بعد مكابدة.. العالم يتنفس ببطء

أحمد بن سالم الفلاحي –

بعد أن أصبحت نسبة مئوية مقدرة من الموظفين يزاولون أعمالهم الإدارية والفنية من منازلهم، في مختلف دول العالم، أصبح من الجيد الآن أن تكون منظومة العمل الإدارية أو جزء منها يقوم على هذا النظام في العمل، وفي ذلك فرصة لإعادة ترتيب النظم الإدارية في المؤسسات، وهذا بلا شك سوف يؤدي إلى تقليص الكثير من النفقات المادية، وترشيد الإنفاق.

ماذا يمكن أن يقال بعد هذا العمر الذي قطعه كورونا منذ نشأته الأولى؟ فالحال يغني عن المقال، وما حصل من تدمير للبنية الإنسانية أكثر مما حصل من تدمير للبنية البشرية، فعلى مر العصور عايشت الإنسانية تدميرا ممنهجا أو عشوائيا، مقصودا، أو صدفة، بفعل العوامل المناخية، أو البشرية – مع التسليم المطلق بإرادة الله في خلقه – إلا أن ما حدث ويحدث في هذه الجائحة من كوارث إنسانية لا يمكن مقارنته بما شهدته الإنسانية طوال تاريخها، كما تؤكد أحداث التاريخ، ولئن حدثت فواجع مؤسفة، وقاتلة عبر قرون الزمن المتتالية، فإنها حدثت في قارة بعينها، أو إقليم دون آخر، أما أن تكون بهذه الشمولية والإقصائية، فإن ذلك يسجل حدثا تاريخيا استثنائيا لا مثيل له حتى هذه اللحظة الفارقة من عمر زمن الإنسانية التي تعيش مأساتها؛ التي لا تزال حبلى؛ فالصورة لا تزال مشوهة، ومن يرقب المشهد لا يستطيع التنبؤ بحكم قاطع، وهذا ما يطرح أسئلة كثيرة، تدور حولها تكهنات، واستنتاجات، وتأويلات، حيث أن كل الأمر ملتبس برمته.
من يتابع هذا الدفق الإعلامي لتصريحات الساسة، والمنظرين في الشأن الاقتصادي، والاجتماعي، والصحي، يكاد يصاب بالكثير من الدهشة، ومن الاشمئزاز، خاصة في ظل غياب اللاعب الحقيقي للجائحة؟ وما هو الثمن الذي قبضه، مقارنة مع مستوى الثمن الغالي الذي يدفعه الجميع بلا استثناء، وحالة الإرباك الواضحة على المستويين المؤسسي «الحكومات» والاجتماعي «الأفراد» ومع اقتطاع أي مسافة زمنية يمر بها الجميع، تجد، في كل مرة، وكأن القصة تبدأ كتابة فصولها الأولى، إلى الحد الذي جعل الكثير من الدول تعيش عمر تجربة المغامرة، استعدادا كيفما تكون النتائج، وإلا فالقادم أكثر إيلاما مما هو عليه الحال الآن، فهل عاش العالم أكثر محنة مما هو عليه الآن؟ ففي الوقت الذي كان العالم يستعد فيه لخلق واقع أفضل في ألفيته الثالثة الحالية، فإذا به يصطدم بواقع هذه الجائحة، التي تضعه في أعجز حالة عما كان عليه، وفي ارتباك لا يحسد عليه، وفي مشهد كان ينظر من خلاله على أن هناك دولا متقدمة، ودولا متطورة، ودولا قطعت مراحل من التطور التقني، فإذا بها تصبح عاجزة عن التصرف في المواجهة، وتفتك الجائحة بشعوبها، لتعيش أكثر الشعوب مأساة في محنتها، وكل الهالات الضخمة التي ناجزت بها الدول الضعيفة، وقصمت ظهور أبنائها، تبدو اليوم هشة، كقربة منفوخة فرغت هواءها وظلت على تكورها فارغة تعزف بداخلها رياح السموم.
وفي ظل هذه المرحلة المفصلية في حياة الإنسانية، تعيش الإنسانية ذاتها مأساتها الكبرى، فحالات الشك، وتبادل الاتهامات بين الدول، والمنظمات المعنية، تظل عناوين كبيرة، وخطيرة، وتزيد من حالة الحيرة القائمة اليوم، في ظل تسارع غير منكور لمختلف جوانب الحياة، فكيف يعيش الجميع هذه التناقض الغريب للحالتين في ظل حلول هذه الجائحة، التي تقدر بعض التكهنات ببقائها لسنوات عديدة، وهناك من يغالي في ذلك ليتوقع أنها سوف تعيش فيما لا يقل عن (100) عام من عمر البشرية، والأهم من ذلك هل هذه الصورة مستوعبة بحجمها، وبتأثيرها على واقع الناس بالصورة التي يستشعرها المعنيون المباشرون بالتعامل مع هذه الجائحة، أم أنها مجرد تصورات حائمة في هذا الفضاء اللامتناهي، كما هو الحال للفضاء الإلكتروني الذي نعيشه مجرد صور عبر الشاشات، ولا نعيشه حالة مادية ملموسة؟ كل الاحتمالات متوقعة، وباقية، وكل التكهنات مقبولة في ظل جائحة لا تزال تعيش حالات من الأخذ والعطاء، والتأكيد والنفي، والتصديق والكذب.
إلى أي حد استطاع الإنسان العادي استيعاب حجم التأثير المباشر وغير المباشر للجائحة؟
يمكن التخمين، أن الاستيعاب هنا لم يتجاوز أكثر من مستوى الضرر المباشر، فقط، والمتمثل في الجانب الصحي والجانب الاقتصادي، هذا إذا تم تجاوز الجانب الاجتماعي، لأنه لم يكن هناك ضرر، بقدر ما كان هناك فوائد، ولو حصلت عن طريق الجبر والإكراه؛ من خلال الحظر المفروض بقوة القانون، لا بإمكان الوعي؛ أما غير ذلك فالفرد محسوب على الجمع، والجمع يعيش في صدمة الحدث الذي أربك الحسابات، وقوض الخطط والبرامج، والانتظار حتى تنجلي الغمة يحتاج إلى زمن طويل، خاصة في ظل تخبط دولي، واحتكار وطني، وتبادل للاتهامات، والشكوى غير الموجهة لجهة بعينها، كل ذلك جعل الفرد أكثر حيرة، في ظل تنامي الأرقام المليونية للإصابات، والمئوية الألفية للوفيات، وشلل شبه تام عن الوصول إلى علاج حاسم وقاطع، ينهي كل هذه الصور البائسة والمخيمة على الكون الإنساني كله.
لعب الكادر الصحي دورا مهما؛ وهو الفصل الوحيد في قصة «كورونا» وعى شخوص القصة، وتعامل معهم بكل احترافية، وما أوتي من علم ومعرفة، كما دفع ثمن هذه المشاركة غاليا، وضحى تضحية صادقة يشهد لها الجميع، وسوف تظل علامة ناصعة البياض على جبين كل فرد في المؤسسة الصحية في كل مكان في العالم، ولذلك شكل أهمية كبيرة في التصدي لمواجهة (كورونا – كوفيد19) لحجم الدور الذي لعبه بالمواجهة المباشرة مع الفيروس، وكان الأغلب في دفع الثمن الغالي أكثر من غيره من القطاعات، وهذا؛ وهو ما يتوقع له؛ أن يخلق ذلك تعاملا خاصا مع الفئات الطبية والصحية في مخططات الدول وبرامجها الصحية في المرحلة القادمة، لتتعالى الكفاءة، وتتصدر قائمة كل الفئات الوظيفية في أي نظام إداري وفني في أية دولة، تتلبس الاستعداد لأي ظرف صحي طارئ، كحال هذه الجائحة؛ لا قدر الله وقضى.
ومما لا شك فيه أن التقنية تعاظمت في تقدمها خلال هذه الجائحة، وسجلت نفسها كأول المستفيدين من الجائحة، وربما ذلك سوف يعزز من قدرتها على التميز، وعلى الصمود، وقد عايشنا جميعا التوظيف الرائع لكثير من المبادرات في هذا المجال، حيث حلت أدواتها المختلفة محل الإنسان، وأعفته من مشاق كثيرة، خاصة في جانب النأي به عن نقل العدوى في التعامل مع المرضى، من ناحية، وفي تسهيل الكثير من الإجراءات الإدارية والفنية من ناحية ثانية، فهل سيغربل ذلك مجموعة القيم الإدارية؛ كأول المستفيدين من التطور التقني؟
فهذا ما يأمله الجميع، فبعد أن أصبحت نسبة مئوية مقدرة من الموظفين يزاولون أعمالهم الإدارية والفنية من منازلهم، في مختلف دول العالم، أصبح من الجيد الآن أن تكون منظومة العمل الإدارية أو جزء منها يقوم على هذا النظام في العمل، وفي ذلك فرصة لإعادة ترتيب النظم الإدارية في المؤسسات، وهذا بلا شك سوف يؤدي إلى تقليص الكثير من النفقات المادية، وترشيد الإنفاق.
هناك من طمح إلى إحداث مخاض في مجموعة القيم الإنسانية، ووجود توازنات بين أطراف العلاقات الاجتماعية، سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع، ولكن المسألة؛ كما أتصورها؛ ليس بهذه الرؤية المبالغ فيها، فترسيخ القيم الجديدة تحتاج إلى مساحة زمنية طويلة في التعايش بين القيمة وصاحبها، حتى تترسخ، وتصبح سلوكا فطريا ممارسا بلا تكلف، ومجموعة الإرهاصات التي حدثت، والتي لا تزال باقية، كالحالات النفسية والاجتماعية طوال ذروة الجائحة، لا يمكن القياس عليها بصورة مطلقة، فقد تحتاج إلى كثير من الدراسات حتى يتم التأكد منها، وربما ما حدث هو مجموعة انفعالات لواقع كان صادما، أكثر منه مولدا للقيم، وهذه مسألة مهمة.
ويبقى الختام القول: ولئن العالم أصبح قرية كونية واحدة، لم تعد هناك خفايا غامضة، فكل ما خطط لميلاد هذا الوباء، أصبح الجميع يعرفه، وكل السيناريوهات المحتملة لإيقافه بدأت تتكشف، من حالات الإفصاح والرد والرد المضاد، ومجموعة المماحكات القائمة بين النظم السياسية، ويبدو أننا نعيش «ميلو دراما» جديدة بأدوات جديدة، وبموسيقى أكثر حزنا، وبمشاهد لا تقوى النفس على مشاهدتها، لأن الفاعلين هم الواقعون في مأساة المشهد أكثر من غيرهم، فهل يدرك هؤلاء جميعهم ما اقترفت أيديهم؟