«كوفيد-19» ونظرة جديدة لقضايا البيئة

مع بدء انتشار فيروس كورونا في أوروبا كان أن نشرت خارطة للقارة وهي يقل فيها معدل الغازات السامة في الجو، وبغض النظر عن دقة هذه الخارطة إلا أنها كانت تحمل رمزيات عديدة حول علاقة مبكرة لـ(كوفيد-19) بقضايا البيئة على مستوى كوكب الأرض.
فمن الملحوظ وخلال وقت وجيز، أن معدلات الاستهلاك الكبير والبذخي أحيانًا لبعض موارد الطاقة في الأرض بدأ يتغير، مع توقف حركة الطائرات والمواصلات العامة والإغلاق الكبير في المتاجر والمجمعات والمؤسسات والشركات.
من المعلوم أنه على مدار مائة سنة يكاد الإنسان قد استنزف الكوكب عبر ممارسات منها ما هو غير مقنن في استهلاك الموارد الطبيعية، كذلك التعامل الجائر مع الطبيعة والحياة الفطرية والبرية في العديد من بلدان العالم، وقد انعكس ذلك في كوارث وخلل بيئي ظهرت آخر تجلياته ما قبيل كورونا في حرائق الغابات في أستراليا والبرازيل.
الواقع أنه منذ الثورة الصناعية في أوروبا قبيل مائتي سنة وإلى اليوم فإن كوكب الأرض يشهد تحولات عميقة في الإطار البيئي، الأمر الذي انعكس على المناخ والطقس عامة كما له تداعيات كما في قضية ثقب الأوزون وظاهرة الاحترار وغيرها من الظواهر الغريبة التي لم يعرفها البشر في تاريخهم.
جاء فيروس كورونا ليرسم الآن خارطة جديدة وسريعة وغير متوقعة للبيئة وإمكانية إجراء تعديلات فيها نحو الأفضل، وهي بمثابة رسالة بضرورة رد الاعتبار للكوكب الجريح من خلال نظرة جديدة لقضايا البيئة، فربما من خلال دروس الأزمة والجائحة يمكن لنا أن نخرج بالعديد من العبر والروايات غير المعهودة من قبل، التي تساعدنا في استبصار المستقبل الأفضل للكوكب.
بدأ الحديث اليوم من قبل العلماء المختصين في مجال البيئة عامة، عما يصطلحون عليه بـ«تنفس الأرض» التي بدأت تأخذ بعض من عافيتها لتكشف عما وراء ممارسات البشر في سالف العقود وإلى الراهن، وإذا كان الإنساني يصارع اليوم هذا الفيروس الغامض، فقد ظلت البيئة والطبيعة تصارع ما يرتكبه البشر من إجحاف بحقها.
تشير التقارير العلمية إلى أن الفيروس المستجد «كوفيد-19» قد ساهم في عافية الكوكب بمستويات ملحوظة وإيجابية ربما لأفضل مرة في التاريخ منذ قرون طويلة، لأنه حتى في عقود ما قبل الثورة الصناعية كان الإنسان يعمل على استنزاف الموارد وقطع الغابات وإزالة مساحات كبيرة خضراء لصالح إنشاء المدن وصناعة الحضارة، وقد قاد هذا الإغلاق والتوقف للحياة بفعل العزلة المفروضة إلى أن يعاد رسم الكثير من المشاهد لتنقلب الصورة عن السابق.
هناك الآن انغلاق للأوزون وتحسن في جودة الهواء في العديد من مدن العالم وظهور طيور مهاجرة توقفت عن المجيء إلى أماكن معينة منذ سنين وغيرها من الإشارات التي تلهم الإنسانية الدروس وإمكانية الاستلهام لبناء حضارة أكثر اعتناء بهذا الكوكب الذي يضمنا جميعًا.