“رسائل فريدا كالو” من البورتريهات المرسومة إلى بورتريه مكتوب

كتبت: بشاير السليمية

يضم كتاب (رسائل فريدا كالو) الفنانة المكسيكية المعروفة بـ”ملكة السيلفي” أكثر من ٤٠ رسالة، وثلاث قصائد، وكلمة ودعوة لحضور معرض لأعمالها، ومقطعا قصيرا من سيرتها الذاتية التي كتبتها عام ١٩٥٣، جمعتها مارثا زامورا موزعة الكتب ومعدة البرامج التلفزيونية والإذاعية التي تسلط الضوء على الفن والثقافة المكسيكيين.

فريدا كالو


عرض الكتاب سلسلة زمنية لحياة فريدا كالو، ورد فيها أنها تعرضت لحادث سير حين كانت تستقل حافلة هي وأرياس عام ١٩٢٥، أي قبل عام تقريبا من الرسالة الأولى في الكتاب، التي كانت موجهة للرجل الذي تحب (أليخاندرو غوميز أرياس)، وبذلك يحوي الكتاب ثلاث رسائل فقط مما كتب قبل حادث الحافلة من مجمل الأربعين رسالة، فالرسالة الرابعة – الموجهة لأرياس أيضا – كانت بياضا ولا تحوي من الكتابة إلا سطرا افتتحت به المرحلة التي كابدت فيها الألم بعد الحادث الذي أصابها بجروح بالغة، وأجرت إثره عمليات جراحية متتابعة وكثيرة، وجلسات تدليك عديدة وحمامات مياه ساخنة، *كانت هي وحدها تكره أن تجر إليها*: “بدأت أعتاد على مرارة المعاناة. لا أخبار جيدة غير ذلك”.
وعلى الرغم من أنها قضت فترة نقاهة طويلة بعد الإصابات البالغة أمضتها في الرسم، إلا أن رسائلها لأرياس وحتى للعائلة والأصدقاء نادرا ما تحدثت فيها عن الفن بقدر ما تحدثت فيها عن الألم، فكما تشير مصادر أخرى أن إصاباتها ألزمتها الفراش عاما كاملا دون حركة، مما جعل والدتها تعلق مرآة كبيرة في السقف تستطيع فريدا خلالها النظر إليها ثم رسم نفسها المنعكسة في المرآة.
اهتمت فريدا خلال هذه الرسائل أن تعكس ما تشعر به أكثر من أي شيء آخر، وبدا أيضا أنها تحب أن يبادلها الرسائل باستمرار أهلها وأصدقاؤها وكل من يراسلها، فكانت غالبا ما تطلب منهم ذلك برجاء في مطلع الرسائل. والمتتبع لتواريخ الرسائل المرسلة سيلحظ مواظبتها على إرسال الرسائل فترات متقاربة، فلا يكاد يمر شهر دون أن تبعث برسالة أو اثنتين سواء لأرياس أو لطبيبها أو عائلتها؛ والدها وأخيها وصديقاتها.
كما بدا أنها مهتمة بأحوال الجميع وحريصة على أن تعلم كيف تسير أمورهم، وكيف يقضون أوقاتهم وأماكن وجودهم، فكل الذين كانت تكتب إليهم كانوا في أماكن بعيدة تماما عنها خاصة في الفترة التي كانت ترقد فيها في المشفى، لذلك غالبا ما كانت تلح في طلب رؤية المرسل إليه متى اقترب مكانيا منها، كما أنها لا تنسى تحديث عناوينها متى ما انتقلت إلى مكان جديد حتى لا تذهب رسائلهم إلى أماكن قديمة تخسر فيها رسائلهم تلك.
وكما عُرفت فريدا كالو بلوحات البورتريه التي كانت ترسم فيها نفسها بتاج من الورد على الرأس، فإنها من خلال هذه الرسائل التي جمعتها مارثا زامورا تضعنا أمام (لوحات سيلفي) إضافية ولكنها بالكتابة هذه المرة عنها وعن المرض والألم والحب والحزن والاشتياق التي تخلقه المسافة. تقول زامورا في مقدمة الكتاب: “كتبت فريدا كالو بصدق ومن دون ندم”، ربما لم تكن فريدا تعلم بأن رسائلها هذه ستخرج للعلن يوما ما، فقد كتبت رسائلها لدائرة ضيقة من المقربين معرية فيها الضعف والألم؛ لذلك كان أسلوبها على نحو من الشفافية والصدق.