تدابير وقائية مع استئناف العمل

د. فيصل بن مبارك بن سالم البدري
أخصائي صحة وسلامة وأمراض مهنية

تابعنا جميعا قرارات اللجنة العليا المكلفة ببحث آليات التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا والتي شددت على التزام جميع المؤسسات المدنية والخاصة بوضع إجراءات تنفيذية لاستئناف العمل.
هذه القرارات جاءت بناء على دراسات علمية أكدت أن أماكن العمل يمكن أن تكون ذات أهمية استراتيجية لمنع تفشي الأوبئة، وتقليل تبعاتها الاقتصادية على المجتمع، فإصابة موظف واحد في مؤسسة ما قد يؤدي إلى نقل العدوى إلى بقية الموظفين أو المراجعين مما يتسبب في تحول هذه المؤسسة إلى بؤرة للانتشار المجتمعي للعدوى. كذلك، يمكن لظهور هذه البؤر أن يؤثر بشكل كبير على إنتاجية العمل بسبب غياب الموظفين المصابين بالمرض، وعزوف المراجعين أو المستهلكين عن زيارة تلكم المؤسسات خوفا من العدوى والذي سيؤثر حتما على إيراداتها. لهذا، يمكن أن تلعب تدابير السلامة والصحة المهنية دورًا حاسمًا في احتواء الأزمة والذي يمكن تحقيقه إذا ما تضافرت جهود كل من الحكومة ومسؤولي مقرات العمل و الموظفين.
دور الحكومة هو وضع السياسات العامة لإجراءات الصحة والسلامة المهنية في مواقع العمل المختلفة. للقيام بهذا الدور، تمتلك دائرة الصحة البيئية والسلامة المهنية في وزارة الصحة ودائرة السلامة والصحة المهنية في وزارة القوى العاملة من الكفاءات التي تمكنهما من إقرار البنود الاسترشادية العامة، التي ستساعد بدورها الجهات المدنية الأخرى والشركات الخاصة على وضع الإجراءات التنفيذية التي نادت بها اللجنة العليا. الأمر الآخر، يجب علينا الاستفادة من تجارب هذه الأزمة العالمية الاستثنائية واستخلاص الدروس المستفادة لتحديث لوائح الصحة والسلامة المهنية للقطاعين العام والخاص بحيث تكون شاملة ومتوافقة مع قوانين الصحة والعمل الدولية، حتى نكون مستعدين لأي جائحة أخرى في المستقبل لا سمح الله.
الدور الأهم يقع على عاتق المسؤولين في مقرات العمل، والذي يتمثل في الالتزام بقرارات اللجنة العليا بالمبادرة بوضع إجراءات تنفيذية واضحة وموثقة كتابيًا للحد من انتشار الفيروس في أماكن العمل المسؤولين عنها. هذه الإجراءات التنفيذية يجب أن توضع بما يتوافق مع الحقائق العلمية عن الفيروس، ويجب أن تراعي الجوانب الاجتماعية والصحية للموظفين.
إن دور الموظف في هذه السلسلة لا يقل أهمية عن دور البقية، فالتزامه بالإجراءات المقررة لن يوفر على جهة عمله التبعات المالية والإدارية لتفشي المرض فقط، بل سيحمي كذلك نفسه وعائلته من الإصابة بمرض قاتل في بعض الأحيان، وسيحمي مصدر الدخل الذي يعيل به أسرته من خلال استمرارية إنتاجية العمل في مؤسسته وتنامي إيراداتها. لذلك، علينا جميعا أن نعي أن الالتزام بقرارات اللجنة العليا، والتقيد التام بالإجراءات الاحترازية هو واجب وطني للخروج من هذه الأزمة العالمية بأقل الخسائر وبدروس مستفادة نستقي منها التخطيط للمستقبل حتى تستمر مسيرة النهضة المتجددة والتي بإذنه سبحانه وتعالى ستنقل عمان إلى مستقبل مشرق وزاهر.