هوامش…ومتون: من رحم البيت إلى حضن الحياة

عبدالرزّاق الربيعي

للخروج من البيت بعد رفع الحجر الصحي “فوبيا” تشبه “فوبيا” العودة للمدارس لبعض طلبة المراحل الأولى، بعد انتهاء الإجازة الصيفية، وبدء عام دراسي جديد، وهو خوف يصاحب الإنسان عندما ينتقل من “منطقة آمنة”، ألفها، واعتاد عليها، خصوصا أنّها حمته من خطر محدق يترصّده، إلى منطقة مفتوحة على الاحتمالات، التي من بينها خشية مخالطته لمصاب يحمل الفيروس دون علمه، فصار فضاء البيت حضنا آمنا، وملاذا حصينا، هذا الخروج يشبه خروج الجنين من رحم أمّه الضيّق إلى العالم الواسع، ولكنّ مغادرته المنطقة الآمنة (الرحم) تجعله يطلق صرخات مشوبة بخوف من المجهول! هذا المثال يذكّرني بمشهد محفور في ذاكرتي، رغم مرور سنوات عديدة من مشاهدته، ذلك المشهد من الفيلم الأمريكي “الفراشة” للمخرج فرانكلين شافنر، وبطولة: ستيف ماكوين، وداستين هوفمان، فبعد أن يُحكم على بطله “بابيللون” بجريمة لم يرتكبها، يرسل إلى جزيرة في غينيا، فيحاول الهروب أكثر من مرة، فيقبض عليه، ويلقى بسجن انفرادي، لمدة عامين، وتكون الزنزانة مظلمة، بقبو لا مخرج منه إلّا من الأعلى، وبعد انتهاء العقوبة، يأتي الحرّاس ليفتحوا الباب من فوق، فيتسرّب الضوء إلى داخل زنزانته، وفجأة يُصاب بحالة من الهستيريا، وكأن خيوط الضوء سياطا تلهب ظهره، لأنه اعتاد على الظلام، فصار الضوء يخيفه!!
وهذا شبيه بما يحصل للبعض هذه الأيّام، فبعد أسابيع من الشحن النفسي، والضخّ الإعلامي باتّجاه ضرورة التباعد، وتجنّب المخالطة المجتمعيّة! كيف يمكن للعقل الباطن الذي صار مقتنعا بذلك الخطاب، مستسلما له، أن يعيد برمجة نفسه، وتهيئتها لاستقبال معلومة جديدة تتّصل بـ”مناعة القطيع”، ليبدأ العزف على وتر الشاعر الذي قال:

ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له:
إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماءِ

لكنّ الخارج من بيته، لممارسة أعماله، يغادره، هذه المرّة، وعلى وجهه كمّامة، وبيديه قفازان، ومكتّفا بالكثير من الوصايا الطبّيّة، التي تحذّر من التخالط، وتوصي بالتباعد، خشية التعرّض للإصابة بالمرض، فالذين يغادرون بيوتهم، من المحتمل سيواجهون صعوبة في التكيّف مع الحياة الطبيعيّة، فما كانوا يعيشونه بشكل طبيعي لم يعد كذلك بعد الحجر، وبالطبع تختلف هذه الحالة من شخص إلى آخر، تبعا لوضعه النفسي، فهناك من يتكيّف بعد ساعات من خروجه من البيت، وهناك من يحتاج إلى أيّام، لكنّ الجميع في النهاية سيتكيّف، عاجلا أو آجلا، مع شيء من الحيطة، والحذر، واكتساب عادات جديدة تتماشى مع الوضع الصحي العام، فالكمّامات، والمعقّمات، والقفّازات، أصبحت من اللازمات التي لا يمكن الاستغناء عنها، فـ”كورونا” ما زال ينشب أظفاره في رئات المصابين، وينشر الخوف، والذعر في نفوس الأصحّاء، وإلّا رجعنا إلى منطقة الخطر، وبذلك ستكون الوطأة أثقل كونها سيصاحبها شعور عام بالإخفاق!
وما دامت الحياة بدأت تعود تدريجيّا، وشيئا، فشيئا إلى طبيعتها، فإن هذا التهيّب سيختفي بمجرّد الانغماس في الحياة، وتفاصيلها، مثلما يحصل مع طلّاب المراحل الدراسية الأولى، فسرعان ما يندمجون، مع بعضهم البعض، والإمام علي بن أبي طالب (رض) يقول “إذا هبّت أمرا، فقع فيه، فإن شدّة توقيه أعظم مما تخاف منه”، فالأصل في الحياة هي الحركة، أمّا السكون، فهي حالة طارئة مثل الجائحة التي عصفت بكوكب الأرض، فشلّت حركته، وجعلت البعض من الناس يتهيّبون من الحياة الطبيعيّة!
وهنا ينبغي علينا شحن العقل الباطن، وتغذيته بطاقة إيجابيّة، وتزويده بمعلومات جديدة تركّز على أنّ الحياة لابدّ أن تستمرّ في جميع ظروفها، وحالاتها، وتقلّباتها، ولتكن مغادرتنا البيت أشبه بخروجنا من رحم البيت إلى فضاءات الحياة الأكثر رحابة!