في زمن كورونا.. مثقفون عرب بين القراءة والكتابة للابتعاد عن الضغوط

استطلاع: خلود الفزارية

في زمن الكورونا أصبح كل فرد من الأسرة حبيس المنزل، وباتت الشوارع خاوية من البشر، إلا من كان مضطرا ليقضي حاجة عن كل من في البيت ليعود مسرعا ويعقم يديه ويغسل وجهه ويستبدل ملابسه، لم تعد هناك الحركة المألوفة للمجتمع وبالتالي تم إلغاء كل الفعاليات والأمسيات واللقاءات التي اعتادها أصحابها، ولم يعد متاحا إلا اللقاءات الافتراضية التي تتم عبر الشاشات.
في زمن الكورونا غلقت الأبواب، وأصبح عداد الوقت يتأرجح في مروره وكأنه لا يريد أن ينتهي، والتهى كل شخص بأمر معين، بل وتكشفت مواهب لأناس لم ينظروا فيها قبل الكورونا.
“عمان الثقافي” استطلعت آراء بعض المثقفين العرب لمعرفة ماذا فعل كورونا بهم، وهل اختلفت أيامهم قبل زمن الكورونا وأثناءه، وما هي أهم الأمور التي يقوم بها المثقف في هذه الفترة من أيام كورونا-كوفيد 19؟؟

حاجة وعائق

 

– سامر أنور الشمالي: فرق شاسع بين العزلة الارادية والقسرية


سامر أنور الشمالي ناقد وروائي وقاص سوري يخبرنا بقوله: “الأديب يحتاج إلى عزلة لإنجاز مشروعه الأدبي، فالقراءة العميقة والكتابة الإبداعية تحتاج إلى انقطاع عن العالم الخارجي ماديا، رغم أن الأدب الحقيقي هو انشغال عقلي بهذا العالم الذي يضج بالحركة خلف الجدران التي يقبع فيها الأديب بسكون يحتاجه لينجز مشروعه الأدبي على أكمل وجه، لكن الكاتب كغيره من البشر يحتاج إلى الاجتماع مع الناس ليتعرف بشكل مباشر على تجارب حياتية حقيقية يستوحي منها الشخصيات الخيالية التي يمنحها الحياة الافتراضية لتعيش على صفحات روايته وقصصه. وهنا نجد العزلة عائقا يحول دون انخراط الأديب في لجة الحياة التي يجب ألا يبتعد عنها أكثر مما ينبغي”.
مضيفا: “هنا يجب الانتباه أيضا إلى الفرق الشاسع بين أن يعزل الأديب نفسه بإرادته متى يريد، أو أن يفرض عليه العزل القسري، فهذا ينعكس سلبا على مزاج الكاتب الذي قد يقع في الكآبة كغيره من الناس المحجورين، بل قد يعيق قلمه عن الانطلاق في الكثير من الأحيان لهذا السبب، ولكن هذا لا يعني أن كثيرا من الأدباء أتاح لهم الحجر وقتا فائضا للكتابة بشكل أكثر غزارة، مع العلم أن الغزارة في الإنتاج لا تقدم السوية الفنية الاحترافية بالضرورة!”.
واسترسل قائلا: “أما عن تجربتي الخاصة فهي معقدة لأنني بطبعي أميل إلى الكآبة، والعزلة تضخم هذا الإحساس الكريه، لهذا أحاول عدم التورط بالملل فوق الحد المحتمل، مع العلم أنني لم أكن أعيش حياة صاخبة من قبل، ولكن قلة التواصل مع الزملاء والأصدقاء تزيد من حدة الإحساس بالوحدة لهذا أحاول القراءة والكتابة قدر استطاعتي، لعلي أداوي نفسي بنفسي. مع العلم أن تقلص مساحات النشر بعد أزمة الكورونا جعلت كمية العمل للكاتب أقل وهذا ما يزيد من أوقات الفراغ التي تعمق الإحساس بأن هناك حظرا يحاصرك نفسيا، وماديا أيضا، وهذا ينعكس سلبا على الحالة المزاجية للكاتب الذي تكون معاناته أكثر حدة لرهافة إحساسه التي يفترض أن يتمتع بها”.

تقبّل الأقدار

 

– نهلة فيصل الاحمد: فرصة لإعادة النظر في تأسيس ثقافة لا تؤمن بالثوابت


نهلة فيصل الاحمد كاتبة وباحثة أكاديمية ومحاضرة في الجامعة وناقدة من سوريا، ترى بأن كورونا فرصة لإعادة النظر في تأسيس ثقافة عميقة وجديدة لا تؤمن بالثوابت وتحضر الجمهور للأقدار والمتغيرات، وتبني ثقافة التقبل، تقبل الأقدار بما تأتي به إلينا وبما تأخذه منا، محاولة ترسيخ فكر كوني والحرص على البقاء والاستمرار، وتقول: “والمهم في كل موضوع كورونا علينا بناء اقتصاد قوي متنوع لا تزعزعه المتغيرات بسهولة، نحن نقرأ ونفكر في إرساء فكر عالمي موحد يمكننا المساهمة في نشره والتأثير على الجمهور من خلاله”.

بين ثلاث شاشات ومكتبة

 

– أحمد خضر: يتقافز للذهن ماذا كان يفعل الناس قبل أربعة قرون عندما إجتاح العالم وباء الطاعون ولم توجد التكنولوجيا


وبدوره يقول أحمد خضر صحفي وكاتب سوداني: “إن مع فرض الحظر لا خروج، خاصة الى اماكن الثقافة، المنتديات الثقافية والمقاهي وما الى ذلك، اصبح الوقت موزعا بين ثلاث شاشات (موبايل ولابتوب وتلفاز) وأحيانا نعكف على قراءة الكتب سواء روايات او كتب نقد ادبي او فكر وفلسفة بحسب ذائقة القراءة في لحظة الوقوف بالقرب من المكتبة بالبيت، العمل اونلاين من المنزل نقوم بتحرير المواد الصحفية او مقالاتنا وارسالها للجهات التي نعمل معها عبر البريد الالكتروني او الواتساب، ونخرج ايضا في ساعات السماح للتسوق ونرى الشوارع خالية بلا ضجيجها المعتاد، فنحس بغرابة ترى فيما كان كل ذلك الضجيج”.
وتابع: “في زمن الكورونا ابتدع المثقفون الانتداء عبر الوسائط، فمنذ بداية الجائحة شاركت في عدد من الندوات والنقاشات عبر مجموعات الواتساب وبعض المجموعات الثقافية بالفيسبوك، أذكر شاركت في نقاشات حول التنوع الثقافي بمناسبة اليوم العالمي للتنوع الثقافي وأيضا حول اليوم العالمي لحرية الصحافة واليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، وتحضرني تجربة مهمة شاركت فيها بالنقاش وهي مجموعة مسرحية سودانية اسمها (منطقة صناعة العرض المسرحي) ابتدعت عرضها المسرحي عبر لايف فيسبوك مع دعوة مشاهدة جماعية وبعدها نقاشنا العرض وتجربة الوسيط الالكتروني والتفاعل الجماهيري عن بعد وكان يحضرنا في تلك اللحظة سؤال ماهو شعور المؤدين مع اختفاء ضحكات وتصفيق الجمهور او حتى صفيرهم للحظة مؤثرة في العرض؟
المهم ان زمن الكورونا ربما هي تجربة فريدة نوعا ما، وتحدٍ بشري يمر به الناس لأول مرة في هذا القرن ويتقافز للذهن ماذا كان يفعل الناس قبل اربعة قرون عندما اجتاح العالم وباء الطاعون، حينها كان لا وجود لتلفاز ولا وسائط ولا حتى توفر كتاب لكل شخص فهل قضى على الناس في ذلك الوقت الطاعون أم الملل؟؟”.
واضاف: “لكن التجربة من كل ذلك قدرة الإنسان على التكيف مع المحيط والمستجد والتأقلم على أكثر الأمور تعقيدا، فيروس كورونا حقيقة ماثلة سيظل بعد ذلك مرضا موجودا في حياتنا شأنه شأن الانفلونزا والملاريا والتيفوئيد وبقية الأوبئة علينا التكيف معه سواء بالوقاية او بالعلاج، وبعيدا عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة بعد ذلك فكل المؤشرات تقود الى مستقبل جديد للبشرية ونظام عالمي جديد لها وهنالك صناعة سوف تعيد ترتيب نفسها على رأسها صناعة الدواء والعلاج السفر والسياحة”.

محاربة الضغوط

 

غفران طحان: نحتاج أن نخرج من الضغوط لنكتب


غفران طحان كاتبة سورية تقول: “أنا شخص يعمل بشكل أكبر تحت الضغط، لذلك عندما أجد نفسي في ضيق وقت، أنجز الكثير من المهام أقرأ كثيرا وأكتب وأمارس حياتي الاجتماعية من لقاءات الأصدقاء والأقارب، رفقة ضغط العمل الكبير، في بداية الحجر الصحي، شعرت بكم هائل من الفراغ، ذاك الفراغ الذي قيّد إنجازي كما قيد حركتي، وبتّ أنتقل في صفحات الأخبار أتابع مستجدات الفيروس وعدد ضحاياه الذي يتزايد بشكل كبير.. وصرت كغيري مهووسة بالتنظيف والمعقمات.. ولكنني لم أتخلّ عن عادة القراءة، والتي بدأت وتيرتها ترتفع مع هبوط مستوى الهوس، أقرأ كثيراً، أنجزت خلال هذه الفترة ما يقارب العشرين كتابا، أتابع السينما وهي عالم جميل يسرقنا من كلّ هذا الجنون، وأكتب أقل مما توقعت..
وما زلت عند رأيي، لا يمكن إنجاز عمل مهم أدبي أو فني عن تفصيل نعيشه، نحتاج أن نخرج من الضغوط لنكتب، ونقول رأينا في عمل فني حقيقي..”.

خدمة المجتمع

 

جمال مامو: تداعيات كورونا ليست بالأمر السهل والمثقف يلاحظ انعكاساتها على المجتمع


فيما يوضح الكاتب جمال مامو من سوريا أنه انغمس في القراءة وفي القيام بمشروع عمل إنساني قائم عليه لأن أحوال الناس تضررت نتيجة توقف الأعمال، وقال: “قمنا بتقديم المساعدات للاجئين، إضافة إلى القراءة، أما عن باقي المثقفين فأعتقد بأنهم في حالة توقف وتأمل في هذه الجائحة”.
مضيفا: “إن التداعيات التي فرضها انتشار كورونا ليست بالأمر السهل، والمثقف العربي يلاحظ انعكاساتها على المجتمع، وخاصة مسألة التباعد الاجتماعي كوننا مجتمع عربي تفتخر بالقرب والعلاقات وأواصر القربى والتجمعات الأسرية ولكن كورونا فرض علاقات من نمط جديد فضلا عن توقف قطاعات الأعمال”.