جائحة كورونا .. صعوبات ومزالق المقارنات الدولية

صلاح أبونار –

منذ انطلاقها من أواخر يناير أضحت جائحة كورونا تسيطر تماما على عالمنا، دفعت الجائحة بأغلب الصراعات الدولية إلى خلفية المسرح السياسي، وسيطرت على إيقاع عالم العمل والإنتاج والتجارة، وأعادت تشكيل مساحة واسعة من علاقات العمل بشكل يبدو مؤقتًا لكنه يحمل معه آثارًا مستقبلية عميقة، وفرضت على قطاعات اجتماعية كثيفة عزلة ذاتية وقيودًا استهلاكية شكلت خبرة جديدة في المجتمع الصناعي الاستهلاكي الحديث، ستشكل منطلقًا لمراجعات واسعة وعميقة للأساليب التي يفرضها ويعممها. ووسط كل تلك التحولات لم يعد يشغلنا سوى التفكير فيما يتتابع أمامنا، والنقاش والبحث فيما فرضته الأحداث من أزمات وتحديات، ومحاولة استخلاص النتائج وبناء التوقعات المستقبلية.
وفي سياق هذا الاهتمام العقلي الواسع والمكثف تقدمت إحصائيات الجائحة ومعدلاتها إلى مركز النقاش، ومعها أصبحت المقارنات الدولية موضوعا دائمًا وأساسيًا في التحليلات والتعليقات المنشورة، لتتحول مواقع الإحصائيات العالمية بما توفره من إمكانيات للمقارنة الجغرافية والتاريخية إلى مقصد لأغلب المهتمين.
وتوفر لنا المقارنات الدولية الكثير من الفهم للأحداث والقدرة على بناء التوقعات المستقبلية، لكنها في الوقت نفسه تواجه مشاكل كثيرة يتعين فهمها حتى يمكننا تعظيم نفعها. وسنجد مركز تلك المشاكل في مدى صحة الأرقام والإحصائيات المتاحة، أي دقتها واكتمالها على المستوى الوطني وتجانسها على المستوى العالمي.
وتتوزع مشاكل صحة الإحصائيات بين نمطين من المشاكل. يتصل النمط الأول بالتباين في أساليب بناء الإحصائيات ومدى اكتمالها. لو نظرنا إلى الجدول الإحصائي العام اليومي في موقع «وورلد ميتر» سنجده مكونا من عشرة أعمدة، تتفرع من ثلاثة أعمدة أساسية هي الإصابات والوفيات والاختبارات، عبر صورها النوعية الخاصة أو احتساب نسبها إلى كل مليون من السكان. وسنجد الصورة نفسها تقريبا مع اختلافات جزئية في المواقع العالمية الأخرى. وبالتالي ما يهمنا هنا المفردات الأساسية أي الإصابات والوفيات والاختبارات. لن نجد في العالم كله دولة لديها رقم مؤكد لإجمالي الإصابات، والموجود هو ما تدعوه الجداول «الإصابات المؤكدة»، أي الحالات التي أثبت التحليل إصابة أصحابها سواء دخلوا المستشفيات أم ظلوا معزولين في بيوتهم. وهكذا هناك إجماع في كل البلدان على أن الإصابات الفعلية يستحيل رصدها، لاستحالة اختبار كل من تظهر أعراض المرض عليه، ولأن أعراض المرض نفسها في مراحلها الأولى ولدى الفئات الشابة تتشابه مع أعرض أمراض أخرى دورية، ويمكن أن تظهر وتتطور وتنتهي دون أن يرصدها المصاب كإصابة كورونا. وبالتالي سنلاحظ أن عدد الاختبارات في مجموعة البلدان المحتلة لهرم الإصابات والوفيات أكبر من عدد الإصابات المؤكدة، لكنه أيضًا أقل كثيرا من عدد السكان. والحاصل أننا أمام قاعدة إصابة فعلية غير محددة العدد ولا التوزيع الديموغرافي ومتغيرة، ولكن هذا لم يمنع محاولة تقديرها، لكنها تقديرات نسبية تقوم على نماذج إحصائية ورياضية. وما هو مؤكد لدينا هو إحصائيات الإصابات والوفيات، ولكن تلك الإحصائيات ترد عليها تحفظات. مع التسليم بأهمية رقم الاختبارات ودلالته تتعرض مصداقيته للنقد، حيث تقوم بعض الدول برصدة بصيغة عدد الاختبارات التي أجريت ودول أخرى بصيغة عدد الأفراد الذين اختبروا، وهناك فارق بينهما لأن المصاب الواحد يمكن أن يجري عدة اختبارات في مسار مرضه، وإذا وضعنا في اعتبارنا اتساع قاعدة المصابين وضرورة متابعة كل منهم عبر عدة اختبارات، سنجد أن الرقم يفقد مساحة من صلاحيته التحليلية. وبمعزل عن الصلاحية الإحصائية التقنية لمعدل الاختبار، لا يمنحنا المعدل وسيلة جيدة للمقارنة بين الوفيات، لأن معدلات الوفيات تحسب على أساس تحديد الاختبارات للحالات المصابة، بينما يتفاوت عدد الاختبارات بشدة فيما بين البلدان. ويتركز النقد حول إحصائيات الوفيات. فهي تنتقد لأن بعض البلدان مثل بريطانيا وحتى 29 أبريل، كانت تكتفي بتسجيل وفيات المستشفيات وإهمال وفيات دور المسنين، بينما كانت فرنسا وألمانيا في الفترة نفسها يضيفانها إلى وفيات المستشفيات. كما تنتقد لغياب معيار دولي عام لتحديد أسباب الوفيات. فهل بجب وجود اختبار مسبق يُثبت إصابة المتوفى بالكورونا؟ أم تكفي شهادة الطبيب؟ وهل يجب ذكر الفيروس بوصفه سبب الوفاة الرئيسي؟ أم يكفي ذكر أي شيء بشأنه في شهادة الوفاة؟ ومن شأن هذا أن يوجد فجوة بين تقديرات وفاة كورونا الرسمية، والارتفاع الاستثنائي في أعداد الوفاة خلال الوباء. قدرت الفايننشيال تايمز أن تلك الزيادة الاستثنائية على مدى أسابيع من مارس وأبريل وفي عدة بلدان وصلت إلى 122,000 وفاة، بينما كانت وفيات الكورونا المعلنة رسميًا 77,000 فقط، أي بفارق 45,000 وفاة يمكن اعتبار أغلبها وفيات لكورونا لا تستوفي المعايير الرسمية.
ويتصل النمط الثاني من مشاكل الإحصائيات بالعوامل السياسية. للوهلة الأولى تبدو تلك المشاكل محصورة داخل بعض النظم المركزية المسيطرة على قنوات الإعلام. وعلى سبيل المثال عندما ننسب الوفيات الصينية لكل مليون من السكان، حتى بعد رفع الصين المتأخر لوفيات ووهان بنسبه50%، سنجدها منخفضة بشكل مبالغ فيه. ولكن بشيء من النظر المدقق سنكتشف أن عمليات التعتيم السياسي مورست أيضا داخل بعض أكثر المجتمعات انفتاحا عبر صور أخرى ومختلفة، مثل التخفيض المخطط أعداد الاختبارات، والتجاهل الواعي لوفيات دور الرعاية، والتقليل الرسمي العمدي من خطورة الموقف، سعيًا لتخفيض حجم التهديدات والهروب من قرارات الإغلاق الاقتصادي. وسنجد في إيطاليا وإنجلترا والولايات المتحدة نماذج فاضحة لتلك الممارسات.
ولكن الإحصائيات بغض النظر عن درجة اكتمالها، ستظل عاجزة عن الإفصاح عن كامل معانيها ما لم نضعها في عدة سياقات مفسرة، وعبر تلك السياقات يمكن للمقارنات الدولية أن تمنحنا أفضل ثمارها.
يتمثل السياق الأول في السياقات الديموغرافية المفسرة للتباينات الدولية. وهنا سنجد بعدين لهذه السياقات.
سنجد البعد الأول في تفاوت معدل وفيات الفيروس تبعًا لاختلاف الفئات العمرية، فكلما ازدادت الفئات العمرية تقدما في السن كلما ارتفع فيها معدل الوفاة، وكلما ازداد عدد كبار السن في إجمالي السكان كلما ازداد عدد الضحايا، بافتراض ثبات العوامل الأخرى. تخبرنا إحصائية أمريكية أنه فيما بين 1 فبراير و16 مايو كانت نسبة تأثير كورونا 1,8% في (فئة 35-44 سنة)، و5.1% في (فئة 45-54)، و12,3% في (فئة 55- 64)، و21,3% في (فئة 65-74)، و27,3% في (فئة 75 – 84) سنة.
وتخبرنا إحصائية بريطانية أنه في الأسبوع المنتهى 24 أبريل، مات 4 من كل مائة ألف في فئة عمر 75 سنة، و75 من كل مائة ألف في فئة 75-84 سنة، و242 من كل مائة ألف في الفئة الأكبر من85 سنة.
وسنجد البعد الثاني في تأثير الكثافة السكانية. كلما زادت كثافة السكان في منطقة معينة كلما ازداد احتمال انتشار الوباء، ولهذا لن نندهش عندما نجد نيويورك بؤرة الوباء الأمريكي، ولندن أكبر مدن أوروبا بؤرته البريطانية، ولومباردو وتعدادها 10 ملايين بؤرته الإيطالية. وفي المقابل يقل انتشار الوباء في المناطق قليلة الكثافة والريفية، ولكن الدكتور كريستين دونيللي أستاذ علم الأوبئة في الإمبريال كوليدج يحذرنا من التعميم، فهناك مناطق ريفية قليلة الكثافة تحولت لبؤر وبائية، ومدن مزدحمة مثل سنغافورة تمكنت من احتواء الوباء لحسن تجهيزها وسياساتها.
ويتمثل السياق الثاني في السياسات التي اتبعتها الدول في مواجهة الجائحة، بما قد توفره من قدرات على استباق الخطر والمواجهة والاحتواء أو العكس. في 20 مايو نشرت نتائج دراسة أجراها باحثون من جامعة كولومبيا الأمريكية، انتهت إلى أن المدن الأمريكية لو كانت قد تحركت مبكرا بفارق أسبوع عن موعد تحركها في اتجاه الإغلاق والتباعد، لكان في إمكانها إنقاذ 35,000 من الضحايا الأمريكيين. ولو كانت تحركت مبكرًا بفارق أسبوعين لأرتفع عدد الأرواح الممكن إنقاذها إلى 50,000. ونشر الدكتور جوشوا آيزنمان في 22 مايو في موقع كونفيرسيشن، موجزًا لنتائج دراسة أجراها مع فريق من باحثين جامعة كاليفورنيا الجنوبية، استهدفت تقييم نتائج سياسات مواجهة كورونا في 60 دولة، وانتهت إلى نتائج مشابهة لنتائج دراسة جامعة كولومبيا. ولخص آيزنمان تلك النتائج في ثلاث نتائج أساسية. أولها: إن البلدان التي كانت أسرع وأكثر حسما في مواجهتها للوباء من بدايته، كانت أسرع في تخفيض معدلات وفياتها بالمقارنة بالبلدان التي تباطأت وتراخت في تحركاتها.
وثانيها: إن البلدان التي ترتفع فيها أعداد عدد الفئات المعمرة، كانت أكثر وأسرع استفادة من السياسات التدخلية السريعة والحاسمة.
وثالثها: إن البلدان التي أسرعت بالمواجهة الحاسمة وصلت إلى نقطة الذروة في 40 يوما، بينما نجد البلدان التي أسرعت بالمواجهة ولكن عبر إجراءات أقل حسما، وصلت للذروة في 50 يوما.
ويتمثل السياق الثالث والأخير في الوضع الصحي الوطني. كلما كان النظام الصحي أفضل تمويلًا وتجهيزًا وإدارة ارتفعت قدرته على مواجهة الجائحة واحتوائها، لأن هذا يعني سهولة وصول المواطن إليه، ووفرة العلاج، ومرونة الاستجابة للأزمة، واتساع القدرة على مواجهة الضغط الجماعي. وكلما كانت الأمراض المزمنة مثل السكر وضغط الدم والقلب أقل انتشارا بين السكان كانوا أكثر قدرة على تحييد أثر الهجمة الوبائية، وانخفض معدل الوفيات.