“محمد أبو عزيز” .. فنان يعكس بهاء الحرف العربي

محمد أبو عزيز


عمّان – العمانية: تنتمي أعمال التشكيلي الأردني محمد أبو عزيز إلى المدرسة الحروفية، مزاوجةً بين فن الزخرفة الإسلامي والمنمنمات من جهة وبين انسيابية الخط العربي وتشكيلاته الهندسية من جهة أخرى.
ويتجلى الفضاء الدلالي على أسطح أعمال أبو عزيز محمَّلًا بالمعاني الإنسانية والقيم والمثل، سواء تلك التي اختار فيها مقاطع من الشعر أم اقتبس فيها مقولات من النثر.
ويُبرز أبو عزيز في أعماله سلطة الخط وحضورَ الحرف وبهائه، وينتقي ألوانًا تناسب التركيب الجمالي لأنواع الخطوط ولمضمون اللوحة وشكلها وما تفيض به من دلالات ومعانٍ، إلى جانب حرصه على الضوابط المميزة للخطوط العربية المتعارف عليها كالكوفي والأندلسي والثلث.
وينبع هذا الالتزام لدى أبو عزيز من احترامه للخط العربي وجمالياته المتوارثة التي يجب أن لا تُمَسّ، مع إمكانية التجديد والعصرنة فيها من خلال استثمار عناصر اللوحة من الألوان والأشكال والتناسق والتجانس.
بدأ شغف أبو عزيز بالحروفية منذ طفولته، وثابر الفنان على تطوير مهاراته بما أتيح له من سبل وما توفّر له من مواد، ثم صقل شغفه بدراسته للفنون الجميلة في جامعة اليرموك، وخاض أولى تجاربه في رسم الحروف وتشكيلها على الزنك ومن ثم النقش على الرخام.
دمج أبو عزيز الحرف العربي بالفن التشكيلي والنحت، ما مكّنه من تقديم أعمال وازنت بين الحفر والتشكيل كما في تجربته “تقاسيم الملح” التي عُدَّت رائدة في مجالها، إذ خطّ الفنان على سطح الملح مقاطع لشعراء معروفين، ومقولات لمفكرين عرب وغربيين، ووثقها المصور الفرنسي جان لو دو سوفرزاك بالصور التي عُرضت في عدد من المعارض الدولية.
وكانت هذه التجربة التي تمثل محطة مهمة في مسيرة أبو عزيز الفنية، استثمرت دلالات الملح الذي يحمل العديد من الرسائل الإنسانية والكونية، ومن النصوص التي اتكأ إليها المشروع في خطابه: “أنتم ملح الأرض، فإن فسد الملح بماذا يملّح”، و”الأزلية هي البحر ذاهبًا مع الشمس”، و”لنترك ظلَّنا ونحلم”. وقد استخدم أبو عزيز فيها العديد من التقنيات في الكتابة والحفر، مثل القصبة والطباعة التي تشبه الجرافيك وتنخيل الملح مع رمل البحر، والصخور للمزج بين الأبيض وتدرجات الأحمر.
وفي تجربة لاحقة بنى أبو عزيز لوحاته على فكرة دمج الشكل باللون بما يقترب من المدرسة التجريدية، ساعيًا إلى تحرير السطح من أيّ قيود يمكن أن يفرضها حضور الحرف بهندسته الصارمة، وإيجاد لغة بصرية تُوالف بين وحدة الشكل والتصوير والبناء والأسلوب واللون. وهو ما تمثله تجربة كتب فيها أبو عزيز نصوصا عن مدينة البترا الأثرية على الرمل مستوحيًا بعض المقولات المرتبطة بفكرة التراب والماء والهواء، ثم استخدم لإكمال مشروعه خامات أسطح متنوعة كالكانفس والخشب.
ويعتني أبو عزيز بالملامح الجمالية للخط العربي داخل فضاء اللون، إذ يظهر التقطيع المدروس للفراغات على سطح اللوحة، وتتوزع مفردتا الظل والضوء، وتتراكب الألوان التي تتزاحم داخلها الأشكال الحروفية المنحنية والملتفة والمتداخلة، بما يقترب من حالة صوفية روحانية تجعل أعماله تنبض بالحيوية وتنفتح على الدلالة والتأويل.
ومن التجارب في هذا المجال ما قدمه أبو عزيز في معرض “سلّم الروح” والذي تضمن لوحات حروفية إضافة إلى أعمال تركيب وإنشاء، كسلّم مكوّن من حبال يشبه الدرَج، وارتباطاته التأويلية مع المحيط الخارجي اجتماعيًا أو اقتصاديًا أو سياسيًا. كما حضرت فكرة الكرسي إلى جانب فيديو فني يعرض لفكرة التكرار البصري وبعده الجمالي.
وفي هذه التجربة الحداثية حاول الفنان أن يصنع توليفة من تقنيات فنية متنوعة، لكنها جميعها تشير إلى البعد الصوفي والروحاني في الفن عمومًا وتقاطعه مع حياة الإنسان في مفاصلها المختلفة.
يُذكر أنّ أبو عزيز عضو في رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين وجمعية الخطاطين الأردنيين، عمل مدربًا متخصصًا في مجال الفنون البصرية، وأسس مساحات تعبيرية في مؤسسات تعنى بالأطفال واليافعين، وهو يعمل مدرسًا للخط العربي في معهد الفنون الجميلة التابع لوزارة الثقافة الأردنية.