اقتصاد العالم إلى أين بعد كورونا؟

إميل أمين –

المثلث الرأسمالي العالمي، عرف تقليديا بأضلاعه المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وهذا وضعها، أما اوروبا فحدث ولا حرج عن الوضع السيئ الذي آلت إليه، وكذا الخسائر غير المسبوقة التي لحقت بها من جراء الفيروس.

أحد أهم الأسئلة المطروحة على مائدة النقاش حول العالم في الأيام الأخيرة: إلى أين يمضي الاقتصاد العالمي بعد أزمة كورونا، تلك التي ضربت كالصاعقة الكرة الأرضية من أدناها إلى أقصاها؟
الشاهد إن السؤال لأهميته يحتاج إلى سلسلة من القراءات، غير أنه في اختصار غير مخل ينبغي الإشارة إلى القوى الكبرى والمحركات الاقتصادية العالمية لتبيان حقيقة المشهد في الحال، وتوجهاته في الاستقبال، فماذا عن ذلك؟
بداية لم يحسم علماء الاقتصاد والمراقبون حتى الساعة وضع الأزمة لا سيما حال المقاربة مع أزمتين سابقتين، الكساد العالمي في أوائل ثلاثينات القرن الماضي، وأزمة الرهونات العقارية الأمريكية في نهايات العقد الأول من القرن الحالي.
في هذا السياق يؤكد المراقبون أن الإشكالية بحال من الأحوال ستتجاوز خسائر الولايات المتحدة الأمريكية التي تسببت فيها إشكالية ما يعرف بـ «التوريق»، أي التقديرات غير الواقعية للعقارات على الورق، ما تسبب في إفلاس بعض كبريات البنوك الأمريكية، والسبب هنا واضح وبسيط، فأزمة 2008 كانت أمريكية بشكل كامل حتى وإن تركت بعض التأثيرات على بقية العالم، وسرعان ما تم التعافي منها خلال نحو ثلاثة أعوام.
لكن كورونا جائحة ألمت بالعالم كله، ولم يخل اقتصاد غربي أو شرقي من آثارها، ولهذا فإن تشابك العلاقات المعولمة يطرح مخاوف جدية من أن يكون الأثر السيئ للكورونا أعمق وأفدح مما هو ظاهر للعيان على النحو الذي نراه حول العالم في الوقت الحاضر.
من أين يمكن لنا أن نقيس أبعاد المشهد الاقتصادي العالمي في علاقته مع كورونا؟
لتكن البداية من عند الولايات المتحدة الأمريكية والتي لا تزال تعتبر القاطرة الأممية للاقتصاد العالمي، حيث تسيطر على حوالي 38% من التجارة العالمية، ولا يزال الدولار الأمريكي هو العملة الاحتياطية الأولى منذ زمن اتفاق «بريتون وودز» في منتصف الأربعينات وحتى أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.
المؤكد أن نظرة سريعة على أحوال الاقتصاد الأمريكي تبين لنا فداحة المشهد، وهنا لا نتحدث عن أكثر من مائة ألف حالة وفاة، وأكثر من مليون ونصف مصاب فقط، وهذه تكلفة لا تقدر بالأموال، وإنما التبعات الاقتصادية الظاهرة بدءا من نحو أربعين مليون أمريكي قد فقدوا وظائفهم، وتبين معدلات البطالة الأمريكية في الأسبوع الأخير أنها بلغت نحو 15%، ويمكن أن يصل هذا المعدل إلى 20 % مع حلول شهر نوفمبر المقبل، أي زمن الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
ما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية حدث اقتصادي عالمي جلل، سوف يؤثر على بقية أرجاء العالم، سواء من ناحية ردة الفعل الطبيعية لدوائر الاقتصاد العالمي من جهة، أو لناحية ما تخطط له الولايات المتحدة كإجراءات ثأرية من الصين وهذه قصة خطيرة بدورها.
تبدو أركان الاقتصاد الأمريكي في حالة اهتزاز كبيرة لا سيما بعد المعلومات الرسمية التي صدرت عن بنك اطلانطا الفيدرالي الأسبوع الماضي وفيها إشارة إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في الربع الثاني من العام الحالي، أي من مارس إلى يونيو بنسبة41 %، الأمر الذي يعني أن ملايين الشركات الصغرى والمتوسطة عبر أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية سوف تتعرض للإفلاس، وأن جميع البرامج الحكومية الخاصة بالمساعدات لن تقوى على انتشالها من الخطر المحدق بها، وبالتبعية سيجد الملايين من الأمريكيين انفسهم في العراء المادي والوظيفي، ما يعقّد المشهد الاقتصادي الأمريكي.
جزئية أخرى موصولة بنوايا إدارة الرئيس ترامب التي تتماس مع القضايا الاقتصادية في تشابكاتها وتقاطعاتها مع الصين، والسؤال هنا ما الذي ينويه الرئيس ترامب ناحية بكين؟
وقت كتابة هذه السطور كان الرئيس ترامب يعد بأن بلاده سوف تتخذ موقفا رسميا من الصن هذا الأسبوع، ومع ظهور هذه السطور للنور تبقى الاحتمالات مفتوحة على كافة الأصعدة .. ماذا يعني ذلك؟
المؤكد أن لدى إدارة الرئيس ترامب يقينا قاطعا بأن الصين هي التي تسببت في كارثة كورونا سواء بطريق مباشر يهدف إلى إلحاق أكبر الأذى الاقتصادي بالإمبراطورية الأمريكية، أو بطريق غير مباشر حين أخفت عن العالم بحسب التقديرات الغربية حقيقة الفيروس الذي أصاب أمريكا بخسائر أفدح مما تكبدته في الحرب العالمية الثانية بشرا وحجرا.
هنا من الواضح ان الرئيس ترامب سوف يتخذ إجراءات اقتصادية ما تجاه الصين، ربما تتمثل في تعطيل الاتفاق التجاري، والذي كان من المقرر أن ياخذ مجراه عما قريب، وهذا أمر له تبعاته على الاقتصاد العالمي برمته.
أما الإجراء الذي يمكن أن يؤدي إلى اضطراب غير مسبوق في الأسواق وحرب اقتصادية قد تنحو لأن تضحى عسكرية، فيتمثل في قيام واشنطن كما أعلنت من قبل بمطالبة الصين ببضعة تريليونات من الدولارات تعويضا عما لحق بها من خسائر، وهو أمر سوف تنضم فيه أوروبا وكندا وأستراليا إلى أمريكا، ما يعني أن الصين ستجد نفسها أمام استحقاقات اقتصادية دولية كارثية ولا يعرف أحد كيف سيكون الرد.
هل الأمر هنا مقصود به تعطيل عجلة الإنتاج الصيني التي بدأت تدور وبسرعة كبيرة مرة أخرى؟
المتابع لحركة ناقلات النفط حول العالم في الأسبوعين الأخيرين يمكنه ان يرصد وبسهولة شديدة 117 ناقلة نفط عملاقة تتجه نحو الشواطئ الصينية لتفرغ نحو مليوني برميل، في مشهد يمثل أكبر ناقلة نفط تسير نحو الصين، ما يعني ان الصين تعاود شراء النفط الخام من كل أنحاء العالم، وأن الدولة التي كانت الضحية الأولى لكورونا، هي الآن الأكثر تعافيا منه، وها هي تستعيد إنتاجها، بل أكثر من ذلك إذ يشير خبراء وكالة بلومبيرج الاقتصادية إلى أن الصينيين يشترون كل ما يرونه حول العالم متاحا للبيع لا سيما في أوروبا وإفريقيا من شركات في مختلف المجالات، مستغلين الفائض المالي المتوافر لديهم من قبل، لا سيما بعد انخفاض أسعار العديد من تلك الشركات الكبرى.
المثلث الرأسمالي العالمي، عرف تقليديا بأضلاعه المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وهذا وضعها، أما اوروبا فحدث ولا حرج عن الوضع السيئ الذي آلت إليه، وكذا الخسائر غير المسبوقة التي لحقت بها من جراء الفيروس.
يتبقى المثلث الثالث المتمثل في اليابان، وهذه قد صدمت العالم الأيام الماضية حين صرح رئيس وزرائها «شينزو آبي»، بأن فيروس كورونا سوف يكلف اليابان نحو اثنين ونصف تريليون دولار خسائر، أي 40% من الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يحدث مرة كل مائة عام في اليابان ويؤثر تأثيرا كبيرا بالسلب على الاقتصاد الياباني.
السؤال ومن جديد هل لنا في العالم العربي أن نستعد لتلك الموجات الاقتصادية الهادرة الآتية بخطط ومشروعات تكاملية وتعاونية؟

البديل الآخر بكل أسف سيكون سيئا للغاية..
طرح القضايا المصيرية يكون من الذات لا من الآخرين.