جـائحة ثانية اســمها البطـالة

ديفيد فون دريل- واشنطن بوست –
ترجمة:قاسم مكي –

في مارس أكد التشخيص الطبي إصابتي بـ«كوفيد- 19»، وكتبت مقالين عن تجربتي غير المريحة مع ما يوصف أحيانا بالأعراض «الخفيفة إلى المتوسطة» لهذا الداء، تعايشت لأسبوعين مع نوبات من الحمى وأوجاع الجسم واضطرابات الأمعاء والإنهاك والكوابيس الليلية.
تخيلت وقتها أن أبي الراحل سيرتاع من هذه المقالات وهو الذي كان يعتقد أن أمريكا فقدت خشونتها حين صار لاعبو كرة البيسبول يرتدون أقنعة الوجه فوق قبعاتهم.
عندما كنت طفلا أخذني أبي إلى صديق له من قدامى المحاربين في الحرب العالمية الثانية، اضطر صديقه أثناء القتال إلى بتر قدمه المصابة بالغرغرينة دون تخدير ثم واصل حياته دون كدر، (لم يعكر عليه فقدان قدمه صفو حياته).
ظل ذلك الدرس معي، فحين يعاني المرء عليه أن يعيش معاناته في صمت لأن الآخرين عانوا أكثر منه، ولا أحد يحب الشخص الشكَّاء البكَّاء.
لكن بعض القراء طلبوا مني إبلاغهم بآخر أخبار تجربتي مع كوفيد-19، باختصار، لقد عوفيت، فعلى الرغم من إصابتي بالسعال الجاف (وهو من مضاعفات كوفيد-19) ظلت رئتي سليمة، ولم تتوقف دقات قلبي، والأهم بالنسبة لي أن أفراد أسرتي إما لم يمسسهم الداء أو أنه بالكاد مسَّهم، وإذا توافرت اختبارات الأجسام المضادة، التي كثر الحديث عنها ولم نرها بعد، سنعرف إذا ما التقطوا فيروس كورونا.
أنا محظوظ، محظوظ لبقائي على قيد الحياة في حين مات 60 ألف أمريكي (وصل العدد 105 آلاف)، محظوظ لأني مكثت في البيت في حين حُجِز عشرات الآلاف في المشافي، محظوظ لإحاطتي بكرم وسَنَد عائلتي وأصدقائي وزملائى وقرائي، لكن على الرغم من حظي الطيب جعلتني التجربة مؤمنا بحقيقة وجود مرض اسمه كوفيد- 19، فهذا الفيروس حتى إذا لم يقتلك يمكن أن يصيبك بِعِلَّة كريهة؛ لذلك أنا لست من منكري كوفيد-19.
غير أننا في حربنا الضرورية ضد هذا الداء أطلقنا جائحة ثانية، إنها البطالة، وهي الآن في المرحلة التي كان عليها فيروس كورونا المستجد قبل 6 أسابيع، إنها تحتدم بلا كابح وتهزم حكومات لم تستعد لها.
في أواخر أبريل تقدم 3.8 مليون أمريكي بطلب الحصول على إعانات البطالة، وارتفع بذلك عدد من لا يعملون منذ بداية الأزمة الصحية إلى أكثر من 30 مليون شخص في الولايات المتحدة، هذه أكبر خسارة في الوظائف على مدى 50 عاما على الأقل، دعوني أكرر ذلك، خمسين عاما!!
وإذا رغبتم في أن تروا ما هو أسوأ تمهل قليلا حتى صدور التقرير الأسبوع التالي (يوم الخميس 7 مايو وصل العدد إلى 33.5 مليون عاطل، بحسب تقرير وزارة العمل الأمريكية- المترجم).
من المؤكد أن أرقام البطالة المخيفة الحالية تخفي خلفها صورة قبيحة، إنها صورة الملايين من الأمريكيين العاطلين الذين لم يتم إحصاؤهم بعد.
لقد فاقت الموجات العارمة من خسائر الوظائف طاقةَ البلاد على تسجيل طلبات فاقدي الوظائف.
فحول أمريكا تتعطل مواقع التسجيل على الإنترنت من شدة الازدحام ولا يتم الرد على المكالمات الهاتفية لأن مكاتب التسجيل الحكومية عجزت عن تحمل هذا العبء المفاجئ.
ومثلما لم تكن الكمامات وأجهزة التنفس كافية لأزمة كوفيد-19 كذلك هو الحال مع مراكز الاتصال وأنظمة الحاسب الآلي في مواجهة أزمة العمل، فالإمدادات ببساطة غير كافية.
حتى وقت قريب لا يتعدى فبراير الماضي كانت مكاتب التوظيف غارقة في نعاسها مثل قط عجوز يسترخي تحت أشعة الشمس الدافئة، لقد دفع ما يزيد عن عقد من النمو الاقتصادي المتواصل معدلَ انعدام الوظائف (البطالة) إلى أقل من 4%، وهو من بين أقل المستويات في التاريخ، ومع وفرة الوظائف قلصت حكومات الولايات تعويضات التأمين ضد البطالة وتشددت في شروط استحقاقها، وتم توجيه الإمكانيات القليلة التي تبقت في هذه الأنظمة لصرف الناس عن تقديم الطلبات وليس معالجتها.
لكننا انتقلنا من أحسن الأوقات إلى أسوأ الأوقات بأسرع مما يمكن، كما يقول شارلس ديكنز، (يشير الكاتب إلى الفقرة التي افتتح بها ديكنز روايته قصة مدينتين في وصف الانتقال من باريس إلى نقيضتها لندن أيام الثورة الفرنسية- المترجم).
كانت مكاتب توظيف نيويورك تتلقى في المتوسط حوالى 50 ألف مكالمة أسبوعيا قبل الأزمة.
ومع انتقال مارس إلى أبريل رنَّ الهاتف بما يقرب من 8 ملايين مرة في أسبوع واحد فقط، وفي ولاية كنساس زاد عدد الطلبات الجديدة بنسبة 3554% مقارنة بعددها قبل عام، لكن عددا ضئيلا فقط من هذه المكالمات تم الرد عليه.
لقد صُمِّم نظام استلام طلبات فاقدي الوظائف في كنساس للتعامل مع حوالي 220 طلبا في اليوم، لكنه تلقي 877000 محاولة اتصال هاتفية في يوم واحد في أواخر مارس.
اتجهت واشنطن إلى معالجة المشكلة بإنفاق المال، فقد خصصت 600 دولار أسبوعيا (وهو مبلغ غير مسبوق) لكل عامل فقد عمله بسبب جائحة كوفيد-19، لكن خمّنوا الكيفية التي يفترض أن يصل بها هذا المبلغ إلى متلقيه ! سيحدث ذلك عبر نفس الأنظمة الحكومية التي تهاوت تحت ثقل الطلبات الجديدة، ولأن سريان إعانات البطالة الفيدرالية سينتهي في 31 يوليو ربما لن يحصل الملايين من العاملين (الذين فقدوا وظائفهم) إلا على فُتَات من الدعم المالي الذي وافق عليه العم سام.
الجدل حول إعادة فتح الاقتصاد أو إبقائه مغلقا ليس تجريديا بالنسبة لهؤلاء الأمريكيين الذين هم ضحايا فيروس كورونا (بفقدهم وظائفهم)، إنه حقيقي مثل فاتورة إيجار المسكن وضاغط مثل الثلاجة الفارغة (من المأكولات والمشروبات). وأي ديمقراطي يعتقد أن هذه الكارثة البشرية ستساعد حزبه بطريقة ما في انتخابات نوفمبر الرئاسية الأمريكية عليه مراجعة التعليقات في موقع الإنترنت الخاص بالبطالة في كنساس، فعدد كبير من الأشخاص الغاضبين يلومون حاكمهم الديمقراطي المنتخب حديثا في الولاية (وليس الرئيس) على الفوضى الناشبة، لقد حدث هدر كبير من وقت وطاقة أمريكا في شجار حول أيهما أسوأ: كوفيد-19 أم إغلاق الاقتصاد؟ الداء أم الدواء؟
هذا خيار زائف وليس فيه فائزون، علينا معالجتهما كلاهما.