أفلح الخليلي: قصة يوسف عليه السلام فيها نموذج واضح وصالح للأخلاق وآخر لمن حاد عنها

لها دورها البالغ ومن شأنها أن تبدد الغفلة –
«الأخلاق» سر سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة والعناية بها مهم جدا –

متابعة: سيف بن سالم الفضيلي –

أكد الشيخ أفلح بن أحمد الخليلي أمين فتوى بمكتب الإفتاء أن العناية بالأخلاق مهم جدا فهي سر سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، جاء ذلك في محاضرة له بعنوان (معالم الأخلاق في قصة يوسف عليه السلام) مشيرا إلى أن في قصة يوسف نموذجا واضحا وصالحا للأخلاق ونموذجا آخر لمن حاد عن الأخلاق؛ فالقصة لها دورها البالغ ومن شأن القصة أن تبدد الغفلة.
موضحا أن المواقف والمعالم في قصة يوسف عليه السلام عظيمة كثيرة في المحن والشدائد في الرخاء والفضل واليسر وفي كل تلك المواطن كان يوسف عليه السلام محسنا ولم يتخلَ في إحسانه في جميع تلك المواطن وكان مثالا للأخلاق، وهذا يوجهنا إلى قاعدة أخلاقية عظمى وهي أن الأخلاق لا بد أن تبقى معك مهما تغيرت الأحوال لا يمكن أن تلبس لظروف اليسر لباس الأخلاق ثم تتخلى عنه في أوقات الشدة.
ونبّه أمين الفتوى إلى أن الأسرة المبنيّة على البعد عن الأخلاق تنقلب إلى خصام ونكد. وأشار إلى أن الفتن المنتشرة في بعض البلاد الإسلامية كثيرا منها سببها خلاف أخلاقي لوجود طرف لا يحسن التعامل مع الأخلاق ويقدم مصلحته على مصالح مجتمعه.. والى ما جاء في المحاضرة.

موضوع الأخلاق كما يؤكده الشيخ أفلح الخليلي يتعلق بكل واحد منا تعلقا مباشرا في مسيره ومصيره لأن المسير موصل إلى المصير، والمصير متعلق بالمسير وكلاهما متعلق بالأخلاق، فلهذا من المهم جدا أن نعنى عناية بالغة بموضوع الأخلاق لأنها هي سر سعادته في دنياه وسر سعادته في أخراه.
اضرب مثالا لذلك تصوروا لو أن الواحد منا يعود إلى أهله وقد بنيت أسرته على البعد عن الأخلاق، عندما يعود إلى زوجته يعود إلى خصامٍ نكدٍ ويستقبله أولاده بالسب والشتم وقبح الألفاظ ولاذع الكلمات ويقابلهم هو بالمثل، وعندما ينتقل من بيته إلى عمله يجد في العمل نكداً وخصوماتٍ وما إلى ذلك، فمن الطبيعي أن هذا الشخص ستتحول حياته إلى جحيم، ولهذا الأخلاق سر سعادة في الدنيا والآخرة.
ويتطرق أمين الفتوى إلى ما يحصل من فتن في بعض البلاد الإسلامية: نحن نجد كثيرا من الفتن في الدنيا سببها خلاف أخلاقي وهذا جلي في الفتن المنتشرة في بعض البلاد الإسلامية، نجد خصومات بين مسلمين يرفعون جميعا شعار (لا إله إلا الله) لكن بعضهم في التطبيق –ولسنا في مقام حكم على طرف من تلك الأطراف- لكنا نجد انه لا بد من وجود طرف على الأقل لا يحسن التعامل مع الأخلاق ويقدم مصلحته على مصالح مجتمعه.
ويوضح أفلح الخليلي أن في قصة يوسف عليه أفضل الصلاة والسلام مواقف تبين لنا نموذجا واضحا وصالحا للأخلاق كما أنها تبين في الوقت ذاته نموذجا لمن حاد عن الأخلاق، وهذان النموذجان المتقابلان يوضحان لنا بعض مثل الأخلاق، وذكر الله سبحانه وتعالى هذه النماذج حتى نعتبر بها (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى).
فالقصة لها دورها البالغ ومن شأن القصة أن تبدد الغفلة (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين).
ويذكر الخليلي الموقف الأول من خلال القصة: يوضح لنا سوء الأخلاق وهذا الموقف لإخوة يوسف عليه السلام الذين نشأوا في كنف نبي من الأنبياء وراعاهم هذه النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بمراعاة عظيمة وأخلاق جمة لكن حادوا عن ذلك كله، والله تعالى ذكر هذا الموقف في قوله جل شأنه (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِين)، لاحظوا أن إخوة يوسف اجتمعوا بعد أن غلت مراجل الحقد في قلوبهم ولم يستطيعوا أن يكتموا حقدهم في قلوبهم فأفضى بعضهم إلى بعض بما تكنه قلوبهم وبعد أن أفضى بعضهم إلى بعض تجد أن كل واحد منهم يقول شيئا في عن معاملة أبوهم ليوسف معاملة حسنة فزاد كل واحد منهم من حقدهم على يوسف عليه السلام.

مزايدات عجيبة

ويضيف: وبعد المزايدات وصلت المزايدة حدا عجيبا غريبا لأنه قرروا أن يتخذوا موقفا من أبشع المواقف التي لا تتقبلها النفس الإنسانية مع عدوها اللدود فلاحظوا ترتيب الكلام (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِين) ترتيب الكلام بأن يوسف عليه السلام وأخوه (الشقيق) حبيبان إلى أبيهما وهما أحب إلى أبيهم من بقية الإخوة؛ فالإخوة الآخرون قرروا الانتقام.
هل تتصورن أحدا لا يميز احد أولاده بحب قلبي فإذا كانت جريمة أن يحب الأب احد أولاده حبا اعظم مع أن الحب مما لا يملكه الإنسان، فالوالد مطالب بأن يعدل بين أولاده فيما يمكنه الاختيار أما بالحب فليس مطالبا بالعدل لأنه ليس مما يملكه، فهم يحملون الأب جريمة حبه ليوسف وأخيه، وفرعوا على ذلك حكمين صارمين احدهما أن الأب في ضلال وليس مجرد ضلال وإنما في ضلال مبين وفرعوا الحكم الثاني الذين هم جهة تنفيذه هو أن يقتلوا يوسف والجريمة التي اتهم يوسف عليه السلام ليس هو فاعلا فيها بمعنى يوسف عليه السلام محبوب وليس محب بمعنى ان الجريمة فعل غيره وليست فعله، ولاحظ ترتيب الكلام فكل كلمة من هذه الكلمات وضعت موضعها بإحكام رباني حينما حكى كلامهم ممزوجا بعواطفهم وقرب لنا هذه المثال حتى نعتبر ونستفيد من هذه القصة وحتى لا يعمينا الحقد ونتخلى بذلك عن مثل الأخلاق.
اجتاز جملة من كلماتهم؛ واصل إلى خاتمة الكلمات عندهم وهي (وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِين) الشيطان أحيانا حينما يقدم عرضا للناس يقدم لهم عرضا بتوبة، العرض الذي يقدمه الشيطان نفسه مكتوب في الأخير التوبة النصوح لله تعالى، وهذه التوبة النصوح هي في الواقع توبة كاذبة.
هذه التوبة -لأنها مطية الوقوع في العصية- هي قبل المعصية ولو كان صاحبها صادقا في عزمه أن يتوب لما وقع في المعصية لأن من مقتضيات التوبة أن يندم ندما شديدا على المعصية وأن يتمنى أن لو كان يمكنه أن يتدارك هذا الأمر.
لكن هذه التوبة قدمها لإخوة يوسف عليه السلام فتلقفها هؤلاء الإخوة وأكدها بعضهم لبعض أن هذه معصية عارضة وبعد ذلك يمكنكم أن تتخلوا عنها وان ترجعوا إلى ربكم مرة أخرى.
إن المعصية التي كانوا يأملون أن يكونوا بعدها قوما صالحين جرت عليهم ويلات من المعاصي من عقوق لأبيهم من الكذب والافتراء عليه من زيادة الحقد الدفين على أخيهم ومن جملة عظيمة من مظاهر وتجليات المعاصي بعد ذلك.

موقف ثان..

وتطرق الخليلي إلى الموقف الثاني (موقف مراودة امرأة العزيز)، الله تعالى ذكر لنا هذا المشهد وأوضحه لنا بصورة واضحة لأن النفس الإنسانية التي كانت موجودة في عهد يوسف عليه السلام هي نفس الإنسانية الموجودة في عهدنا وهذه النفس الإنسانية مستمرة وشهواتها مستمرة فلا بد أن تواجه هذه النفس شهواتها ليس بقطع دابر الشهوات وإنما بتوجيهها الوجهة الصحيحة حتى نستفيد من هذه الشهوات لأن الشهوة يمكن أن تجلب للإنسان نفعا إذا أحسن توظيفها.
ننظر إلى قصة امرأة العزيز مع فتاها يوسف عليه السلام الذي نزل منزلة المملوك بين يديها، الله تعالى يحكي ذلك في قوله (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُون ، وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين).
ويتابع: امرأة العزيز تعرضت ليوسف عليه السلام بالقول والفعل وتهيئة الأسباب بتهيئة نفسها وإغلاق الأبواب إغلاقا محكما حتى أن القرآن حينما عبر عن ذلك قال (وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ) فذكرت الأبواب بالجمع وعبرت بتشديد الفعل (غلق) لم يقل (أغلقت الأبواب) هذا التعبير يدل على إحكام وكأنك يا يوسف قد هيئ لك الجو فأنت آمن تماما ويوسف عليه السلام في ريعان شبابه وكان غريبا بمعنى انه لا يحاذر أن يطلع عليه أبوه وإخوته وقرابته، هو غريب بعيد وكثير من الناس يوازنون الأخلاق بميزان القرب من مجتمعهم والبعد عنه، لكن يوسف عليه السلام لا يقيس بهذا المقياس بتاتا وانما يقيس بمقياس آخر فالمثل عنده لا يمكنه التنازل عنها مهما كان الظروف ولهذا رفض تماما أن يقدم أي تنازل أمام إغراءات امرأة العزيز والسبب في ذلك ليس مجرد صبر يوسف عليه السلام في أثناء الموقف بل يوسف عليه السلام هيأ نفسه قبل هذا الوقف تهيئة إيمانية حتى استطاع النجاح في هذه الموقف لاحظوا الآية التي تقدمتها، الله تعالى يقول (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين) فنجاح الواحد منا في اختبار ليس وليد لحظة الاختبار وإنما هو نتاج إعداد بالغ، يوسف عليه السلام كان محسنا وتقيا وصالحا ولهذا صان نفسه عن الشهوات غض بصره عن الحرام صان فرجه عن الحرام، هيأ نفسه إيمانيا ربط نفسه بالله تعالى مع اخذه بأسباب العلم ولهذا منحه الله تعالى العلم (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين) ولذلك لم يلتفت لإغراءات امرأة العزيز ومعسول كلامها وجمال وعدها وأنوثتها وما إلى ذلك وإنما تخلى عن ذلك كله لله تعالى ووجد نفسه ضعيفا واستشعر ضعفه ولهذا لجأ إلى القوة العظيمة التي تخلصه من كل موقف فقال (قَالَ مَعَاذَ اللّهِ) والمؤمنون إذا أصابهم طائف من الشيطان تذكروا فهم يستعيذون بالله تعالى من وسوسة الشيطان أكان الشيطان انسيا أو كان الشيطان جنيا فقال يوسف عليه السلام (قَالَ مَعَاذَ اللّهِ) وتذكر نعمة الله تعالى التي غمرته من قمة رأسه إلى أخمص قدميه.

تهيئة كل الأمور

ثم يذكر أمين الفتوى: الله تعالى هيأ له النزل في هذا المكان هيأ له أسباب الإقامة المريحة هيأ له العلم والحكم ورزقه الإحسان كما انه هيأ له حتى امرأة العزيز التي أمرها العزيز نفسه أن تكرم مثواه فتهيأت له كل هذه الأسباب فمن الطبيعي أن يذكر المنعم المتفضل عليه بصنوف النعم، وذكر نعمة الله تعالى من أعظم الوقايات التي تقي الواحد منا من المزالق لأن من تذكر نعمة الله يستحيل أن يقع في شيء من معاصي الله تعالى، يستحي أن يستخدم نعمة الله تعالى في معصية الله تعالى.

عدم التخلي عن الأخلاق

يشير الخليلي هنا إلى أن المواقف والمعالم في قصة يوسف عليه السلام عظيمة كثيرة في المحن والشدائد في الرخاء والفضل واليسر في كل تلك المواطن كان يوسف عليه السلام محسنا ولم يتخلَ في إحسانه لا في المراودة ولا في قصر العزيز ولا في السجن ولا حينما يسر الله تعالى له أبواب الأرض يتبوأ منها ما يشاء ففي جميع تلك المواطن كان مثالا للأخلاق، وهذا يوجهنا إلى قاعدة أخلاقية عظمى وهي أن الأخلاق لا بد أن تبقى معك مهما تغيرت الأحوال لا يمكن أن تلبس لظروف اليسر لباس الأخلاق ثم تتخلى عنه في أوقات الشدة.
يوسف عليه السلام كان مثالا للأخلاق حتى عندما لاقى اخوته الذين كانوا سبب محنته وشقائه ففتح لهم أبواب صدره حتى استطاع أن ينقذهم من المعاصي التي وقعوا فيها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم.