا، من أنها سوف تنقلنا من مربعنا الأول إلى مربعنا التالي، والتالي هنا مسافة ممتدة بقدر الأحلام والأماني التي نرجوها من قراءاتنا، ومن تقصينا لأفكار من كتب هذه الكتب، ومن ألف هذه الكتب، ومن اجتهد في صناعة هذه الكتب، وبقدر أحلامهم بغد أكثر إشراقا، فنحن نشاركهم هذه الأحلام، وهذه الرؤى، وإلا ما كان لنا أن نجلب كتبهم إلى داخل بيوتنا، وتكون شاهد عصر على خصوصياتنا، فهي تعيش بيننا كأفكار، قبل أن تكون كمواد ملموسة، تأخذ حيزا كبيرا أو صغيرا من مساحات بيوتنا التي أفسحنا أبوابها لكي تطل من أوسعها، تحتضنا بحب، وإذا ابتعدنا قليلا؛ لمشاغل الحياة؛ عدنا إليه بشوق المحب.
الكتّاب هم أيضا يحلمون، ويمنون النفس أن تكون أفكارهم عبر كتبهم رسل محبة، ومودة، وتذكرة عبور إلى القلوب والعقول، وكم تكون سعادتهم إذا أربكت قناعاتنا، وغيرت من أفكارنا، فذلك مبتغى الغاية عندهم، ولذلك عندما نعيش بينهم في حفلات التوقيع على كتبهم يقرأون تلهفنا باقتناء كتبهم، وبأنها ستكون محل ترحيب، وسعادة وسرور، في مكتباتنا التي تضمها منازلنا، وإن صغرت مساحاتها، فإنهم يدركون أن قلوب من اقتنى كتبهم هي أوسع مساحة، وقلوبهم أرحب سعادة، ولذلك هم مسرورون.
لذلك فـ “من رتب مكتبته قريبا” يخالجه شعور الفخر بوجوده بين هذا الكم الهائل من المعارف والعلوم، بين هذا الكم الهائل من الأفكار والرؤى والأحلام، بين هذا الكم الهائل من الأنوار المشعة بين جوانب المكتبة الأربعة، وأي نور، وأي إضاءات كونية تتلألأ، لذلك؛ ولربما؛ الواحد منا، وهو في زحمة ترتيب العناوين لا يستحضر معاناة هذا الكاتب، وهذا المؤلف، اللذان سهرا الليالي، وهناك من واصل الليل بالنهار لكي يقدم لقارئه خلاصة فكره، وتجربته، واستقصائه الدقيق للمعرفة، فالمعرفة ليس هينة يسيرة إلى درجة النظر إليها بدونية، ولذلك فاي كتاب تضمه مكتبتك صغيرا في حجمه أو كبيرا في عدد أوراقه، هو مهم جدا، لأنه يضم الـ “كلمة” وهذه الكلمة هي عنوان حياتنا كلها، فكل مشاريع حياتنا تلخصها كلمة، وتباركها كلمة، وتقّوض كمالها كلمة، والكتاب الذي بين يدينا يبدأ بكلمة.
“من رتب مكتبته قريبا”.. مشروع معرفة ممتد، لا يقف عند مرحلة معينة من العمر، ولا تستوقفه لحظات انشغال هنا أو هناك، فإذا استطاعت الساعة الأولى أن تأخذك بعيدا عن الكتاب، فإن على الساعة التالية أن تجبرك جبرا على العودة سريعا إلى حيث هذا الكتاب أو ذاك، فساعة المعرفة هي ترياق الحياة التي نعيشها، ولا بديل عنها، وإلا تكالبت علينا لحظات الجهل من الجهات الأربع، ففروا إلى مكتباتكم، وعانقوا كتبكم، لتسعدوا بطعم الحياة.