معركـة الانتخـابات الأمريكـية وأزمــة «الإعـلام» و«تـويتـر»

فتحي مصطفى –

من المعروف عن الانتخابات أنها صراع يجري بين طرفين أو أكثر للفوز بمقعد مزعوم، سواء كان على المستوى الرئاسي أو البرلماني، أو حتى أقل مستوى من الانتخابات، وكأنها حرب مستعرة يستخدم فيها كل طرف ما يتاح له من أسلحة ليصوبها تجاه الآخر، كتصيد الأخطاء أو البحث في الدفاتر والسجلات عن فضائح أو تجاوزات يضعف بها كل منهما موقف الآخر ويوجه له ضربة في الصميم، ولما لا وقد تغير المفهوم من سباق على شغل المناصب، إلى «معركة»، بكل ما تحمله من معانٍ، وأيا كان مستوى الهجوم.
ولنرى مثلا تعليق جو بايدن الذي جاء عبر حديثه لقناة «CNN» حول امتناع ترامب عن ارتداء الكمامة أثناء فعاليات كثيرة وأمام الكاميرات، وأنه يجب عليه ارتداء الكمامة وسط تجمعات الناس، كما وصفه بأنه يسعى للاستعراض من خلال ذلك، وهو ما قد يزيد من حالات العدوى والوفيات بين صفوف الشعب الأمريكي، لأن هناك فئات منهم تتخذ من زعيمهم رمزا ويقومون بتقليده، على حد قوله.
بينما أعلن دونالد ترامب أنه في حالة فوز منافسه «جو بايدن» في الانتخابات التي ستجري نوفمبر المقبل، فإن ذلك سيتيح لدولتي الصين وإيران السيطرة على الولايات المتحدة.
وعلى مستوى الأزمة الأخيرة التي نشبت بين «دونالد ترامب» وموقع «تويتر» التي اندلعت بسبب نشره تغريدة تحدث فيها عن احتمالية تزوير بطاقات الاقتراع التي ترسل عبر البريد، قائلا إنه ستتم سرقة صناديق البريد التي تحتوي على بطاقات الاقتراع، كما سيتم تزوير تلك البطاقات، مؤكدا أنه سيتم طباعتها وتوقيعها بطريقة احتيالية وغير قانونية، بحسب تغريدته على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، وقيام الموقع بحث متابعيه ودعوتهم إلى تقصي حقيقة ما ينشر من تغريدات لترامب، معتبراً أن ادعاءاته فيما يخص الاقتراع بالبريد خاطئة ويجب التأكد منها وتدقيقها.
فقد كان بمقدور «ترامب» احتواء الأزمة بتقديم مبررات لتلك الشكوك، بدلا من إعطاء الأمر أكبر من حجمه ويخسر منصة من أهم النوافذ التي يستخدمها للإعلان عن قراراته وتصريحاته ووجهات نظره، في الوقت الذي تتسم فيه علاقته بوسائل الإعلام بعدم الاستقرار بل وعدم الوفاق، وهو ما أكده تصريحه الأخير بأنه «لا تصالح معهم»، برغم ما يتمتع به الإعلام الأمريكي من نفوذ وسطوة داخل عقول وبيوت الأمريكيين، ويمكنهم من خلال ذلك رفع شأن أي سياسي، أو النزول به أرضا.
لهذا الخلاف تاريخ معروف يعود إلى فترة الانتخابات الأولى له، حيث لم يقدم له الإعلام الدعم اللازم كمرشح، بل كان يستهين به ويتخذه كمادة للترفيه، باعتبار أن فوزه في الانتخابات أمر مستحيل، بالإضافة إلى ترويج فكرة أنه لم يترشح للرئاسة بغرض الفوز في الانتخابات، ولكن كدعاية يستخدمها للترويج لشركاته ونشاطاته الاقتصادية والتجارية.
ولم يستفد الإعلام الأمريكي من الدرس، في أنه ليس بيده وحده ترجيح كفة مرشح عن آخر، فلم يعمل، بقنواته المتعددة، على محاولة رأب الصدع الذي أصاب جدار العلاقة بينهم وبين الرئيس الأمريكي الجديد، والتي كانت على خير ما يرام مع الرؤساء السابقين، فكانوا يهاجمونه ويوجهون له اتهامات، ولا يتركون فرصة إلا ويستغلونها لانتقاده والنيل من شعبيته.
وللأسف فإن «ترامب» ذاته هو الذي يعطيهم الفرصة لذلك، بسبب قراراته وتصريحاته غير المدروسة في أحيان كثيرة، والتي يفاجئ بها في أحيان كثيرة معاونيه ومستشاريه داخل حدود البيت الأبيض، وخارجه.
وبرغم كل ما يشهده من هجوم عليه من الإعلام، وإعلانه بأنه لا تصالح مع الإعلام، باعتباره «ثأرا»، لم ينتبه إلى أن رد فعله تجاه «تويتر» ونيته إغلاق أو تقويض صلاحيات منصتي «تويتر» و« فيسبوك»، سيكون بمثابة رصاصة توجه إليه هو شخصيا من منطلق حبس الحريات وانعدام الشفافية، إذ بدلا من تقديم مبررات لاتهاماته أو انتقاداته، يصدر قرارات مثل الغلق أو تقييد الصلاحيات، فضلا عن التصريحات التي أطلقها نيابة عن الجمهوريين في جملته : «يشعر الجمهوريون أن منصات التواصل الاجتماعي تعمل على إسكات أصوات المحافظين تماما»، وقال أيضا: «تويتر يخنق بالكامل حرية التعبير، وبصفتي رئيسا لن أسمح لهم بأن يفعلوا ذلك».
جميعنا يعلم أن الرئيس الأمريكي ترامب يقع في الأخطاء، مثل أي إنسان على وجه الأرض، أو حتى على المستوى السياسي، إلا أن ما يمارسه الإعلام ضده يعد بمثابة حملة أو حرب «أيديولوجية» لإعاقة عمله أو لتفشيله والتشويش عليه، خصوصاً بعد محاولات الديمقراطيين لعزله مرتين.
من الضروري بل والمنطقي، أمام «ترامب» أن يصلح علاقته مع الإعلام ويوطدها بدلا من شن الهجوم عليهم، فهو الآن ليس بقوة انتخابات الفترة الأولى من رئاسته، خصوصاً بعد ما حدث في أزمة كورونا والانتقادات الكثيرة التي وجهت إليه، وفشل الإدارة الأمريكية في إدارة الأزمة حتى وقتنا هذا.