كرة النار التي يلعب بها نتانياهو !!

د. عبد الحميد الموافي –

تمر القضية الفلسطينية بوجه عام ومستقبل الشعب الفلسطيني الشقيق بوجه خاص بمنعطف خطر، ومفترق طرق ستترتب عليه بالضرورة نتائج ستحدد بدرجة كبيرة حاضر ومستقبل القضية والشعب الفلسطيني ربما لعقود قادمة.

وإذا كان هناك من يقول، أو يتصور أن الغد وبعد الغد سيكون كالأمس واليوم، وأن الأمر قد لا يعدو تكرارا لما حدث في ظروف مختلفة خلال العقود الماضية منذ إعلان قيام إسرائيل عام 1948 مثلا، وذلك تحديدا هو ما يراهن عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو واليمين الإسرائيلي بوجه عام، وكذلك جاريد كوشنر الذي يحاول بكل السبل الممكنة دفع صفقة القرن، فإن الأمر هذه المرة مختلف إلى حد كبير، سواء في أبعاده المباشرة وغير المباشرة، أو في النتائج التي يمكن أن تترتب عليه. فقيام حكومة إسرائيل بالبدء في اتخاذ إجراءات عملية لوضع أراضي المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة وكذلك غور الأردن وشمال البحر الميت تحت سيادتها، بمعنى ضم تلك الأراضي إليها، يعني ببساطة الإعلان رسميا عن قطع إسرائيل لخيط الأمل، الذي طالما تمسك به الفلسطينيون والعرب من أجل التوصل إلى حل سلمي للقضية، وعلى نحو يتيح إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية والتعايش مع إسرائيل بالمعنى الكامل لذلك. ومن الطبيعي أنه عندما يفقد صاحب الأرض الأمل في إمكان استعادة حريته واستقلاله على أرضه، فعندئذ تتضاءل قيمة الحياة وتزداد قيمة التضحية بها من أجل محاولة إيجاد فرص أفضل للأبناء والأجيال القادمة، وإنقاذ الأرض من براثن استعمار استيطاني إحلالي يريد اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وتاريخه، ومن شأن ذلك أن يفتح الطريق أمام مرحلة مختلفة بالتأكيد في العمل والكفاح الفلسطيني لنيل الحقوق الفلسطينية المشروعة، وزيادة تكلفة الاحتلال الإسرائيلي بشكل لا تستطيع إسرائيل تحمله لوقت طويل.
وفي حين تتمثل أهمية وخطورة المنعطف ومفترق الطرق الراهن بالنسبة للقضية الفلسطينية ومستقبل الشعب الفلسطيني في أنه يمثل مرحلة الصدام المباشر وربما النهائي، ووجها لوجه بين الشعب الفلسطيني وإسرائيل من ناحية، وبين تصورات إسرائيلية محملة بأبعاد متطرفة ومزعومة أيضا، وبين حقوق تاريخية وثابتة وملموسة على الأرض بالنسبة للشعب الفلسطيني الشقيق، صبر الشعب الفلسطيني كثيرا وقدم الكثير من التضحيات والتنازلات أيضا من أجل الحفاظ على الحد الأدنى المقبول، أو الممكن من هذه الحقوق الوطنية المشروعة والتي يعترف بها العالم أجمع دولا وشعوبا ومنظمات دولية. والمؤكد أن هذا الصدام المباشر ستترتب عليه نتائج يصعب الآن تصور المدى الذي يمكن أن تصل إليه، سواء في المدى القصير والمتوسط، أو في المدى الطويل.
وإذا كانت الطلقات التحذيرية، التي أطلقتها عدة أطراف خلال الأسابيع الماضية، لتحذير إسرائيل من السير في مغامرتها الخطرة، وتطالبها بالتراجع عنها، لاتزال تتطور ببطء، إلا أنه من الخطر بالفعل تصور أن الوضع سيكون كما هو عليه الآن في حالة ضم الأراضي في الضفة الغربية، أو أن الأمر سيقتصر على مجرد بعض التظاهرات، أو حتى المصادمات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبعض الإدانات الإعلامية والبيانات المنددة بإسرائيل من هذه المنظمة الإقليمية أو الدولية أو تلك، والتي ستتحملها إسرائيل وتنتظر حتى تهدأ وتمر العاصفة على قضمة إسرائيلية كبيرة وثمينة من أراضي الضفة الغربية المحتلة طالما حلمت بها. وفي هذا الإطار فإنه يمكن الإشارة إلى عدد من الجوانب لعل من أهمها ما يلي:
أولا: انه إذا كانت الأوضاع العربية والفلسطينية الراهنة تعبر عن مدى التدهور والبؤس الذي وصلت إليه، سياسيا واقتصاديا وثقافيا، وحتى إعلاميا، وهو ما تدركه إسرائيل بالطبع ويراهن نتانياهو عليه، إلا أن ضم أراضي الضفة الغربية – إن حدث – سيكون بمثابة الصدمة الكهربائية التي تهز الشعور والجسد الفلسطيني بالدرجة الأولى والعربي أيضا بشكل ما، لينتفض رفضا للسيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية. صحيح أن إسرائيل تسيطر بحكم الأمر الواقع على الضفة الغربية الآن، وتنشر مواقعها العسكرية والأمنية للسيطرة عليها، ولكن الصحيح أن الأمر سيكون مختلفا عند إعلان ضم أراضيها إلى إسرائيل، لأن ذلك سيكون في الواقع إجهازا على القضية الفلسطينية، ومحاولة لإلغاء فلسطين من خارطة المنطقة، وقطعا لخيط الأمل في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وإنهاء أيضا لإمكانية تطبيق حل الدولتين، وهو ما يفتح المجال لمسارات أخرى بالتأكيد خاصة على المستوى الفلسطيني، حيث سيجد الفلسطينيون أنفسهم أمام واقع التصفية العملية والمباشرة للقضية وإنهاء الأمل في إمكانية الاستقلال. نعم كانت الاستجابات الفلسطينية وردود الفعل من جانب الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة غير متعاونة مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس وحركة فتح، والدخول في جدل حول المسؤولية في الوصول إلى ما وصلت إليه الأوضاع الفلسطينية، وهو ما يعني استمرار نهج الخلاف والتنافس وتبادل الاتهامات بين الفصائل الفلسطينية حتى في هذا الوقت الخطر، وهو ما يشجع عليه نتانياهو، عبر مفاوضات غير مباشرة لتبادل الأسرى مع حركة حماس. غير أن المأمول هو أن تؤدي الخطوات الإسرائيلية إلى إفاقة حقيقية لكل الأطراف الفلسطينية، لتستطيع رؤية حقيقة أن تعاونها وتماسكها وتنسيقها معا هو طوق النجاة لها وللقضية وللأجيال الفلسطينية، ولا يزال هذا الأمل باقيا رغم قسوة الواقع والممارسات على الأرض. وبالنسبة للسلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، فإن القرارات التي اتخذها الرئيس محمود عباس، خاصة وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل والولايات المتحدة ووقف العمل بالاتفاقات التي تمت بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وسحب الأطقم الأمنية الفلسطينية من المنطقة «ب» في الضفة الغربية، فإنها تعد خطوات ذات تأثير سلبي بالنسبة لإسرائيل، وهو ما يتم تقييمه من جانب حكومة نتانياهو والجيش وجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي «الشاباك» ، ومع ذلك فإن الرئيس عباس ترك الباب مفتوحا لاستئناف الاتصالات والمفاوضات إذا أوقفت إسرائيل خطوات الضم وتجاوبت مع المطالب الفلسطينية المعلنة والمعروفة لاستئناف مفاوضات السلام بشكل صحيح وفعّال.
ثانيا: إن مكمن الخطر في الوضع الراهن يتمثل أيضا في قناعة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بأنه أمام «فرصة تاريخية لا ينبغي تفويتها» على حد قوله لضم أراضي المستوطنات وغور الأردن وشمال البحر الميت إلى إسرائيل. ومع إدراك أن هذه القناعة مرتبطة بتفكير ومواقف نتانياهو الذاتية ورغبته في أن يكون أحد قادة إسرائيل الكبار من جانب، وما توفره إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من دعم غير محدود لإسرائيل، وهو أمر غير مضمون بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة، إذا لم ينجح ترامب، من جانب آخر، فإن ضم أراضي الضفة الغربية هو بالفعل بمثابة كرة نار يلعب بها نتانياهو، وعلى نحو يهدد أمن إسرائيل وأمن واستقرار المنطقة ككل أيضا. صحيح هو يعتقد أن ضم أراضي الضفة الغربية سيضمن بقاء المستوطنات الإسرائيلية تحت سيادة إسرائيل، ويعرقل، بل ينهى إمكانية تطبيق حل الدولتين عمليا على الأرض، وهو ما يريده بالفعل، ولكن الصحيح أيضا أن ذلك لن يكون بلا ثمن، وثمن كبير، لسببين أساسيين، أولهما أن أمن إسرائيل لن يتحقق إلا إذا أقيمت الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية والتي تحقق الأمن للفلسطينيين، فأمن إسرائيل لا يمكن تحقيقه – بشكل حقيقي ومستمر – بدون توفير الأمن للفلسطينيين، وهذه حقيقة يدركها الجميع، ومنهم كثيرون داخل إسرائيل ذاتها حتى وإن أنكرها نتانياهو أو تغاضى عنها بشكل متعمد. والسبب الثاني هو أن ضم أراضي الضفة، والى جانب ما سيترتب عليه على الأرض خلال الفترة القادمة، فإنه سيفتح المجال واسعا أمام حل الدولة الواحدة، أي استيعاب الفلسطينيين في الضفة الغربية داخل إسرائيل، أو كمواطنين إسرائيليين، وهذا الحل من شأنه أن يحول إسرائيل إلى مجتمع ابارتهايد، أي مجتمع فصل عنصري ضد الفلسطينيين، فضلا عن إمكانية طرد أعداد متزايدة منهم إلى خارج إسرائيل، بكل ما يترتب على ذلك من نتائج سياسية في الحاضر والمستقبل، وهو ما لن تتمكن إسرائيل من احتماله على الأجل الطويل.
وإذا كان الفلسطينيون قد صمدوا وتحملوا كل الممارسات الهمجية الإسرائيلية وأنهم يراهنون على بقائهم وتمسكهم بأرضهم والدفاع عنها قدر استطاعتهم، فإن محاولة نتانياهو تطبيق أوهامه الذاتية أو طموحاته الخاصة لن تخدم مصلحة إسرائيل، ولن يكون ذلك «فرصة تاريخية» بل «كرة نار» تهدد أمن إسرائيل والأمن والاستقرار في المنطقة، ولذا توجد أصوات في داخل إسرائيل وداخل الكنيست الإسرائيلي وداخل «الشاباك» تتحفظ وتعارض تطلعات نتانياهو، ولكنها تظل أصواتا ومعارضات خجولة ولن تستطيع وقف تطلعه لخدمة مصالحه الذاتية ولو على حساب الجميع. والمؤكد أن بيني جانتس الرأس الثانية لحكومة الوحدة الوطنية الإسرائيلية ورئيس الأركان السابق ووزير الدفاع الحالي في وضع صعب فهل سيجاري نتانياهو لضم أراضي الضفة، خاصة وانه وافق على ذلك من قبل، أم انه سيتراجع ويكون ذلك أول مسمار في نعش الحكومة الحالية، التي سيخرج منها خاسرا في النهاية عندما يتفكك الائتلاف الراهن؟ الأيام القادمة ستحدد ذلك.